كما يليق بعصرنا الجديد من وسائل الإعلام الاجتماعي، كان أحد أول الأعمال التي فعلها مبعوث السلام الأميركي إلى الشرق الأوسط، مارتن إنديك، لدى تسلم مهامه هو إرسال تغريدة. كتب: “ليست هذه هي النهاية…” مقتبساً خطبة تشرشل الشهيرة في العام 1942، “بل وحتى ليس بداية النهاية. لكنها، ربما تكون، نهاية البداية.”
بينما بقي إنديك صامتاً جداً إزاء جوهر نهاية اللعبة الذي يسعى إليه، لإنه لم يتردد في إعلان أنه عندما يتم التوصل إلى صفقة، فإنه سيكون سيكون من الحاسم للغاية أن تتمتع بالدعم الشعبي من الإسرائيليين والفلسطينيين والأميركيين من أجل تحققها وضمان أن يتم الدفع بها إلى حيز التطبيق. وفي إحدى مناسبات بوحه القليلة، في مؤتمر منظمة “جيه ستريت” السنوي في أواخر أيلول (سبتمبر)، أكد على أن على كل من نتنياهو وعباس “أن يعرفا أنهما سيحصلان على دعم شعبيهما وسيكون عليها أن ينالا دعم أناس مثلكم، من الذين يهتمون برؤية الصراع وهو ينتهي مرة وللأبد.”
ينبغي أن يعرف إنديك، بوصفه سفيراً سابقاً لأميركا في إسرائيل خلال أواخر التسعينيات وبواكير الألفية، أنه كان شاهداً على تفكك ما كان قد لقي الحفاوة باعتباره اتفاق سلام تاريخي، اتفاقيات أوسلو. وقد أصبح تبعاً لذلك عضو مجلس إدارة في “صندوق إسرائيل الجديد”، الجسر الرئيسي بين المانحين الأميركيين والمجتمع الإسرائيلي التقدمي المتحضر، والذي أنفق منذ العام 1979 أكثر من 200 مليون دولار على أكثر من 800 منظمة، وبنى إمكانية تعبئة القاعدة الشعبية لخوض معركة من أجل خلق رأي عام في حال ظهر اتفاق سلام عادل.
يبقى من غير الواضح ما إذا كان ينبغي خوض مثل هذه المعركة في المستقبل القريب. ففي شبه الغياب الكامل لمعلومات محددة حول تقدم المفاوضات، بقيت التنبؤات حول إمكانية التوصل إلى اتفاق قابعة في منطقة التخمينات. لكن إنديك ألمح بقوة إلى أن الولايات المتحدة تنوي فرض خيار على القادة الإسرائيليين والفلسطينيين عن طريق تقديم اقتراح لجسر الهوة، وأن اتفاق وضع نهائي، يتضمن كل القضايا الرئيسية، سوف يُطرح على الطاولة. وقد أكد لمؤتمر “جيه ستريت”، مقتبساً شمعون بيريز، على أن “حصان التاريخ الراكض” سوف يعبر قريباً من أمام نوافذ كلا الزعيمين، وسيكون عليهما اختيار ما إذا كانا سيقفزان إلى ظهره.
هناك سبب وجيه للتشاؤم إزاء ما سيتكون منه ذلك الاتفاق، إذا ما تحقق، وما إذا كان سينهار سريعاً مثل سابقه. ويحتاج المرء إلى النظر أبعد من التخمينات القاتمة لفريق إنديك نفسه في معهد بروكينغز، عندما تم الإعلان عن المحادثات في تموز (يوليو): عندما شدد أحدهم على عدم وجود الثقة ولا الأرضية المشتركة بين الطرفين، في حين أشار آخر إلى أن القيادتين ضعيفتان بنفس مقدار ضعف سلطة محمود عباس الفلسطينية، وأنه يمك توقع القليل مع مثل التزام تحالف بنيامين نتنياهو ببناء المستوطنات. وفي حقيقة الأمر، أكد الاثنان بدلاً من ذلك على الحاجة الماسة إلى التفكير الجدي إزاء كيفية تحسين الوضع على الأرض بحيث لا يكون انفجار للعنف –أن انهيار للأمل- هو النتيجة الرئيسية للمحادثات، أياً كانت حصيلتها.
كل ذلك يشير إلى حقيقة مهمة: بينما تظل الاتفاقيات التي تتوسط فيه النخبة خطوات لا غنى عنها باتجاه حل أي صراع، فإن السلام المستقر والدائم ينبغي أن يتجذر أخيراً في حركات اجتماعية موثوقة عميقة الجذور، والتي تنجح في تأسيس سعي غير عنفي إلى تحقيق الحرية والعدالة والكرامة لكل القيم السائدة في مجتمعاتها. البراعم الخضراء لمثل هذه الحركات حاضرة في المجتمعات الإسرائيلية، والأميركية والفلسطينية، لكنها غضة نسبياً، مجزأة وضعيفة. وهي تسبح ضد مد عملاق من نعدم الثقة والعنف البنيوي واليأس.
ثمة تذكير موح وفي وقته بالشجاعة المادية والقيادة الأخلاقية المطلوبة لجعل هذه الحركات تنجح، والذي جاء في الأيام الأخيرة فقط، حين تعرض خبير القدس المخضرم، دانيل سيدمان، لهجوم وأصيب بجراح بينما كان يزور صديقاً فلسطينيا في صور باهر، أبعد قليلاً من مرمى حجر (التورية مقصودة) من منزله. سوف يعرف الكثيرون داني كمدافع لا يكل عن حل لغز السلام المعقد في القدس، ومعرفته التي لا مثيل لها بتفصيلات الصراع، وكيف ساعدت هذه المعرفة قادة العالم والدبلوماسيين والمفاوضين في اتخاذ قرارات مستنيرة عندما مر حصان التاريخ من أمام نوافذهم. كانت التأملات الحكيمة والملهمة التي أرسلها في أعقاب الهجوم نموذجاً دقيقاً لنوع السلوك الذي ينبغي أن يصبح القاعدة، وليس الاستثناء، حتى ينتهي هذا الصراع حقاً.
كتب سيدمان: “لن ينتهي هذا عندما يتصرف الفلسطينيون أفضل، أو عندما يصبح جهاز الشاباك لدينا أكثر كفاءة. سوف ينتهي عندما ينتهي الاحتلال.” إذن، عادة ما يكون حشد شعور التعاطف والمسؤولية الشخصية مدخراً للقادة الأخلاقيين العِظام في عصرني، كما أضاف سيدمان. “وحتى ذلك الحين، سوف أبقى رمزاً لذلك الاحتلال، وليس بلا سبب. لن تتمكن أي فضائل أو حسنات، كما كان واقع الحال، من تزويدي بالخلاص أو الحماية.”
حتى لو نجح مارتن إنديك أبعد من أبعد أحلامنا في التوسط للخروج باتفاق قابل للحياة، فإن تغريدة تنصيبه في الوظيفة كمبعوث للسلام ستذكرنا بأن مثل ذلك الاتفاق سوف يترك الفلسطينيين والإسرائيليين على مساقة بعيد جداً من خط النهاية. وسوف تظل الحاجة ماسة جداً إلى نوع القيادة التي عرضها داني سيدمان في حادثة نهاية عطلة الأسبوع المذكورة، حتى تحملهم إلى هناك.
سكوت فيلد – (ديلي بيست) ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية





