سيكون ضرباً من الحكمة لأولئك الذين يشكون في فعالية نظام الدعاية الجماهيرية في أميركا –موطن أدعياء “الصحافة الحرة”- أن يتفحصوا الانتقالة الملحوظة التي تحدث الآن في الرأي العام الأميركي فيما يخص إعادة نشر القوات الأميركية في العراق.
في مستهل الصيف، عندما كان نظام الدعاية منشغلاً تماماً في شيطنة “الرفيق بوتن” من روسيا الحمراء، كانت قلة قليلة جداً من الأميركيين تعرب عن دعمها ذلك العرض الأكبر للتسلية الأميركية: إلقاء القنابل الأميركية على العراق. ومع ذلك، جاء أيلول (سبتمبر) لنجد ذلك الدعم وقد قفز فجأة إلى نسبة مذهلة بلغت71 في المائة. والأكثر مدعاة للملاحظة هو ما وجده استطلاع للرأي العام، والذي أجرته شبكة (أن. بي. سي) التلفزيونية بالاشتراك مع صحيفة وول ستريت جورنال، من أن 34 في المائة من الأميركيين أصبحوا يفضلون الآن استخدام القوات البرية في القتال ضد الدولة الإسلامية –أي التهديد الذي “يفوق أي شيء شهدناه من قبل”.
فما الذي حصل؟ بعد كل شيء، يحتاج المرء للعودة وراء بضعة أسابيع ليشاهد نخبة السلطة وهي تعرب عن غيظها علناً حول التفكير في كيفية التغلب على إجهاد الحرب الأميركي وحسب. والآن، في غمرة الأزمات الاقتصادية والمجتمعية المتواصلة في الوطن، تم فتح الفضاء السياسي الضروري أمام الكونغرس الأميركي للموافقة على تخصيص المزيد من ملايين الدولارات في شكل نفقات عسكرية للقتال ضد الثوار الإسلاميين، من دون استثارة أكثر من مجرد هبة خفيفة من الاحتجاج الشعبي.
يكمن الجواب على ما حصل في نظام الدعاية.
في أوائل آب (أغسطس)، أعلن الرئيس اوباما أولاً عن استخدام الضربات الجوية الأميركية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في شمالي العراق “للحيلولة دون وقوع عمل محتمل من الإبادة الجماعية” ضد الأيزيديين، مجتمع الأقلية المحلي العراقي. لأن القوة العسكرية الأميركية، كما ينص مبدأ “مسؤولية الحماية”، هي كل ما يمكن أن يحول دون ارتكاب الإبادة الجماعية؛ بمعنى “الإبادة الجماعية” التي يرتكبها “الأولاد الأشرار” الذين صادف أنهم يسيطرون على دول مهمة من الناحية الجيوسياسية. فكروا: العراق؛ صربيا؛ ليبيا؛ الع وهكذا. أما بالنسبة لأي عمليات إبادة جماعية يقوم بارتكابها “ولد طيب”، حسناً “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، فإنه يجب السماح له بالدفاع عن نفسه ضد “الإرهابيين”.
لكن كل القصص عن الأيزيديين المحاصرين الذين تقوم الطائرات الأميركية بإسقاط المساعدات الإنسانية عليهم لم تكن كافية تماماً لتحويل الجمهور الأميركي إلى القبول بتأييد حرب برية مناسبة. ما يزال الدوار الناجم عن الحرب في العراق (الجزء الثاني) ما يزال يحوم ويترك آثاره. وذلك مفهوم بالنظر إلى أن الحرب التي شنت من أجل منع نشوب حرب (“دفاع استباقي”) فتحت ثقباً في الصندوق المالي الأميركي بقيمة ثلاثة تريليونات دولار ويزيد، ناهيك عن أنها تركت آلاف الجنود الأميركيين قتلى ومشوهين (بالإضافة إلى اعتبار ملايين آخرين ضحايا عرضية في العراق). ومع أنها بذلت كل ما في استطاعتها، فإن “الصحافة المحترمة” لم تستطع بيع فكرة الحيلولة دون وقوع “الإبادة” كذريعة للحرب على جمهور ما يزال متوجساً من الحروب. ومن الواضح أن فكرة مسؤولية الحماية التي تشكل اللازمة التي يكررها الليبراليون من أنصار التدخل في الخارج لها حدودها.
عند ذلك، حان الوقت للعب الورقة الرابحة التي يشكلها نظام الدعاية. ازرعوا الخوف.
يوم 19 آب (أغسطس) الماضي، بثت “الدولة الإسلامية” على شبكة الإنترنت شريط فيديو مزعوماً يعرض عملية قطع رأس الصحفي الأميركي جيمس فولي. وبعد ذلك مباشرة، طفا على السطح شريطا فيديو آخران يوثقان قطع رأسي الصحفي الأميركي ستيفن سوتلوف وعامل الإغاثة البريطاني ديفيد هاينز. وكانت هذه الجرائم هي بالضبط ما احتاج صقور الحرب في واشنطن إلى جمع الجمهور الأميركي من حوله. وفي الحقيقة، وبالنسبة لثقافة متلبسة بالتفكير الإيجابي، فإن هناك دائما جانب مشرق، حتى في قطع الرأس.
مع ذلك، أمكن لأشرطة الفيديو البشعة التي بثتها الدولة الإسلامية أن تفضي إلى حمل الجمهور الأميركي على التخلي عن اتجاهاته الانعزالية الخطيرة فقط من خلال الجهود الهائلة التي بذلتها “الصحافة الحرة”. وهكذا انطلق الدعائيون الماهرون بسرعة إلى العمل، بحيث تم تصوير عملية قطع الرأس التي نفذتها الدولة الإسلامية على أنها التهديد الأكبر الذي يواجه الأمة –ولتذهب تقديرات الاستخبارات الأميركية إلى الجحيم. وبفضل جهود هؤلاء الدعائيين، فإن تسعة من أصل عشرة أميركيين يعتقدون راهناً بأن الدولة الإسلامية تشكل “تهديداً خطيراً للمصالح الأميركية الحيوية”.
تعني “المصالح الأميركية الحيوية” بالطبع وبشكل حاسم مصالح أميركا الشركات، والتي تقع في الواقع في تناقض مباشر مع مصالح الغالبية حتى الغالبية الكادحة في داخل بطن الوحش الإمبريالي. لكن الأمر ليس كذلك في داخل النظام الدعائي. ففي داخل غرفة الصوت الذي يردد أصداء الصيحات الحادة لأولئك الذين يحذرون من أن الدولة الإسلامية تخطط لقتلنا كلنا، يجري تحريف التهديد لقوة طبقة النخبة ليصبح تهديداً لطريقة الحياة الأميركية السامية. أي أنه تهديد للمواطن الأميركي العادي، الذي وُهب الحق في أن يطلق رحلة الحج السنوية إلى محلات شركة “أبل” للإعراب عن الامتنان للنسخة الأحدث من هاتف “آيفون”. وهكذا، إذا كانت هناك فرقة من وحوش فرانكشتاين الأميركية التي تجول في العراق وسورية، وتهدد تلك الحياة، حياة الاستهلاك السعيدة المبنية على النفط الرخيص الذي يقع تحت سيطرة الولايات المتحدة وعملائها، فإن هناك “شيئاً ما” يجب القيام به بكل وضوح.
بطبيعة الحال، ربما لا يعلو على صوت هذه الصيحات لفعل “شيء ما” سوى التنويعات المنذرة من أصوات أولئك الذين يدعون إلى إبقاء “كل الخيارات مطروحة على الطاولة”؛ لأن ذلك “الشيء” الذي يجب أن تفعله أميركا الممزقة بالخوف يشتمل حتماً على قصف أرض وشعب أجنبيين. وفي النهاية، أو هكذا يذهب القول، فإن فعل شيء ما سيكون أفضل دائماً من عدم فعل أي شيء.
يتساءل المرء عما سيفهمه مؤرخو المستقبل للإمبراطورية الأميركية من السهولة التي تستطيع بها النخب الأميركية أن تتمكن من تهدئة النفسية الأميركية المشوشة بشكل متكرر من خلال تقديم صور محزومة بعناية للقنابل الأميركية وهي تنسف شخوصاً مخفية الملامح وبلا وجوه وتحيلها إلى أشلاء. ثم مرة أخرى، وبالنسبة للغالبية العظمى من الأميركيين، تمثل هذه الحقيقة الرقمية القصية أبعد مدى لخبرتهم بصادرات أمتهم المفضلة.
يكتب شيلدون وولين في “شركة الديمقراطية”: “إن أكبر انتصار للواقع الافتراضي هو الحرب”. ويمضي وولين إلى القول: “إن الحرب هي لعبة إثارة، يتم لعبها في غرفة المعيشة، أو هي مشهد على الشاشة، لكنها تظل في كلتا الحالتين ليست تجربة معاشة”. ويضيف: “تسير الحياة العادية من دون انقطاع: عمل وإبداع ورياضات احترافية وعطلات عائلية. وبعد 11/9 يصبح الإرهاب حقيقة افتراضية أخرى يعيشها الناس فقط من خلال صورها معادة الخلق وتدميريتها (يستغرب) الممتصة من خلال مشهد الإرهابي سيئ الطالع الذي يوضع بين فترة وأخرى للعرض العام”.
عندما يتم تقديم الحرب على أنها أكثر قليلاً من مجرد مشهد رقمي، فإن المرء يجد نفسه ملزما بالحفاظ على رأسه (حرفياً كما يؤكد السناتور ليندسي غراهام)، ويمكن التغلب على التوجس من الحرب بسرعة مدهشة. إن الخوف دائماً يولد العدوانية.
وهكذا، فإن الدعم الشعبي الحالي لشن المزيد من الأعمال البربرية الإمبريالية التي يقوم بتنفيذها التهديد الوحيد الأكبر للسلام العالمي، إنما يشكل الدليل الأحدث فقط على الانتصار الدائم والأبدي لنظام الدعاية.
الغد الاردنية





