الإثنين, مايو 18, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارمصداقية مجلس الأمن تحت الاختبار

مصداقية مجلس الأمن تحت الاختبار

فهرس

 

كانبيرا – في العام 2015، سوف يعاد تشكيل عضوية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. لكنه لن يبدو مختلفاً كثيراً عن هيئته السابقة. سوف يستمر المنتصرون في الحرب العالمية الثانية -الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا والصين- في الاحتفاظ بمقاعد المقصورة، والتي تخول لهم استخدام حق النقض (الفيتو). وسوف يتناوب خمسة أعضاء جدد غير دائمين -نيوزيلندا وأسبانيا وأنجولا وماليزيا وفنزويلا- على ولاية تستمر لعامين، لكي يحلوا محل أستراليا ولوكسمبورج ورواندا وكوريا الجنوبية والأرجنتين، على التوالي. وسوف يشغل المقاعد الخمسة المتبقية في المدرج المكشوف لمدة عام آخر كل من تشاد وتشيلي والأردن ولتوانيا ونيجيريا.
باستثناء نيجيريا، لن يحصل أي من اللاعبين الرئيسيين في القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك البرازيل وألمانيا والهند واليابان وجنوب أفريقيا، على تذكرة. والواقع أن كل الجهود الرامية إلى إصلاح بنية مجلس الأمن، ولو حتى وضع حد لحظر إعادة الانتخاب المباشرة للأعضاء غير الدائمين، والذي من شأنه أن يمكن المشاركة المستمرة، إن لم يكن العضوية الدائمة، قد توقفت تماماً.
إن إعادة تشكيل مجلس الأمن لضمان حصول القوى الأكثر تأثيراً على مقعد دائم حول الطاولة ليس هو الإصلاح الأكثر إلحاحاً، ولكنه يظل أحد الإصلاحات الأكثر أهمية. ولا يجوز لنا أن نعتبر الشرعية المؤسسية التي يتمتع بها المجلس، بوصفه صاحب القرار الأول بشأن قضايا السلام والأمن، من الأمور المسلم بها. وإذا ما استمر المجلس على هيئته الحالية، فإنها ستكون مسألة وقت فقط -ربما خمسة عشر عاماً أخرى في أفضل تقدير- قبل أن تتضاءل مصداقيته وسلطته في أغلب مناطق العالم إلى مستويات بالغة الخطورة.
تتمثل المهمة العاجلة الآن في إيجاد طرق أخرى لتعزيز موقف مجلس الأمن العالمي. والواقع أن التحديات التي يواجهها المجلس اليوم لا تقل حِدة عن أي وقت مضى. هناك المزيد من الأزمات التي تندلع في المزيد من الأماكن، والمزيد من الانتهاكات للقانون الإنساني الدولي وقوانين حقوق الإنسان التي تحدث بشكل متكرر، والمزيد من البشر الذين أجبروا على النزوح بفعل الصراعات على نحو غير مسبوق منذ عقود من الزمان.
في الاستجابة لهذه التحديات، لم يكن سجل مجلس الأمن سيئاً بالكامل. فقد أحسن صنعاً بإجبار سورية على التخلي عن أسلحتها الكيميائية، ومنح التفويض بتمكين وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين إليها من دون موافقة النظام الحاكم. كما منح المزيد من قوات حفظ السلام التفويض بالانتشار ميدانياً، فضلاً عن منحها صلاحيات قوية إلى حد غير مسبوق في مجال الحماية المدنية. كما حافظ المجلس على بعض أنظمة العقوبات الفعّالة، وأحال بعض الحالات إلى المحكمة الجنائية الدولية.
بالإضافة إلى ذلك، أوقف المجلس مذبحة كانت وشيكة في ليبيا في العام 2011 من خلال الموافقة (في مستهل الأمر على الأقل) على أن مبدأ “المسؤولية عن الحماية” المتفق عليه دولياً يبرر العمل العسكري هناك. كما استجاب مجلس الأمن بشكل حاسم لأزمة الإيبولا، وأصدر بعض القرارات المهمة في مجال مكافحة الإرهاب. وحقق تحسناً مستمراً في التشاور على نطاق أوسع، ومناقشة القضايا بشكل أكثر صراحة وانفتاحاً.
بالرغم من كل هذا، ما تزال قضايا الأمن الإنساني تضرب مساحات شاسعة من أفريقيا وغرب آسيا. وكثيراً ما يغيب مجلس الأمن عن المشاكل الأكثر خطورة، والمتعلقة بالأمن وحقوق الإنسان، فتقيده مبادئ السياسة الواقعية، والفِكر الذي عفا عليه الزمن، والتردد، فضلاً عن القيود المؤسسية، أو عدم كفاية الموارد. وفي التعامل مع الأزمات الأخيرة الأكثر إثارة للقلق -في أوكرانيا وغزة وسورية والعراق- كان مجلس الأمن مشلولاً تماماً تقريباً.
حتى يتمكن مجلس الأمن من استعادة وتعزيز مصداقيته، لا بد الآن من التركيز على التغييرات التي لا تتطلب تعديل ميثاق الأمم المتحدة. وتتمثل نقطة الانطلاق الجيدة في تطبيق أفضل الممارسات الحالية بشكل أكثر تكراراً، وبجعل الحالات الاستثنائية هي القاعدة. ومن الممكن أن يحقق المجلس نتائج ملموسة، كما أظهر في التعامل مع ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية، عندما يؤسس لمعايير واضحة، وجداول زمنية صريحة، وآليات مراقبة فعّالة، وعمليات إعداد تقارير منتظمة، ومعاقبة عدم الامتثال.
ينبغي للمجلس أن يكرس قدراً أقل من البلاغة والخطابة، وأن يزيد من تركيزه على العملية الرسمية لمنع الصراعات والأزمات، مع تحسين آليات الإنذار المبكر والإحاطة. كما يتعين عليه أن يدرك أن توقع الانتهاكات الكبرى لحقوق الإنسان والاستجابة لها هي جزء من عمله الأساسي. وينبغي له أن يشجع الأمين العام للأمم المتحدة على أن يكون أقل توتراً وتردداً بشأن استخدام سلطاته الهائلة بموجب المادة 99 من الميثاق، والتي تخوله عرض القضايا على المجلس من تلقاء نفسه.
في حقيقة الأمر، تبقى الحاجة ماسة إلى إعادة بناء الإجماع على كيفية معالجة الجرائم الوحشية إلى الحد الذي قد يتطلب التدخل العسكري. ولا بد من بذل الجهود للتغلب على المرارة التي ما تزال قائمة تجاه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، والتي تفسر قدراً كبيراً من الشلل في التعامل مع المسألة السورية، بسبب توسعها في التحرك من دون الرجوع إلى مجلس الأمن، استناداً إلى تفويض ضيق بحماية المدنيين في ليبيا، والذي تحول إلى حملة كاملة النطاق لتغيير النظام هناك. وربما يكمن الحل في الاستعانة بفكرة شبيهة بمبدأ “مسؤولية الحماية” الذي اقترحته البرازيل لأول مرة (وأظهرت الصين وروسيا قدراً من التعاطف معه سراً)، والذي يتطلب شكلاً ما من أشكال المراقبة الجارية واستعراض الصلاحيات العسكرية.
من جهتها، اقترحت فرنسا تغييراً تحويلياً فعلاً. وبموجب هذا التغيير، يلتزم الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن بالتخلي عن استخدام حق النقض (الفيتو) في حالات الجرائم الجماعية الفظيعة الموثقة من قِبَل الأمين العام أو أي عملية أخرى غير مقبولة، على الأقل إذا لم تكن هناك مصالح وطنية حيوية قيد التهديد. لكن الوصول إلى هناك لن يكون سهلاً. فبالرغم من أن المملكة المتحدة قالت إن الاقتراح يستحق النظر، فقد عارضته روسيا علناً. ومن ناحية أخرى، تبدي الولايات المتحدة عدم الارتياح إزاء هذا الاقتراح، كما التزمت الصين الصمت أيضاً.
تذكرنا ردود الفعل هذه بأن التغيير الأكبر الذي يحتاج إليه مجلس الأمن يتلخص في تغيير عقلية أعضائه الدائمين. إذ يتعين عليهم أن يتذكروا أن مسؤولياتهم العالمية هائلة؛ وأن التزامهم العاجل الآن يتمثل في إيجاد أرضية مشتركة للتعاون؛ وأن التسامح مع الملاحقة الصريحة لمصالح ذاتية ضيقة بات محدوداً للغاية. وإذا لم يرتقوا بمستواهم في ممارسة هذه اللعبة، فإن السلطة العالمية التي يتمتع بها المجلس سوف تتضاءل وتذوي، وسوف يواجه المجلس الاحتمال الحقيقي المتمثل في الانزلاق إلى العجز والتهميش، كما كان حاله في سنوات الحرب الباردة.

غاريث إيفانز*

*وزير خارجية أستراليا الأسبق، ورئيس مجموعة الأزمات الدولية الأسبق. وهو حالياً مستشار الجامعة الأسترالية الوطنية.

الغد الاردنية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب