الخميس, مايو 14, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبار"استثنائية" التعذيب الأميركي

“استثنائية” التعذيب الأميركي

images

في العام 1964 أطاح الجيش البرازيلي، في انقلاب مصمم أميركياً، بحكومة ليبرالية (ليست أقرب إلى اليسار من سابقتها)، ومضى نحو الحكم بقبضة حديدية للأعوام الواحد والعشرين التالية. وفي العام 1979، أقر النظام العسكري قانون العفو العام القاضي بمنع ملاحقة أعضائه بسبب التعذيب وجرائم أخرى.
تلك هي الكيفية التي يتعاملون بها مع هذه المسائل في ما كان يدعى العالم الثالث. أما في العالم الأول، مع ذلك، فإنهم ليسوا بحاجة إلى مثل هذه الالتفاتات القانونية. وفي الولايات المتحدة يتم منح الذين يمارسون التعذيب العسكريين وعرابيهم الساسة الحصانة والإفلات من العقاب تلقائياً، ببساطة لأنهم أميركيون، فقط لأنهم ينتمون إلى “نادي الأولاد الطيبون”.
الآن، ومع نشر تقرير لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي، أصبحت لدينا المزيد من المعلومات المحبطة عن السياسة الخارجية الأميركية. ولكن، هل يحتاج الأميركيون والعالم إلى تذكرة أخرى بأن الولايات المتحدة هي الممارس البارز للتعذيب في العالم؟ نعم. ذلك أنه لا يمكن بث الرسالة بشكل متكرر، لأن تلقين الشعب الأميركي والمحبين لأميركا من حول العالم مزروع بشكل عميق في النفوس، ويحتاج النظام إلى صدمات متكررة حتى يتخلص منه.
لا أحد يستطيع غسل الدماغ مثل المخترعين الأميركيين الجيدين للدعاية والعلاقات العامة. وثمة دائماً جيل جديد بلغ الرشد لتوه، وحيث النجوم -والخطوط المقلمة في عيونهم.
يجب تذكير الجمهور مرة أخرى بعد -على العكس مما يريدنا معظم الإعلام وباراك أوباما أن نعتقد به جميعاً- بأن الرئيس لم يحظر التعذيب في حد ذاته في حقيقة الأمر، رغم قوله مؤخراً إنه كان قد “حظر التعذيب بشكل لا يقبل النقض” بعد تسلمه الرئاسة.
بعد وقت قصير من تنصيبه في فترة الرئاسة الأولى، كان الرئيس قد أعلن هو وليون بانيتا، المدير الجديد لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بصراحة أنه لم يتم وضع حد لممارسة “تسليم السجناء”. وكما أوردت صحيفة لوس أنجلوس تايمز في حينه، فإنه “بموجب أوامر تنفيذية أصدرها الرئيس مؤخراً، ما تزال وكالة الاستخبارات المركزية تتمتع بالصلاحية لتنفيذ ما يعرف بعمليات التسليم، وعمليات الاختطاف السرية ونقل السجناء إلى بلدان تتعاون مع الولايات المتحدة”.
الترجمة الإنجليزية لكلمة “تتعاون” هي “تعذب”. والتسليم هو ببساطة عملية استيراد للتعذيب من مصادر خارجية. لم يكن ثمة مسوغ آخر لأخذ السجناء إلى ليتوانيا وبولندا ورومانيا ومصر وكينيا والصومال وكوسوفو وجزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، من بين أماكن تعذيب أخرى استخدمتها الولايات المتحدة. وما تزال كوسوفو ودييغو غارسيا -وكلاهما تستضيفان قواعد عسكرية أميركية ضخمة وسرية جداً- إن لم تكن هناك بعض المواقع الأخرى، مفتوحة لممارسات التعذيب، تماماً مثلما هو حال قاعدة غوانتنامو في كوبا.
بالإضافة إلى ذلك، يتعمد الأمر التنفيذي الرئيسي المشار إليه، والذي يحمل الرقم 13491 والصادر في 22 كانون الثاني (يناير) من العام 2009 باسم “ضمان تحقيقات قانونية”، أن يترك ثغرة قانونية. وهو ينص بشكل متكرر على أن المعاملة الإنسانية، بما في ذلك غياب التعذيب، تسري على الأسرى الذين يقعون في الأسر خلال “نزاع مسلح”. وهكذا، فإن التعذيب الذي يمارسه الأميركيون خارج بيئة “النزاع المسلح” ليس محظوراً صراحة. ولكن، ماذا عن التعذيب في داخل بيئة “مكافحة الإرهاب”؟
تطلب ذلك الأمر الإداري من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية استخدام طرق الاستجواب المبينة في كتيب الميدان للجيش. ومع ذلك، فإن استخدام كتيب الميدان للجيش كمرشد لمعاملة السجين واستجوابه يسمح بالعزل الانفرادي والضغط الحسي المفرط والحرمان من النوم وبث الخوف واليأس وحبوب تغيير المزاج، والاستغلال للعناصر البيئية، مثل درجة الحرارة والضجيج وأوضاع التوتر، من بين أمثلة أخرى على النزعة الاستثنائية الأميركية.
بعد استجواب بانيتا من جانب لجنة من مجلس الشيوخ، كتبت النيويورك تايمز أنه “ترك الباب مفتوحاً أمام احتمال أن تستطيع الوكالة السعي للحصول على التخويل باستخدام طرق التحقيق الأكثر عدوانية مقارنة مع الطرق القائمة التي خولها بها الرئيس أوباما بموجب القوانين الجديدة…”. وقال السيد بانيتا أيضاً إن الوكالة ستتابع ممارسة إدارة بوش في “التسليم”… لكنه قال إن الوكالة سترفض تسليم مشتبه به إلى بلد معروف بالتعذيب أو الأعمال الأخرى التي من شأنها “انتهاك القيم الإنسانية”.
تعد الجملة الأخيرة غريبة بشكل صبياني بطبيعة الحال. فالبلدان التي اختيرت لتسلم سجناء “التسليم” اختيرت على وجه التحديد وحصرياً لأنها كانت وما تزال قادرة على ممارسة التعذيب. وبعد أربعة أشهر من تسلم أوباما وبانيتا المسؤولية، استطاعت نيويورك تايمز ذكر أن عمليات التسليم قد وصلت إلى ارتفاعات جديدة.
إلى ذلك، تشير تقارير الأخبار الراهنة إلى أن هوس واشنطن بالتعذيب ينبع من هجمات 11/9 لغاية منع تكرارها. ويتحدث الرئيس “عن تجاوزات مخيفة في حقبة ما بعد 11/9”. وثمة شيء في تلك الفكرة، لكنه ليس بالشيء الكبير. فالتعذيب في أميركا قديم قدم أميركا في الحقيقة.
أي حكومة انخرطت عن قرب في ذلك الرعب أكثر من حكومة الولايات المتحدة؟ تعليم التعذيب، وإعداد الكتيبات، وتزويد المعدات، وإنشاء مراكز التعذيب الدولية واختطاف الناس وجلبهم إلى هذه الأماكن، والعزل الانفرادي والتغذية القسرية، سجون غوانتنامو وأبو غريب وباغرام وتشيلي والبرازيل والأرجنتين وشيكاغو… يا رب سامحنا!
في العام 2011 شكلت البرازيل لجنة حقيقة وطنية لتقوم بالتحقيق رسمياً في جرائم الحكومة العسكرية التي انتهت مع العام 1985. لكن السيد أوباما رفض في الحقيقة دعوات لتشكيل لجنة تحقيق في التعذيب الذي مارسته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. ويوم 17 حزيران (يونيو) من هذا العام مع ذلك، عندما كان نائب الرئيس، جوزيف بايدن، في البرازيل، فإنه أعطى للجنة الحقيقة 43 برقية وتقرير لوزارة الخارجية تتعلق بالنظام العسكري البرازيلي، بما فيها وثيقة تحت عنوان “اعتقالات واسعة النطاق واستجواب نفساني لمخربين مشتبه بهم”.
وهكذا يتبين مرة أخرى أن الولايات المتحدة الأميركية لن تخضع لأي مساءلة لأنها انتهكت القوانين الأميركية والقوانين الأساسية للباقة الإنسانية. ويستطيع أوباما توقع اللطف نفسه من خليفته كما كان قد قدم لسلفه بوش الابن.
يقول بيان باراك أوباما المكتوب الذي صدر مباشرة بعد نشر تقرير مجلس الشيوخ الأميركي: “لعل إحدى نقاط القوة التي تجعل أميركا استثنائية، هي تلك التي تكمن في رغبتنا في مواجهة ماضينا والتصدي لحالات عدم الكمال لدينا، وإجراء تغييرات وفعل ما هو أفضل”.
إذا لم تكن تلك الكومة من النفاق كبيرة بما فيه الكفاية، أو نتنة الرائحة بما يكفي، فحاول أن تضيف إليها ملاحظة بايدن فيما يتعلق بزيارته للبرازيل: “آمل أن نستطيع من خلال اتخاذ خطوات للإمساك بماضينا أن نجد طريقاً للتركيز على الوعد الكبير للمستقبل”.
على أنه إذا لم يعد من مارسوا التعذيب في إدارتي بوش وأوباما عرضة للمساءلة في الولايات المتحدة، فتجب ملاحقتهم دولياً بموجب مبادئ الاختصاص العالمي.
في العام 1984، اتخذت الأمم المتحدة خطوة تاريخية عبر وضع مسودة “الميثاق ضد التعذيب وغيره من المعاملة الوحشية غير الإنسانية والمحطة للقدر أو العقاب” (ودخل الميثاق حيز التنفيذ في العام 1987 وصادقت عليه الولايات المتحدة في العام 1994). وتنص المادة 2 القسم 2 من الميثاق على أنه “لا يجوز الاستشهاد بأي ظروف استثنائية من أي نوع، سواء كانت وجود حالة حرب، أو تهديد بالحرب، أو عدم استقرار سياسي داخلي، لتكون ذريعة لممارسة التعذيب”.
يا لها من لغة واضحة بشكل رائع ومبدئية، والتي تضع معياراً واحداً لعالم يجعل من الصعب باطراد أن يشعر المرء بالفخر بالإنسانية. ولا نستطيع أن نتراجع إلى الوراء. وإذا كان من المقبول اليوم تعذيب شخص من المفترض أن تكون لديه معلومات عن “القنبلة الموقوتة” اللازمة لإنقاذ الأرواح، فسيكون من المقبول تعذيبه لمعرفة هويات المشاركين المزعومين معه في التآمر. فهل سنسمح بعودة العبودية لفترة قصيرة من الوقت من أجل خدمة بعض “الطوارئ القومية” أو “غاية عليا” ما؟
إذا قمت بفتح نافذة التعذيب، حتى ولو شقاً منها، فإن هواء العصور المظلمة البارد سوف يملأ الغرفة بأكملها.

الغد الاردنية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب