الخميس, مايو 14, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءهل أنت مسيحي أم مسلم؟...بقلم:إميل الغوري

هل أنت مسيحي أم مسلم؟…بقلم:إميل الغوري

فهرس

 

آخر ثلاث سنوات عاشتها بلادنا العربية، ملأتها أحداث جسام؛ برزت خلالها قضايا وأحداث ساخنة، أصبحت أولويات لدى الكثير من شعوبنا العربية، ما أدى إلى تداولها بالنقاش والحوار والتحليل.

ولعل أهم هذه الأولويات ما أبرزته حقيقة “الفوضى الخلاقة” التي اصطلح الإعلام الموجه على تسميتها بـ”الربيع العربي”؛ أي الانقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية التي شهدتها مختلف أقطارنا العربية، بعد أن كانت قد بدأت هذه الثورات العربية الشعبية بمطالبات محقة وعادلة بالحرية والخبز والعدالة الاجتماعية والكرامة.

مقالتي هذه تحليل لواقع نعيشه: “انقسامات طائفية”؛ بحيث يقسّم المجتمع الواحد إلى طوائف حسب انتماء الفرد الديني، مسلماً كان أم مسيحياً.

وهذا تقسيم مفتعل مقصود ومخطط له، ليخدم أهداف الصهيونية العالمية. فتقسيم المجتمع وفرزه إلى جماعات دينية إسلامية وأخرى مسيحية، سيؤدي حتما إلى تشكل “جماعة يهودية”، فتصبح شرعية وجود الصهاينة قائمة، لأنّ التقسيمات الدينية متبعة ومقبولة في المنطقة. كما سيحوّل التقسيم حسب الطائفة، الصراع الوطني القومي والإنساني بيننا وبين الصهاينة، إلى صراع ديني. وبدل أن يكون الصراع نضالاً وطنياً ضد الاحتلال الظالم والعنصرية، وبما يُكسبنا تعاطف العالم مع قضيتنا وانحيازه لحقوقنا، سيُنظر إليه باعتباره صراعاً دينياً تستثمره الصهيونية لصالحها، وتصوره صراعاً ضد اليهودية؛ فيصطف العالم إلى جانبها، فيما نفقد نحن الحلفاء والمناصرين.

وأعظم دليل على ما أقول، هو ما نشهده من إرهاصات تغيّر الرأي العالمي بخصوص نضالنا الشرعي لاستعادة حقوقنا في فلسطين بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية؛ إذ أطلقوا على نضالنا وصف “إرهاب” تجب مقاومته والقضاء عليه، فخسرنا الكثير الكثير.

الأنظمة العربية وحكوماتها، والقوى السياسية والاجتماعية، والمؤسسات الأهلية والمرجعيات الدينية والروحية كافة، تتناول موضوع الانقسام الطائفي بجدية واهتمام بالغ؛ فتُعقد مؤتمرات، وتُكتب مقالات، وتُنشأ جمعيات، وتُجرى حوارات، وتُقدم تحليلات، تعكس كلها توجهاً واحداً: “حماية العرب المسيحيين”، و”منع تهجير مسيحيي المشرق”، و”حماية الأقليات المسيحية”، و”تحديات المسيحية المشرقية”.. وغيرها من مسميات وتوصيفات. وهذا التوجه نتائجه خطيرة، رغم أن تناول العديد من القائمين عليه هو بحسن نية، ولدى بعضهم الآخر بسوء نية، فيما الغالبية العظمى مغيبة.

تأتي الخطورة من طريقة عرض المواضيع المتعلقة بالانقسامات الدينية الطائفية. أفلا يُخشى مثلا أن تقتصر دعوات حضور العديد من المؤتمرات على رجال الدين والرئاسات الروحية الإسلامية والمسيحية من تثبيت الانقسام؟ فقد يُفهم حضور رجال الدين بهذه الكثافة على أنه تأكيد ضمني لنظرية خاطئة، بأن مجتمعنا العربي مكون من “غالبية طائفية” وأخرى “أقلية”، حيث التمثيل لرجال الدين. وهذا يخالف جذرياً مدنية المجتمع ووحدته وهويته، ويُظهره بمظهر لا نريده.

إن تناول موضوع الانقسام الديني عامة، وحماية العرب المسيحيين خاصة، خطير إن لم يُنظر إليه كأحد أعراض وتأثيرات ما تمر به المنطقة العربية وما يُخطط لها. فها هي طروحات خطيرة وحساسة جداً تطفو على الوجه تدعو إلى تسليح الطوائف لتدافع عن نفسها، آخذة مما حصل في بلدة معلولا السورية، وما يحدث في مصر، مبرراً لتسليح المسيحيين ليدافعوا عن أنفسهم. مثل هذه الطروحات اعتراف كامل بأن هذه المجتمعات تتكون من طوائف، وهذا تهديد مباشر لفكرة الدولة المدنية الديمقراطية، التي من أهم مسؤولياتها وأبسطها حماية مواطنيها كافة.

لذا، فإن واجبا كبيراً يقع على عاتق القوى العروبية التنويرية والمدنية والتقدمية، برفض هذه التصنيفات الطائفية، والانتباه لخطورة ما يحدث، وعدم الوقوع في الفخ الخطيرالذي ينصبه أعداء الأمة العربية لها. وعلى هذه القوى رفض وجود الخندقين المتقابلين بشكل قاطع، وعدم المشاركة في أي فعالية تعمّق هذا التقابل؛ سواء بحسن أو سوء نية. وعليها أن لا تقبل بأي حال من الأحوال الانقسام والتصنيف الطائفي (مسلم، مسيحي) أو المذهبي (سني، شيعي).

أخطر ما يحدث هذه الأيام تسييس الدين، والذي أنتج أحزاباً وجماعات وقوى سياسية تستغل الدين (أيا كان هذا الدين)، وتطرح نفسها وكيلاً حصريا له؛ بعضها تيارات تكفيرية وإرهابية، وبعضها الآخر يخفي حقيقته وراء شعارات تنادي بالإصلاح والديمقراطية، والحرية والدولة المدنية الحديثة، والمواطنة. وهي شعارات لا تترجمها أفعال، يستخدمونها وسيلة للسيطرة والتمكين ورفض الآخر، كل الآخر.

تسييس الدين يفسح المجال لقوى تستخدمه شعاراً لتحقيق أهداف سياسية، من أهمها تقسيم المجتمعات العربية وتحقيق مصالح ذاتية ومالية. أهداف بعيدة عن الدين وتعاليمه الأخلاقية، تسعى إلى تقسيم المجتمعات العربية إلى فئة “مؤمنة متدينة” تتبنى أيديولوجية سياسية، وباقي المجتمع من قوى وطنية وعروبية وتقدمية وديمقراطية وعلمانية ليست معادية للدين ولكنها ترفض تسييسه.

تحليلي السابق يؤكد أن لا وجود لما يسمى “المسألة المسيحية المشرقية”، أو قضية “حماية الأقليات المسيحية”، أو “الصراع الديني المسيحي-الإسلامي”. فالقضية صراع بين قوى تستخدم الدين في السياسة؛ تستخدمه لتحجر على فكر وعقل الناس، وبين قوى مدنية تنويرية تقدمية علمانية ترى أن الدين لله والوطن للجميع؛ قوى تتطلع لبناء مستقبل عربي زاهر.

علينا أن لا نتحدث عن صراعات وخلافات طائفية، كي لا نحرف الصراع عن مساره التاريخي. إذ إن دين الفرد لا يحدد موقفه وخندقه ومعسكره؛ فقد نجد أشخاصا من مختلف الأديان والطوائف والمذاهب في خندق الرجعية، وقد رهنوا أنفسهم خدما للقوى الاستعمارية المعادية، في حين يتمترس الكثيرون -ومن الأديان والطوائف والمذاهب كافة- في خندق التنوير والسعي لتحقيق آمال أمتنا العربية بالتقدم والحياة الحرة الكريمة.

إننا الآن أمام خيارين، فأيهما سنختار؟ خيار الانقسام الطائفي والفكر التكفيري وغياب المدنية الديمقراطية، أم خيار الدولة المدنية الديمقراطية والتصدي للمؤامرات الأجنبية، والتنوير والحضارة؟

نحن بالتأكيد سننحاز للخيار الثاني الذي لن يتحقق إلا إذا واجهنا قوى التطرف والإرهاب والرجعية والانحياز للأجنبي، بإطلاق الجبهة الوطنية الجامعة لكل التنويريين والتقدميين الديمقراطيين والعلمانيين، وإعداد برنامج توافقي يهدف إلى تعميق الحرية والتنوير لتحقيق العدالة الاجتماعية، ورفض الهيمنة الأجنبية، وعدم تكبيل الفكر والعقل.

هذه الجبهة الوطنية العريضة وبرنامجها الوطني، هما الضمانة الأكيدة والوحيدة التي ستحمي الأطياف والمعتقدات كافة، والتي ستحقق أهداف الشعب العربي ضمن إطار وحدوي واحد، هدفه الوحيد الوصول إلى الدولة المدنية الديمقراطية؛ دولة المواطنة، ولعب دور حضاري مستنير يرفد الحضارة الإنسانية بمساهمات إيجابية تقدمية.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب