الخميس, مايو 14, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارماذا وراء التحولات في الموقف الكوبي

ماذا وراء التحولات في الموقف الكوبي

فهرس

مكسيكو سيتي – الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الكوبي راؤول كاسترو، والذي أعقبته مبادلة سجين أميركي بثلاثة عملاء للمخابرات الكوبية كانوا معتقلين في الولايات المتحده الأميركية، شكل في واقع الأمر واحداً من أهم اللحظات في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين لعقود. وبعد ذلك بوقت قصير، أعلنت الولايات المتحدة الأميركية وكوبا أنهما ستشرعان في عملية استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بينهما.
للوهلة الأولى، تبدو الاتفاقية وكأنها نصر كبير لكوبا، حيث تراجعت الولايات المتحدة الأميركية أخيرا عن محاولتها عزل الجزيره الشيوعية. لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك.
أولاً، ليست هذه نهاية للحظر التجاري الأميركي المفروض على كوبا، والذي يمكن رفعه فقط بقرار من الكونغرس، كما أنه لن يصار الى تطبيع العلاقات بشكل كامل، حيث ستكون هناك سفارات وإنما من دون سفراء.
لكنه ليس هناك من شك في أن الاتفاقية –والتي تمت بوساطة من الفاتيكان وكندا- هي خطوة مهمة للأمام؛ فسفر الأميركيين من أصول كوبية إلى هافانا سوف يصبح أسهل، وسوف يصبح من الممكن إجراء تعاملات بنكية بين البلدين، كما ستتم تسوية بعض القضايا التجارية، وسوف تقوم وزارة الخارجية الأميركية بازالة اسم كوبا من قائمة الدول التي تتهمها بدعم الارهاب.
صحيح أنه لا يبدو أن كوبا قد تخلت عن الشيء الكثير بالمقابل؛ فبالإضافة إلى الافراج عن الأميركي ألن غروس، وافق كاسترو على الإفراج عن 53 سجينا سياسيا، وتخفيف القيود على الإنترنت، والسماح بحرية الوصول لمسؤولي حقوق الإنسان من الأمم المتحده ومراقبين من الصليب الأحمر الدولي. ومع أن هذه تشكل تنازلات بالتأكيد، فإنها ليست تنازلات كبيرة مقارنة بما يمكن أن تكسبه كوبا من إعادة العلاقات الدبلوماسية بعد نصف قرن من العزلة.
مع ذلك، تظل كوبا واقعة في ورطة بسبب متغير جوهري ربما يكون قد دفع كاسترو نحو اتخاذ مثل هذا القرار: الانهيار الأخير لأسعار النفط. وهناك سلسلة من العوامل -الزيادة المذهلة في إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة الأميركية، والركود في أوروبا واليابان، وقرار المملكة العربية السعودية الابقاء على تدفق نفطها، والتباطؤ الاقتصادي في الصين والهند- والتي أدت كلها إلى إحداث تخمة في التوريد، علماً بأن أكثر بلدين تأثراً من هبوط الأسعار هما في واقع الأمر هما البلدان اللذان تعتمد عليهما كوبا تاريخياً من أجل الإبقاء على اقتصادها بعيداً عن المتاعب، وهذان البلدان هما روسيا وفنزويلا.
تشكل فنزويلا والمتاعب القادمة منها أكبر تهديد لاستقرار كوبا. وفي حين لم تقدم روسيا الدعم إلى كوبا بشكل كبير منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، فإن فنزويلا -وخاصة تحت حكم الرئيس السابق هيوغو تشافيز- كانت راعية مهمة، حيث ظلت تزود كوبا بمائة ألف برميل من النفط يومياً، بالإضافة إلى حوالي 5-15 مليار دولار أميركي على شكل مساعدات كل سنة.
من غير المرجح أن يستمر هذا الدعم الآن. ولعل من غير المصادفة أن تكون المحادثات بين الولايات المتحدة الأميركية وكوبا قد بدأت بعد وقت قصير من وفاة تشافيز في العام 2013. وليس هناك شك في أن كوبا سوف تغرق، في غياب الدعم الفنزويلي، مرة أخرى في الركود، كما حصل بعد أن توقفت المساعدات الروسية في أوائل التسعينات.
كل هذا يجعل كوبا عرضة للأخطار، ومن الواضح أن الإصلاحات الاقتصادية لم تحقق الفوائد المرجوة منها. وقد ساعد النقص في تفشي التضخم، مع زيادة خطر التضخم النقدي بمعدلات مرتفعة للغاية، علماً بأنها تتم المتاجرة في العملة بالسوق السوداء بنسبة 3 % أكثر من السعر الرسمي. وقد أصبح احتمال وقوع اضطرابات سياسية كبيرة في كوباً أمراً مرجحاً بشكل متزايد.
شرح ويليام ليوغراندي وبيتر كورنبلوه في كتابهما “القناه الخلفية لكوبا: التاريخ المخفي للمفاوضات بين واشنطن وهافانا” كيف أن كوبا رفضت باستمرار تقديم تنازلات سياسية في مقابل إنهاء الحظر أو التطبيع الدبلوماسي. وفي الحقيقة، فإن كاسترو لم يعرض أي تنازل في الصفقة التي تم الإعلان عنها مؤخراً. لكن الحسابات الاقتصادية تعني أنه من المرجح جداً أن يحصل التغيير قريباً. وفي غياب راع غني وسخي، فإن إحياء وتنشيط الاقتصاد الكوبي سوف يعتمد على التطبيع الكامل للعلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية. ومن المؤكد أن هذا سوف يكون مستحيلاً من دون إحداث تغييرات كبيرة فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان في كوبا.
عندما تتم كتابة تاريخ الحاضر، قد يتبين أن التدخلات غير المقصودة لأقطاب صناعة النفط البعيدين في داكوتا الشمالية وشبه الجزيرة العربية، هي التي تمكنت في نهاية المطاف من تحقيق الانفتاح في كوبا كاسترو، وليس قوة السلاح أو جهود الدبلوماسيين.
جورج كاستانيدا*
*كان وزير خارجية المكسيك من 2000-2003، بعد الانضمام إلى خصمه الأيديولوجي، الرئيس فيسنتي فوكس، في تأسيس أول حكومة ديمقراطية في البلاد. وهو الآن أستاذ عالمي مميز لدراسات السياسة وأميركا اللاتينية والكاريبي في جامعة نيويورك، ومؤلف كتاب “يسار أميركا اللاتينية بعد الحرب الباردة”. و”الرفيق: حياة وموت تشي غيفارا”.
*خاص بـالغد، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”.

الغد الاردنية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب