الثلاثاء, مايو 12, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارمستقبل الشرق الأوسط الفوضوي

مستقبل الشرق الأوسط الفوضوي

 

أخذت الدولة كما نعرفها تتلاشى في الشرق الأوسط. وقد أسهم الشقاق والنزاع في العراق وسورية وليبيا واليمن، بالإضافة إلى التدخل الأجنبي من جانب دول في داخل المنطقة ومن خارجها، والحكم المخيف الذي تمارس نخب تخدم ذاتها، أسهم كل ذلك في تدمير المجتمعات والبنى التحتية وأنظمة الحكم. وفي الأثناء، يظهر في المنطقة لاعبون من غير الدول من كل الأنواع، ومعظمهم مسلحون، ليديروا عروضهم الخاصة. وتكمن أجيال من انعدام الثقة وراء ذلك كله.
من الصعب بمكان رؤية كيف تمكن إعادة تجميع قطع الفوضى هذه معاً مرة أخرى. ولا شك في أن العديد من دول الشرق الأوسط كانت في أغلبها غير شرعية، كبداية. وربما تكون قد نالت الاعتراف الدولي، لكن حكوماتها مارست السلطة من خلال القمع، وأحياناً من خلال الإرهاب. وعولت على المظاهر السياسية الخادعة أو على السرد المركب لتبرير حكم الأقليات الإثنية وعصابات العائلات على غرار المافيا، أو الدكتاتوريين المتعطشين للسلطة. وفي معظم البلدان، لم يكن القصد أبداً من الأنظمة التي تم بناؤها خلق مؤسسات قومية، ولذلك لم تفعل.
لقد هز الربيع العربي بعض هذه المجتمعات حتى النخاع، مرسباً تحللها. لكن كان صعود تنظيم “الدولة الإسلامية”، سوية مع السهولة التي امتد بها في سورية والعراق، هو الذي عرى بحق عدم تناغم الدول القائمة.
قد يثبت “الدولة الإسلامية” كونه مجرد غيمة عابرة، لكن إلحاق الهزيمة به لن يعيد الدولتين، العراقية والسورية، كما عرفناهما من قبل. بل إننا ربما نشهد بقايا التنظيم وهي تظل ناشطة بعد حفره عميقاً في داخل النسيج المجتمعي للمجتمعات الأصغر، حتى بينما تزدهر المجموعات الأخرى -بما فيها جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة والميليشيات الشيعية العراقية التي تجيش لقتاله.
في العديد من الأماكن، ستظل الحدود الجغرافية في حالة تغير مستمر. وأما المدى الذي ستبقى موجودة به، فربما يكون فقط في مخيلات القادة ورسامي الخرائط والمنظمات التابعة للأمم المتحدة. لقد فقدت الدول السيطرة بطريقتين مميزتين: بالمفاهيم السياسية والإدارية العملية، ومن منظور الولاء والتقارب من جهة قطاعات ضخمة من مواطنيهما. ومن الواضح أنه لم يعد الهدف التقليدي للدولتين العراقية والسورية، المتمثل في جمع الضرائب وتجنيد الجنود على المستوى الوطني قابلاً للتحقيق اليوم. ولا تستطيع هاتان الدولتان التوافر على أي وسائل لمراقبة ورصد حدودهما بفعالية. وتبدو المجتمعات السنية في العراق وسورية وأنها تشترك في الكثير مع بعضها بعضا مما تشترك فيه مع مواطنيها الآخرين. وعلى نحو مشابه/ تنحو الميليشيات الشيعية العراقية نحو تفضيل القتال مع الدعم من إيران على إطاعة أوامر الحكومة العراقية. وفي لبنان، وجه حزب الله الشيعي؛ النموذج الأساسي للقوة المسلحة العابرة للحدود والقانون، تهديداً للعربية السعودية السنية بسبب تدخلها ضد الثوار الحوثيين الشيعة في اليمن.
وكما لم تكن الأمور معقدة بشكل كافٍ، فقد نجم الأكراد كقوة رئيسية أيضاً، مع أنهم منقسمون بشدة بين البلدان الأربعة التي ينتشرون على تخومها: سورية والعراق وإيران وتركيا. ومن المؤكد أنهم سيؤثرون على تأطير الأشياء التي ستأتي. وبالإضافة إلى حكومة كردستان الإقليمية؛ الكيان الفدرالي المعترف به في العراق، فإن الأكراد الأتراك وتنظيمهم المتمرد، حزب العمال الكردستاني، منخرطون في مفاوضات سلام صعبة مع الحكومة التركية. ثم هنالك الأكراد السوريون الذين سيساعدون، بفعل الحرب الأهلية في سورية والدعم الذي يتلقونه من الأكراد الآخرين، في تقرير مستقبل سورية. وبمساعدة القوة الجوية الأميركية، لم يدافعوا بنجاح عن أرضهم ضد هجمة “الدولة الإسلامية” فحسب، وإنما استطاعوا أيضاً جعل مقاتلي المجموعة يتقهقرون.
يستطيع المرء أن يحصل على إلماحة قوية لما سيكون عليه الشرق الأوسط الجديد مما ينوي حزب العمال الكردستاني فعله، كما اكتشفت من رحلة أخيرة للاجتماع مع قيادته في شمالي العراق. وبينما يبقى جاداً في مسألة إنهاء الكفاح المسلح ضد تركيا، فإن حزب العمال الكردستاني لا ينطوي على أي نية لتسليم أسلحته. ومتشجعاً بفعل النجاحات الكردية، يرى الحزب نفسه حركة ذات مهمة: على المدى القصير، حماية الأكراد الآخرين، وبشكل رئيسي الأكراد السوريين والعراقيين من “الدولة الإسلامية”، بالإضافة إلى الأقليات المتورطة مثل المسيحيين والأيزيديين. وعلى المدى المتوسط، يريد الحزب الدفع في اتجاه تحقيق رؤيته الخاصة للديمقراطية المجتمعية. وربما تكون الطريقة الأكثر دقة، ولو أنها متناقضة، لوصف ما يستشرفه حزب العمال الكردستاني لدوره، هي وصفه بأنه “مجموعة مجتمع مدني مسلحة”.
قد تبدو مثل هذه الرؤية ضرباً من الخيال، لكنها تقف لتكون تلميحاً جيداً لما يتجه الشرق الأوسط إليه. إذ ربما ينطوي المستقبل على تقديم ترتيب فوضوي متعدد الأقطاب؛ حيث يتم الاحتفاظ بالحدود الوطنية اسمياً، لكن بالإمكان أن يدخل ويخرج منها أشباه حزب العمال الكردستاني وأتباعه في إيران وسورية، والمقاتلون الأكراد العراقيون، ومقاتلو حزب الله، وجماعة “الدولة الإسلامية” أو فلولها، وكذلك عناصر التنظيمات الجهادية الأخرى، مثل جبهة النصرة معادة الانبعاث، والميليشيات الشيعية العراقية وآخرون. وقد لا يكون ذلك مشهداً جميلاً، لكنه ربما يترتب علينا أن نعتاد عليه.

هنري باركي – (الواشنطن بوست
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
The Middle East’s chaotic future
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب