
ليست مجرد مفارقة أن نحيي ذكرى نكبة عام 1948 في عامها السابع والستين وبعد أيام بسيطة نحيي نكسة عام 1967 في عامها الثامن والأربعين، بل هي استمرار لمسلسل الأرقام الذي لم يعد يعني لإسرائيل أي شيء خاصة في ظل صمت العالم وقبوله باستمرار المنطق الأعوج وازدواج المعايير.
فالدولة الفلسطينية ليست ضرورة حتمية بالنسبة لعواصم القرار المحلية وليست موضع اهتمام اليوم خاصة مع تصاعد الانشغال فيما سمي بالربيع العربي وتبعاته. فتشكيلة الحكومة الإسرائيلية الأخيرة ليست انعكاسا إلا لأجواء السطوة والحظوة اللتين تمتلكهما إسرائيل. فما شهدناه ونشهده على مدار السنوات الماضية والقادمة لن يكون سوى تعبير عن سواد منطق القوة والجاهزية لتقويض المزيد من أحلام الفلسطينيين.
وبعيدا عن لغة المشاعر والعواطف فإننا نجد استماتة واضحة لتخريب الوطن العربي وعواصمه القوية على حساب الالتزام بقرارات الشرعية الدولية التي طالبت مرارا بتجسيد حق تقرير الفلسطينيين لمصيرهم. وعليه فإن اضعاف العرب لن يعني سوى المزيد من تراجع القضية الفلسطينية ليس فقط من ناحية الأهمية بل أيضا من جهة النتائج والتوقعات في حال وصلنا إلى حل مستقبلي ما.
فكلما انهار العالم العربي وتبعثرت قواه وتبدلت همومه كلما سهل الإجهاز على الفلسطينيين من حيث الهوية والجغرافيا، وبهذا لا بد من التفكير خارج المعتاد والنسق التقليدي في الأداء. فإذا ما اقتنعنا جميعا بفرضيات عدة مفادها أن العالم العربي لن يعاني الانهيار فحسب وإنما سيستمر في خطف الأنظار عن القضية الفلسطينية، وأن ضعف العرب في قواهم وجبروتهم سيقزم أحلام الفلسطينيين. فإننا سنعي أهمية التركيز على لملمة البيت الفلسطيني ليصبح الأولوية الأكثر إلحاحا في معركة المواجهة التي لا بد وأن تستعر خارجيا ودبلوماسيا وربما ميدانيا.
كما أن المصادقة الضيقة على الحكومة الإسرائيلية وما سبقها من مصادقة أيضا ضيقة على توسيع الحكومة الإسرائيلية لا يعني المصادقة على ما تم فحسب وإنما على ما سيتم مستقبلا من باب استقطاب نتنياهو الأوسع لأحزاب إسرائيلية تستميت لتدخل مقاعد الحكومة، الأمر الذي سيعني أن رهانات البعض على انهيار حكومة نتنياهو الضيقة لن يكون سوى رهان خاطئ لا قيمة له. فمن يعرف نتنياهو يعي تماما قدرة هذا الرجل على أن يكون مارد اللحظة الأخيرة. فهو من يشكل الحكومة في الربع ساعة الأخيرة، وهو من يذهب للكنيست ليسترضي أحلامه في النصف ساعة الأخيرة، وهو من يدعو لانتخابات عامة في الساعة الأخيرة، لذا فهو ليس من المنتمين إلى معسكر الانهيار حتى لو شابت سمعته الكثير من الفضائح ونكل به الكثير من حلفائه وزملائه وأنداده.
رجل ربع الساعة الأخيرة ليس مقاتلا محنكا ولا مخضرما ولا عنيدا فحسب وإنما مقاتل يمتلئ صدره المخاطر نشوة وغبطة لقناعته بأن خبرته في الانتصار في الدقائق الأخيرة يزيد من قناعة القاعدة الاسرائيلية الشعبية بأنه الرجل الوحيد القوي في إسرائيل وهو امبراطور السياسة وتلافيفها.
لذا فإن معركة الفلسطيني ليست مع نتائج الربيع العربي وانشغال العالم بتبعاته وتشكيلة الحكومة الإسرائيلية وقوة إسرائيل فحسب بل أيضا مع مقاتل معتد بذاته وقدراته يدعمه مجتمع قد لا يؤمن كله بسياساته ولكنه يؤمن بعضلاته. وعليه فإن فلسطين تحتاج إلى الوحدة الوطنية فعلا وقولا وتحتاج أيضا لحركة فتح أكثر ترابطا وقوة وتحتاج لمعارضة قوية أكثر ديناميكية في تعاملاتها الداخلية لكنها أكثر ندية في تعاملاتها الخارجية من باب صيانة النسيج الوطني الهادف للنصر في معركة التحرير.
الحقيقة الأصيلة التي نرفض تصديقها تكمن في أن محطات التاريخ التي نعتقد معها بأننا قاربنا على النهاية تثبت بأننا ما زلنا في البداية. بداية تتطلب لحمة فلسطينية ومقاضاة إسرائيل ومقاطعة منتجات الاحتلال وملاحقة مجرمي الحرب والاتجاه نحو المزيد من الضغط على دولة الاحتلال في تسريع عجلة الاعترافات الدولية.
فاعتراف الفاتيكان وغيره من الدول ليس مدعاة للراحة والسكون وإنما حافز قوي للمزيد من العمل، خاصة عندما نعتبر هذا الاعتراف تأكيدا على أن سياستنا الخارجية ناجحة وبدأت تؤتي المزيد من أكلها.
ربع ساعة نتنياهو الأخيرة ليست سوى ساعات بالنسبة لنا للنظر حولنا ومراجعة أمورنا والقفز خارج إطار التوقعات خاصة عندما تكون مقولة العالم الفيزيائي الشهير إينشتاين هي مقولة الاسترشاد الأهم في حياتنا: لا يمكن حل المشاكل بنفس الوسائل التي تسببت أصلا في ولادتها!




