الرئيسيةالاخبارالقاهرة وجريمة الكنيسة: تشريع القبضة الأمنية

القاهرة وجريمة الكنيسة: تشريع القبضة الأمنية

c69155fc-7ed7-4ec4-bcef-8c015e79a7fe
لا تزال آثار التفجير الذي وقع صباح الأحد الماضي في الكنيسة البطرسية في القاهرة وراح ضحيته 25 من المصلين، فضلاً عن عشرات المصابين، تتداعى. ورغم الانتقادات الدائمة لأسلوب الدولة في مواجهة الإرهاب، الذي يعتمد بالأساس على الأدوات الأمنية، إلا أن أبرز التداعيات كانت ذات طابعٍ أمني.
ففي أعقاب الحادث، بدأت قوات الأمن ترفع درجة استعدادها حول الكنائس، كما بدأت تكثف تحرياتها في المناطق التي توجد فيها كنائس، وتضّمن ذلك مرورُ أفرادٍ من الأمن على المنازل المحيطة بالكنائس لحصر معلومات عن السكان، بحسب عدد من سكان تلك المناطق.
ولكن اللافت أن الإجراءات الأمنية لم تقتصر على حماية الكنائس وسدّ الثغرات الأمنية ومعالجة أيّ خللٍ أمني محتمل، رغم أنه تمّ نفيه رسمياً بإصرار، حتى على لسان رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي في الجنازة الرسمية التي أقيمت للضحايا. فعلى نحوٍ غير متوقع، منعت قوات الأمن وقفة رمزية بالشموع مساء أمس الأربعاء، حداداً على أرواح الضحايا أمام نقابة الصحافيين، دعا إليها عدد من القوى الشبابية. وحاصرت قوات أمن كثيفة مبنى النقابة مانعةً أيّ وجود في محيطها، كما منعت التصوير والتغطية الإعلامية، ولم تسمح للمرور سوى لمن يحملون الهوية الصحافية، ما اضطر عدداً من الشباب للتوجه لمكان آخر لتنظيم وقفة محدودة بالشموع بعيدا من النقابة.
منع وقفة حداد على أرواح الضحايا بالشموع ذكّرت بمنع بعض أهالي ضحايا الكنيسة من حضور الجنازة التي تقدمها الرئيس، ما أثار الغضب وسط الأهالي.
التفجير الذي صدر إعلان بتبنيه منسوب لتنظيم «داعش» ألقى بكل تأكيد بأعباء إضافية على الأمن، فرغم أن الإعلان غير مؤكد، لصدوره بعد 48 ساعة على الهجوم الإرهابي، وعدم ورود أي تفاصيل إضافية في الإعلان غير ما كشفت عنه السلطة في مصر بالفعل، إلا أنه يبقى من المحتمل أن خلايا تابعة لـ «داعش» يمكنها فعلاً تنفيذ عمليات في قلب القاهرة.
الجانب الآخر من تداعيات تفجير الكنيسة البطرسية هو الاتجاه الذي ظهر في يوم التفجير ذاته بتعديل بعض التشريعات بهدف تسهيل إحالة المتهمين في قضايا الإرهاب للمحاكمات العسكرية واختصار فترات التقاضي.
وتشمل التعديلات المطروحة للنقاش وضع دور العبادة «الكنائس والمساجد» تحت حماية القوات المسلحة، وهو ما يعني إمكانية إحالة المتهمين بالاعتداء على دور العبادة للمحاكمات العسكرية، وفقاً للدستور الذي يحصر حالات إحالة المدنيين للمحاكمات العسكرية في حالات الاعتداء على أفراد أو منشآت تابعة للقوات المسلحة.
كذلك تعديل قانون الإجراءات الجنائية بما يسمح للمحكمة بعدم الالتزام للاستماع للشهود وفقا لتقديرها، وتنظيم حالات رد المحكمة، اختصارا لفترة التقاضي.
رئيس اللجنة التشريعية في مجلس النواب بهاء الدين أبو شقة يوضح التعديلات المحتملة في حديثه لـ «السفير» قائلاً «لا يجب أن تخضع التشريعات للانفعالات العاطفية، ولكن للشرعية الدستورية والإجرائية، وفي هذا السياق هناك ضرورة حقيقية لما يمكن اعتبارها ثورة تشريعية، وهو ما نطالب به منذ فترة وليس فقط عقب حادث الكنيسة».
ويضيف أبو شقة «المرشح للتعديل مثلا قانون الإجراءات الجنائية، وهو صادر منذ أكثر من خمسين عاماً، وكان عدد السكان في مصر أقل من 20 مليون نسمة، والآن يزيد على الـ90 مليونا. والتعديلات المطروحة تتضمن عدم إلزام المحكمة بسماع كافة الشهود، وأن يكون لها تقديرها، وقد يصل عدد الشهود في قضية إلى 500 شاهد يحتاج سماعهم لسنوات. وبخصوص إحالة المدنيين لمحاكم عسكرية، هناك نص دستوري واضح يحصر حالات محاكمة المدنيين لمحاكم عسكرية، وهي حالات التعدي على أفراد أو منشآت القوات المسلحة وما في حكمها، والتعديل المقترح على قانون حماية المنشآت، والهدف وضع دور العبادة تحت حماية القوات المسلحة، وبالتالي الاعتداء عليها يندرج تحت نفس النص الدستوري. أما بخصوص قانون الإرهاب الصادر عام 2015، فالمطلوب تفعيل نصه القاضي بتشكيل دائرة أو أكثر بمحكمة الجنايات لنظر قضايا الإرهاب على وجه السرعة. هذا ما تناقشت فيه اللجنة التشريعة وستطرحه على مجلس النواب».
الأصوات التي نادت بتشديد القبضة الأمنية، وتعديل القوانين لتسمح بتحقيق «العدالة الناجزة» ومنع الإفلات بالجريمة، اعتبرت أن خطر الإرهاب هو الخطر الأكبر الذي يهدد البلاد، وأنه يتقدم على أي أولويات أخرى.
ولم يخلُ الأمر بالطبع من بعض الاجتهادات، مثل تقدم أحد المحامين في محافظة الاسكندرية ببلاغ للنائب العام يتهم فيه أمير قطر بدعم الجماعات الإرهابية في مصر وإيواء أعضائها في قطر، و «الاشتراك بطريق الاتفاق والمساعدة فى التخطيط لارتكاب العملية الارهابية التي حدثت بالكنيسة البطرسية»، بينما نفت قطر رسمياً ذلك واتهمت السلطات المصرية بالسعي للزج باسمها كما أعربت الخارجية القطرية عن استنكارها الشديد لجريمة تفجير الكنيسة البطرسية.
ولكن رغم أن الأصوات الداعية لتشديد القبضة الأمنية وتعديل التشريعات بما يختصر فترات المحاكمة، وإحالة المتهمين لمحاكم عسكرية هي الأكثر بروزاً على الساحة في مصر، إلا أن أصواتا أخرى تحاول توضيح سلبيات هذا المنهج وخطورته على المجتمع.
جمال فهمي، عضو «المجلس القومي لحقوق الإنسان» يقول في حديثه لـ «السفير» إن «هذه هي أقصر الطرق للتهلكة وللفشل الذريع. ما يروج له الآن من التوسع في إحالة المدنيين لمحاكم عسكرية وتعديل قانون الإجراءات يعد انقلابا على كل منجزات الدولة المصرية الحديثة، خاصة في ما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة».
ويضيف فهمي «لدينا مشاكل بالفعل في استقلال القضاء، ولكن على الأقل لدينا تماسك على المستوى النظري لضمانات المحاكمة العادلة، ومن التهور الإقدام على خطوة تهدد ذلك التماسك، فقانون الإجراءات الجنائية لا يخص الإرهاب فقط، ولكنه يخصُّ جميع المواطنين، قد يكون من المفهوم وضع تشريع استثنائي ومرحلي لمواجهة خطر داهم، ولكن تشويه مكتسبات مضى عليها أكثر من قرن هو منتهى التهور، والإرهاب لا ينتهي بقوانين أو تشريعات، ولكن بمواجهة شاملة على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري والأمني أيضا».
فور وقوع جريمة تفجير الكنيسة البطرسية، نفت السلطات، وعلى أعلى مستوى، وجود أي ثغرات أمنية أو خلل سمح بمرور العبوة الناسفة أو الانتحاري إلى داخل الكنيسة. وفي الوقت ذاته، بدأت الدولة في البحث عن ثغرات في التشريعات والقوانين التي تمنعها من إحالة المدنيين للقضاء العسكري أو ضمانات العدالة التي تلزم القضاء بالاستماع للشهود.
السفير

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب