أقلام واراءزوايا

لنتصور لو لم تقم السلطة..! أكرم عطا الله


في علم السياسة ليس هناك مطلقات، فتلك خاصة بعلم الأديان وإن تبدى في السنوات الأخيرة أن أصحاب المطلق الواحد يخوضون صراعاً لادعاء كل منهم الحقيقة الثابتة واحتكاره لها، لكن السياسة التي يختلف الناس في حركتها الدائمة ونظرياتها المتحركة تحتمل وجهات نظر وأن أسئلة من نوع ” لو” عادة ما تنطلق بعد الخسائر والهزائم والتراجعات، حيث تبدأ الشعوب بالحديث عن مسارات افتراضية لم تسلكها وربما لا تحظى تلك بإجماع بل تفتح أبوابا للجدل والنقاش.
الشعوب عادة بحاجة إلى مراجعة نفسها والوقوف أمام محطات لا بد وأن تعيد قراءة تاريخها، تفتح دفاترها وتصحح بالقلم الأحمر ما يلزم من كبوات في منتصف الطريق تصوب مسارها إن كانت قد أخطأت في رحلتها الطويلة. ولأن حركة السياسة لا تسير كما معادلات الرياضيات فهي تحتمل من الأخطاء التي يشكل عدم تصحيحها أزمة الوطن العربي لأننا نحن العرب لا نعرف المراجعة.
هو السؤال الافتراضي: ماذا لو لم تكن السلطة والتي كان مقدراً لها أن تشكل نواة الدولة الفلسطينية بعد خمس سنوات؟ ويصبح أكثر ملحاً بعد تبدد حل الدولتين، ماذا لو بقينا في بطن إسرائيل حتى الآن وظلت إسرائيل تحكم هذه الكتلة البشرية وهذا الشعب الذي قرر مبكراً ألا يتعايش مع الاحتلال؟ وأن الاحتلال نفسه بثقافته الاقصائية التي تستند إلى ديانة مختلفة لا يقبل أن يتم دمج شعبنا.
لنكن أكثر وضوحاً فإن إسرائيل دولة الأرقام والنسب والحسابات السكانية، والأهم أن لعبة الأرقام في إسرائيل هي محرك دائم للسياسة وواحدة من أهم مفاعيلها ودافع للكثير من القرارات والسياسات الاستراتيجية لكي تحافظ تلك الدولة محدودة العدد على يهوديتها أولاً، فقد عملت على التخلص من الكتلة السكانية العربية مبكراً قبل أن تتساوى الكتلتان وأيضاً قبل أن تصبح الكتلة الفلسطينية هي الأكبر وتصبح خيارات إسرائيل تشبه جنوب أفريقيا عندما تحكم الأقلية أغلبيةً عددية واضحة.
تمكنت إسرائيل ببراعة من التخلص من السكان منذ منتصف تسعينات القرن الماضي عندما نشطت مراكز الديمغرافيا وأصابت الدولة بحالة من الهستيريا آنذاك، وقد كانت قد عملت باتجاهين: الأول تهجير أكبر كم من يهود الخارج وخاصة الاتحاد السوفييتي، والتخلص من العرب، وهنا كانت المسألة ملحة بالتخلص من قطاع غزة الذي يمتاز بنسبة خصوبة عالية ستجعل من الحكم اليهودي أقلية في فلسطين، وتمكنت من ذلك في اتفاقية مع منظمة التحرير الفلسطينية والتي نتج عنها إقامة حكم فلسطيني يحكم الفلسطينيين ويتكفل بهم.
الحقيقة أن السلطة الوطنية لم تستطع تأمين اقتصاد، إذ بقي الاحتلال متحكماً في الاقتصاد الفلسطيني، وأبقاه في دائرة العجز والفقر لينتج عن ذلك صعوبات للعائلات الفلسطينية التي وجدت الحل بالتقليل من الانجاب لينخفض معدل الخصوبة الفلسطينية الذي كان معدله قبل إقامة السلطة 7.1 مولود لكل أسرة فيصبح 6 مواليد عام 97 ثم بزيادة الأزمة الاقتصادية أكثر يصبح 4.1 طفل للأسرة عام 2013 .
كان هذا يتناسب تماما مع كل هواجس الديمغرافيا في إسرائيل والتحذيرات التي أطلقها مبكرا في ثمانينات القرن الماضي البروفسور سرجيودي فرجولا مدير معهد اليهودية المعاصرة وهنا باتت المعادلة كالتالي.. سلطة للفلسطينيين تظهر فصلا شكليا للسكان وتنفي شكل التحكم والحكم الإسرائيلي الذي تتبدى فيه أقلية يهودية تحكم أغلبية، على الجانب الآخر فإن ما ولده الحكم الفلسطيني من صعوبات اقتصادية نتج عنها انخفاض في نسب المواليد وخفض معدل الخصوبة، ساهم كثيرا في تأخير تحول الفلسطينيين إلى أغلبية عددية وإظهار إسرائيل كدولة ابرتهايد عنصري.
وفقا لإحصاءات 2016 الصادرة عن مراكز الإحصاء الفلسطينية والإسرائيلية فإن عدد اليهود العام الماضي إضافة للمسجليين كغير يهود والمقصود بهم بعض المهاجرين من الاتحاد السوفييتي سابقا بلغ 6.8 مليون نسمة، فيما بلغ عدد العرب في الضفة والقطاع وإسرائيل حوالي 6.645 مليون نسمة أي أن العدد تقارب، فلو لم تكن هناك سلطة لكان الوضع الاقتصادي للفلسطينيين أفضل كثيراً كما كان قبلها، حيث يعتمد على إسرائيل وسوق العمل هناك، وبالتالي لن تنخفض نسبة الإنجاب بهذا الشكل وربما لتجاوَز الفلسطينيون الثمانية ملايين. وحينها لنا أن نتصور أن جميعهم تحت الحكم الإسرائيلي أغلبية عددية واضحة وأن إسرائيل مسؤولة عن حياة ثمانية ملايين دون أن يكون هناك حكم فلسطيني وسيط يحرر إسرائيل من تلك الأغلبية ويحررها من شكل الاحتلال المباشر والحكم المباشر كدولة أقلية.
كثير ربما يختلفون مع هذا التقدير، وربما هناك من يتحدث عن إنجازات السلطة والحراك الدبلوماسي والمطار سابقاً، وكل هذا تنفيه الوقائع سواء الوجود الإسرائيلي على المعابر والتحكم بكل شيء أو تجريف المطار أو هذا الصراع الداخلي على السلطة الذي أدى إلى كل هذا الانهيار، وأيضا سرقة الأراضي ونهاية حل الدولتين، وأخيراً الانقسام الذي أخذ غزة بعيداً عن الوطن.
من يقنع السلطة في الضفة بأن الإسرائيلي حولها إلى ذراع إداري له، وأن وجودها أصبح عائقاً على المشروع الاستراتيجي الفلسطيني، وأعفى إسرائيل التي تخطط لكل شيء بحرفية عالية من الكابوس الذي كاد يتحقق لولا تشكيل السلطة، وهذا منذ ثمانينات القرن .. من يقنع حركة حماس بأن الحلم الإسرائيلي منذ أكثر من ثلاثة عقود كان يتمثل بمن يأخذ غزة من إسرائيل .. من يأخذ هذه الكتلة التي يصعب السيطرة عليها في غرف النوم كما قال أرنون سافير .. الحقيقة ما يحدث بغزة هو انخفاض نسبة المواليد عن السابق وان بقيت مرتفعة وتأخر سن الزواج بفعل الوضع الاقتصادي وهجرة الشباب.
في مدارس السياسة ربما أن أفضل مدرسة في تفسير حركة المجتمع هي المدرسة الابيقورية التي تقول: عندما تختلفون على المناهج احكموا على النتائج، حينها ستعرفون من الذي كان على صواب.. اقرأوا النتائج بما حدث لدينا منذ تشكيل السلطة وسيطرة حماس بغزة .. ستعرفون أن المشروع الإسرائيلي تحقق وأن كوابيس إسرائيل أزيلت بمساعدة الفلسطينيين .. ألا يدعو ذلك للمراجعة ؟

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى