
حسب ما تقوله التقارير، يشعر الرئيس ترامب وإدارته بالقلق من أن يكون موظفو الحكومة متحالفين ضدهم. وبين اتهاماته بالتنصت وبالتسريب، فإن حملة المستشار ستيفن بانون لتفكيك “دولة الإدارة”، والشعور (ليس بلا دليل) بأن موظفي الحكومة يميلون نحو اليسار، يبدو أن البيت الأبيض يشتري نظرية “الدولة العميقة” للحوكمة -الفكرة التي تقول إنه يمكن إحباط إرادة رئيس منتخب حسب الأصول على يد البيروقراطيين، وخاصة في عالم الأمن القومي. ومع أن الموظفين المدنيين ونحو 5.1 مليون شخص ممن يتمتعون ببراءات أمنية ربما يعملون بتناغم في بعض الأحيان (عندما يخوضون حرباً على سبيل المثال)، فإن هناك الكثير من المفاهيم المغلوطة السائدة عنهم، وعن روابطهم مع الإدارات السابقة، ودرجة استقلاليتهم.
الأسطورة رقم (1)
أن “الدولة العميقة” هي المصدر الخفي لسياسة الأمن القومي
وفقاً للبعض في اليمين، هناك مجموعة من الرجال والنساء الذين لا يخضعون للمحاسبة، والذين قرروا على نحو جمعي أن يكونوا مارقين. وكان مستشار الأمن القومي الأميركي السابق مايكل فلين “قد طرد على يد مسؤولي أوباما السابقين من أجل حماية صفقة إيران”، كما ذكر موقع -ذا بليز- المحافظ. وطبقاً للبعض في اليسار، بمن فيهم الليبرالي المدني غلين غرينوولد، فإن مسؤولي الدولة العميقة يريدون التأكد من أن تظل روسيا عدواً للولايات المتحدة.
لكن الواقع يقول إن الدولة العميقة هي مضخم رئيسي وخفي لسياسة الأمن القومي التي يضعها المسؤولون المنتخبون، والتي ينفذها بشكل رئيسي بالاتصالات العامة والدبلوماسية المركزة والعمل العسكري السري. فبعد 11/9 على سبيل المثال، قررت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش أن قتل الإرهابيين بشكل استباقي قبل أن يستطيعوا ضرب الوطن، يشكل أولوية عليا. وتبعاً لذلك، نفذ الجيش تلك السياسة عن طريق الحرب، كما فعل أسطول الطائرات بلا طيار التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية “سي. آي. إيه”. وعلى نحو مشابه، عززت وكالة المخابرات المركزية الأميركية برنامج “الاستنطاق المعزز”، الذي تحول بسرعة إلى نظام تعذيب مصادق عليه من جانب الدولة، لأن إدارة بوش أرادت له أن يعمل، وافترضت أنه يعمل. وتمت المصادقة على هذه السياسة على أعلى المستويات في حكومتنا، على يد مواطنين انتخبناهم لخدمتنا. وكان القادة في الكونغرس يعرفون فحوى ما يحدث، حتى بالرغم من أنهم لم يتلقوا كل التفاصيل.
وهكذا، إذا قرر الرئيس ترامب مد يده إلى فلاديمير بوتين، فإن الدولة العميقة سوف تساعده، حتى ولو أن ما يفرزه جمع الاستخبارات يوحي بالتوجس والحذر. وتعني هذه العمليات وحسب مساعدة الخيارات السياسية الصعبة التي يصنعها الفرع التنفيذي.
الأسطورة رقم (2)
الدولة العميقة تتجنب الإشراف
كما وصف الأمر عضو الكونغرس السابق، ألان غريسون، فإن الإشراف “هو نكتة”. فالكونغرس لا يتوافر على الموظفين ولا على الاختصاص لتوجيه أو إدارة تنفيذ سياسة الأمن القومي. كما أن الإدارات تخفي التفاصيل عن الكونغرس، غالباً عن طريق الحذف أو لأن السياسات تكون مربكة حقاً، لكن ذلك الحجب يكون متعمداً بين الحين والآخر. وقد ضايق مكتب التحقيقات الفيدرالية لوقت طويل المعارضين السياسيين الأميركيين؛ وفتحت وكالة الأمن القومي البرقيات المرسلة إلى (والقادمة من) مواطنين أميركيين في الخارج؛ كما أدارت وكالة الاستخبارات المركزية حرباً سرية تماماً في جنوب شرق آسيا.
ولكن، في سبعينيات القرن الماضي، شجعت الحرب الفيتنامية وفضيحة ووترغيت (التي أفضت إلى عزل الرئيس ريتشارد نيكسون) الكونغرس. وبعد سلسلة من التحقيقات، المعروفة تاريخياً بالأسمين الأخيرين للسناتورين اللذين ترأساها -بايك وتشرتش– تم تأسيس نظام إشراف أكثر حداثة لعالمي الاستخبارات والدفاع. وكانت لدى سياسة الجيش والإنفاق الدفاعي ووكالات الاستخبارات والأمن الداخلي كلها لجان منفصلة يجب على المسؤولين الإدلاء بشهاداتهم وتبرير أفعالهم بانتظام وتحت القسم أمامها. ويجب إخطار بعض أعضاء الكونغرس على الأقل قبل بدء أي عملية سرية لوكالة الاستخبارات المركزية، كما يجب إطلاع قادة الكونغرس من كلا الحزبين بشكل شفهي على كل النشاطات الدفاعية الأعلى سرية.
كماجعل الوصول العام المتزايد للمعلومات من كل شخص شرطياً سرياً، وأصبحت القدرة على وجود لاعبين أقل سلطة في ديمقراطيتنا من الذين يحرضون على إجراء تحقيقات أضخم في الدولة العميقة مصدراً كبيراً للضبط. وعلى المدى الطويل، لا يستطيع جهاز الأمن القومي اجتذاب الأفضل والألمع عندما يقوم بفعل أشياء شريرة.
الأسطورة رقم (3)
الدولة العميقة غير قابلة للتغيير
يصف مايك لوفغرين، موظف الكونغرس السابق والذي يتمتع بخبرة كبيرة في عالم موازنة الدفاع، يصف الدولة العميقة بأنها “غير قابلة للتغيير تقريباً”. وتسود نسخ من هذا الطرح في المقابلات الإذاعية “توك راديو”. وقال روش ليمباو هذا الشهر: “لن يجلس الناس في واشنطن عاطلين ويتركوا نتائج الانتخابات تقرر ما إذا كان (التغيير) سيحدث لهم”.
لكن الدولة العميقة ضعيفة بشكل عالٍ -مكشوفة، بطبيعتها، أمام فكرة الفشل المفرد الذي عادة ما يأتي في شكل أفراد يكون لديهم شيء ما يريدون أن يقولوه للعالم. ولنأخذ مثلاً ثورة إدوارد سنودن ضد وكالة الأمن القومي، أو القرار الذي اتخذه جندي واحد في الجيش في العراق بسرقة البرقيات الدبلوماسية، أو كائناً من كان الذي أهدى “ويكيليكس” أدوات قرصنة هواتف وتلفزة وكالة المخابرات المركزية الأميركية. وبهذه الطريقة، يستطيع شخص مفرد تغيير الطريقة التي تمارس بها مؤسسة ما عملها.
بالإضافة إلى ذلك، لا يستطيع البيروقراطيون تجنب تداعيات سوء السلوك الموجه إلى الرئيس. من الممكن خفض الموازنات المالية. ومن الممكن خفض البرامج. ومن الممكن تغيير السياسة. وكانت إدارة الرئيس أوباما قد جعلت من الأصعب على الحكومة تأكيد مزية أسرارها الخاصة الدولة، ووجهت مكتب مدير الاستخبارات القومية إلى نزع السرية وكشف النقاب عن كمية كبيرة من المعلومات المتعلقة بالمناكفة القانونية بين وكالة الأمن القومي وبين المحاكم الفدرالية، وطلبت من وكالة الأمن القومي أن تكشف للشركات عن العديد من نقاط ضعف “يوم الصفر” (أو غير المعروفة سابقاً)، والتي عثر عليها قراصنتها للإنترنت.
الأسطورةx رقم (4)
الدولة العميقة تقوم بالتسريب بلا مبرر
اشتكى الرئيس مرات عدة من أولئك الجواسيس الخونة بطبعهم ومن أسرارهم الخطيرة، وقال إنهم أماطوا اللثام عن معلومات سرية للصحافة. ونعم، فالناس الذين تكون لديهم تخويلات أمنية عادة ما يسربون معلومات سرية لوسائل الإعلام. وقبل فضحية ووترغيت، عملت التسريبات كطريقة ضبط أصيلة للسلطات التنفيذية غير مقيدة.
لكن الدولة العميقة تبدو في هذه الأيام مصدراً لتسريبات أقل للمعلومات السرية من شاغلي المناصب السياسية وكوادرهم. ويبدو أن المعرفة التي لدينا عن الأعمال الداخلية لبيت ترامب الأبيض تأتي من كبار مساعديه الخاصين. ولا نملك أي طريقة لمعرفة ما إذا كان المسؤولون هم الذين قالوا للمراسلين الصحفيين أن ترامب يخفي معلومات عن اتصالات فلين مع السفير الروسي سيجي كسلياك، عن نائب الرئيس، ينتمون إلى فريق ترامب الخاص. لكن، على ضوء صرامة الاحتفاظ بتلك المعلومات، فإن بعضهم على الأقل كان مقرباً من الرئيس.
الأسطورة رقم (5)
المجمع الصناعي العسكري هو الدولة العميقة
غالباً ما يشعر الرؤساء بأنهم مهددون من جانب جهاز الأمن القومي. وكان الرئيس دوايت أيزنهاور قد حذر في العام 1961 بشكل ينطوي على بصيرة من حقوق الحرب الباردة المقصورة على الجيش، واصفاً مجموعة نخب ما بعد الحرب بأنها مثل “المجمع الصناعي العسكري”.
كما أن جون أف. كنيدي كان خائفاً بما يكفي من إحساس العظمة عند وكالة المخابرات المركزية الأميركية، لدرجة أنه عين أخاه للإشراف على كل العمليات السرية.
بينما كان “المجمع الصناعي العسكري” لأيزنهاور أبيض ذكورياً ومسيحياً يحكمه سدنة يجلون النووية فوق أي شيء آخر، فإن بيروقراطية الأمن القومي اليوم حرفية ومستندة إلى القانون ومتنوعة بشكل عالٍ. وهي منظمة حول مكافحة الإرهاب.
بالإضافة إلى ذلك، تحتوي الدولة العميقة على أعداد وفيرة تكون في الغالب مختلفة مع بعضها بعضا. وقد سخر مقاولو الدفاع من انتخاب ترامب كما فعل العديد من الجنود وضباط الصف والبحارة والطيران الذين صوتوا له. لكن كبار الجنرالات والمدنيين المحترفين الذين تتجمع مصالحهم حول الخير العام والتقاليد المدنية والاستقرار العالمي شعروا بالإحباط. وشحبت وجوه الضباط الرفيعين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
غالباً ما لا تصطف الأجزاء الانتخابية للدولة العميقة. وهي لا تشكل مؤامرة واحدة.
(الواشنطن بوست) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني الغد الاردنية



