
احدى الزوايا المثيرة للفضول، وربما ايضا الأخطر في قضية الغواصات، هي الاقرار الإسرائيلي الذي صدر لألمانيا لبيع غواصات متطورة لمصر أيضا. فقد أدهش هذا الاقرار رجال جهاز الأمن في الحاضر وفي الماضي؛ لانهم يعرفون أنه على مدى سنوات طويلة عارضت اسرائيل بشكل قاطع الصفقات التي في إطارها تتلقى مصر اسلحة متطورة تشبه تلك التي تشتريها اسرائيل.
عندما انكشفت القضية المصرية، الاسبوع الماضي، سارع متحدثون مختلفون الى القول إن الاقرار الاسرائيلي صدر منذ عهد ايهود باراك، عندما كان وزير دفاع، وبناء على رأيه. اما اليوم فاننا نكشف النقاب عن انه كانت هناك صفقتان المانيتان مع مصر في فترتين مختلفتين.
الصفقة الاولى:
في العام 2009 عندما كان مبارك لا يزال رئيسا طلبت مصر شراء غواصتين من حوض سفن تسنكروف. استجاب وزير الدفاع في حينه باراك ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للطلب المصري السماح بشراء الغواصات، شريطة أن تكون اقل تطوراً من الغواصات الإسرائيلية.
في اعقاب إسقاط مبارك في 2011 وصعود رجل “الإخوان المسلمين”، (محمد) مرسي، الى الحكم، توجه نتنياهو وباراك الى السلطات الألمانية بطلب إلغاء الصفقة. وقال الالمان إنه في هذه المرحلة لا توجد إمكانية لالغائها، ووصلت الغواصتان الى مصر في العام 2016.
الصفقة الثانية:
في النصف الثاني من العام 2014، عندما بات يحكم مصر الرئيس السيسي، الذي يجري حوارا جيداً مع اسرائيل، طلب المصريون شراء أربع غواصات من النماذج الاكثر تطوراً وسفينتين مضادتين للغواصات. لم يشارك وزير الدفاع، بوغي يعلون، ورؤساء الاقسام ذات الصلة في جهاز الامن في المداولات حول الطلب المصري.
في الوقت ذاته دخلت مصر في عملية متسارعة لبناء قوة بحرية استثنائية في حجمها ونوعها لم يتطابق على الاطلاق مع القدرة الاقتصادية او الاحتياجات الاستراتيجية الموضوعية لديها. وفي السنوات الاخيرة اشترى المصريون حاملتي مروحيات، سفن انطلاق متطورة، ويوشكون على أن يستكملوا في المستقبل القريب بناء أحد الاساطيل الأحدث والاكبر في الساحة.
واكتشفت وزارة الدفاع صفقة الغواصات الجديدة بين المانيا ومصر بالصدفة تماما، وحين علمت بالقصة رفعوا في جهاز الامن حواجبهم. وعندما توجه وزير الدفاع الى رئيس الوزراء نتنياهو في محاولة للاستيضاح اذا كان هناك بالفعل اقرارا اسرائيليا نفى نتنياهو ذلك.
من أصدر الامر؟
في بداية 2015 تلقى عاموس جلعاد من نظيره الالماني مؤشراً آخر على أن الصفقة المصرية هي بناء على رأي حكومة اسرائيل. فلما لم يستطع وزير الدفاع الحصول على اقرار بذلك من رئيس الوزراء قرر جهاز الأمن الطلب من جهة اسرائيلية اخرى – كانت توشك على السفر الى المانيا – استيضاح المسألة.
في ايار 2015، عقد لقاء عمل في برلين بين تلك الشخصية الاسرائيلية رفيعة المستوى وبين محفل رفيع المستوى في المانيا. طلب الاسرائيلي الاستيضاح لماذا يبيع الالمان سلاحا متطورا لمصر، بخلاف الاتفاقات مع اسرائيل؟ ولشدة الحرج، فان المسؤول الالماني، الذي لم يفهم لماذا ولاي سبب ينزلون باللائمة على حكومته فحص على الفور الموضوع، وعرض على محادثه المنذهل أدلة بان مصدرا إسرائيلياً رسمياً أقر البيع للمصريين. وتضمنت الصفقة بيع أربع غواصات متطورة وسفينتين مضادة للغواصات لمصر.
عاد المحفل الاسرائيلي الى البلاد وأكد وزير الدفاع، موشيه يعلون، بأن شبهاته صحيحة: حكومة اسرائيل، رغم كل محاولات النفي في حينه واليوم، وافقت على سحب اعتراضها على صفقة الغواصات والسفن الالمانية – المصرية.
سيروا في اعقاب المال
في نهاية 2014، بالتوازي مع الصفقة المتحققة بين المانيا ومصر، أعلنت حكومة المانيا انها مستعدة لتدعم حكوميا صفقة مع اسرائيل تتضمن أربع سفن لحراسة طوافات الغاز. مبلغ الدعم هو نحو ثلث حجم الصفقة – 127 مليون يورو. والشرط هو الغاء العطاء الدولي لتلك السفن ونقل العمل الى حوض سفن تسنكروف بلا عطاء. ونشر في “يديعوت احرونوت”، أول من أمس، أن العطاء الأصلي كان معداً ليجري بين ثلاثة أحواض سفن في كوريا الجنوبية، وذلك لأن السفن التي تبنيها تسنكروف كبيرة وغالية جدا (1.800 طن) بينما كانت اسرائيل بحاجة الى سفن 1.200 طن.
ولكن في اعقاب الدعم الحكومي الالماني عاد حوض سفن تسنكروف الى الصورة، والغي العطاء في كوريا. أما سلاح البحرية من جهته فيسعده ان يحصل بدلا من سفينة الصواريخ الكورية السريعة، سفينة حربية اكبر بالضعف من سفينة الصواريخ المتطورة التي لديه اليوم – “ساعر 5” – وبالتالي فقد أيد مسؤولو السلاح الصفقة.
وبالمناسبة، رغم التخفيض الالماني للسعر، كانت هذه السفن اغلى مما كان مخططا له. فقد كشف رئيس مديرية المشتريات والانتاج في وزارة الدفاع، شموئيل تسوكر، هذا الاسبوع، بأن سلاح البحرية تجاوز الميزانية التي قررتها وزارة المالية. وستكون صيانة هذه السفن أغلى بكثير من السفن الأصغر (الكورية).
لا يمكن استبعاد إمكانية ان تكون هناك علاقة بين التغيير في موقف الالمان من بيع السفن المدعومة حكوميا لسلاح البحرية وبين موافقة حكومة اسرائيل على الصفقة المصرية، التي ادخلت لحوض السفن الالماني اكثر من ملياري يورو.
الصفقة الثلاثية
تقرّ إسرائيل لالمانيا بيع غواصات متطورة لمصر وبالمقابل تتلقى من المانيا تخفيضا مهماً للسعر في صفقة شراء الادوات البحرية لطوافات الغاز. وهكذا يكون الجميع – باستثناء أمن الدولة – يكسبون: الالمان، الذين تلقوا عقداً دسماً من مصر واسرائيل، الوكلاء الاسرائيليين الذين يعملون مع احواض السفن الالمانية وسبق لهم ان رأوا بان المكسب يذهب الى الوكلاء الذين يعملون مع الكوريين، وحتى سلاح البحرية الذي حصل على سفن اغلى واكبر (رغم انه لا حاجة حقيقية لها). في هذه المسألة، ضمن امور اخرى، سيكون للشاهد الملكي الجديد، ميكي غانور، ممثل تسنكروف في اسرائيل، الكثير مما يرويه لمحققيه في الشرطة.
وسيتعين على المحققين ان يفحصوا المسائل التالية: ما العلاقة بين القرار الاستراتيجي غير المسبوق للسماح ببيع غواصات متطورة لمصر (خلافا للغواصات الاقل تطورا التي اقرت في الصفقة الاولى) وبين قرار شراء السفن من حوض السفن الالماني ذاته؟ وهل حقا تعهد الالمان بالدعم الحكومي لسفن الحراسة جاء مقابل موافقة اسرائيلية على ان تبيع المانيا غواصات متطورة لمصر؟
في اعقاب التقرير الذي نشر عن قضية الغواصات، يوم الجمعة الماضي، أفاد المحامي رفائيل رابيلي باسم المحامي اسحق مولكو: “المحامي مولكو لم يعالج ولا يعالج اي جانب يتعلق بموضوع الغواصات، ولم يتلقَ ابدا أي تعليمات من رئيس الوزراء او اي جهة اخرى في هذا الشأن. ما نشر وقيل هو كاذب عديم الاساس”.
عن “يديعوت”




