
لا تكتمل الدولة إلا بتعيين حدودها السياسية. واهمية الحدود انها تحدد المجال السيادي للدولة ، وهي نقطة البدء والنهاية لسيادة الدول الأخرى. ولقد شكلت الحدود اهم القضايا الخلافية بين الدول.وسببا للعديد من الصراعات والحروب. وأهمية الحدود ايضا انها شرط مسبق لإعتراف الدول ببعضها. وشرط لقبول الدولة عضوا في الأمم المتحدة. وتشكل الحدود اهم الإشكاليات بالنسبة لحالة الدولة الفلسطينية.
ولهذه الإشكالية جانبان فلسطيني وإسرائيلي ، في الجانب الفلسطيني الحديث عن دولة فلسطينية في إطار حدود عام 1967، وهي الحدود التي لم تعد قائمة بسبب خارطة الإستيطان في الأراضي الفلسطينية ، والتي أفقدت الحدود معناها وماهيتها الجغرافية والسياسية ، وتداعيات هذه المستوطنات لا تقتصر على تقليص مساحة الدولة ، بل في صعوبة تعيين الحدود. وبسبب تداخل الحدود لدرجة تفقد الدولة الفلسطينية عمقها الإستراتيجي.
وهذه الإشكالية تبدو في الضفة الغربية التي تشكل المساحة الأكبر للدولة الفلسطينية ، وما تشكله من منطقة القلب سواء لفلسطين او حتى لإسرائيل. ولتلاصقها الجغرافي مع اسرائيل لدرجة صعوبة إنفصالها او إعادة تقسيمها. حتى مع الحلول والقبول بمبدأ المقايضة للمستوطنات بأراض أخرى مماثلة لنفس النسبة ، لكن تبقى الإشكالية قائمة ، فالمشكلة لا تكمن في مبدأ المقايضة ، ولكن في الطبيعة الجغرافية والجيوسياسية التي تمثلها الضفة الغربية ، و تواجد الكتل الإستيطانية من شأنه ان يخلق حالة من التشوه في الحدود، وصعوبة تحديد حدود الممارسة السيادية بسبب التواجد السكاني أيضا. ومن ناحية اخرى تسلب الخارطة الإستيطانية في الأراضي الفلسطينية أية مزايا إقتصادية وإستراتيجية ، وبالتالي سيحول الدولة الفلسطينية في جميع الأحوال لدولة ضعيفة هشة فاشلة يسهل إبتلاعها من قبل إسرائيل في أي وقت.ولهذا فإن الإتفاق على ماهية الحدود سيشكل احد أهم العقبات في طريق إكتمال الدولة الفلسطينية والإعتراف بها. والخيار فلسطينيا التمسك بحدود 1967 التي تتوافق مع قرارا مجلس الأمن رقم 242 الذي لا يجيز ضم أراضي الغير بالقوة ، وإستنادا للقرار رقم 181 الذي أقر قيام دولة عربية على مساحة تقارب ال44 في المائة من مساحة فلسطين. وان قبول الفلسطينيين بدولة على حدود حزيران 1967 يعتبر تنازلا كبيرا من قبلهم للمساهمة في تحقيق الشرعية الدولية ، ودعم السلام والأمن العالميين، وإستنادا أيضا للعديد من القرارات التي تؤكد على عدم شرعية المستوطنات. وهذه الحدود هي التي حكمت العلاقة بين الأردن وإسرائيل حتى عام 1967، على إعتبار ان الضفة الغربية كانت ضمن السلطة الأردنية ومشروع المملكة المتحدة، وان قيام المستوطنات لا يخلق حدودا، ولا يغير من الحدود القائمة.
أما الإشكالية الإسرائيلية فهي عقدة العقد بالنسبة لقيام دولة فلسطينية بحدود معترف بها. فأولا الفكر الصهيوني والليكودي منه لا يؤمن بفكرة الحدود بالنسبة لإسرائيل ، يتكلمون عن دولة بلا حدود، والمقصود الحدود المفتوحة.وثانيا التسليم والإعتراف بالحدود للدولة الفلسطينية يعني تراجعا بل سقوطا لأهم الأفكار التي تقوم عليها الحركة الصهيونية والتي تؤسس للشرعية السياسية التي تحكم السلوك السياسي في إسرائيل ، ومن ثم التشكيك في شرعية قيام إسرائيل. وثالثا التسليم بفكرة ترسيم الحدود يعني العودة لسياسات الغيتو المغلق داخل حدود مغلقة ، مما قد يقود لتفجر المشاكل الإجتماعية داخل إسرائيل، وخصوصا ان إسرائيل ما زالت تعاني من مشكلة عدم التكامل بالنسبة لمواطنيها من عرب فلسطين الذين يشكلون نسبة ليست بالقليلة حوالي عشرين في المائة من سكان إسرائيل، وتعاني ايضا من عدم إكتمال مشكلة الإندماج بالنسبة لمواطنيها من اليهود، فما زالت مشكلة الهوية والإنتماء والولاء والتمايز قائمة بين سكانها.
ورابعا التسليم بالحدود يعنى تقليص قوة إسرائيل العسكرية وحصرها في إطار جغرافي ضيق ، يمكن أن يتآكل مسقبلا.وهو ما يعني أيضا من المنظور الأمني تقليص نطاق مجالها الحيوي والأمني الذي يتجاوز إسرائيل كدولة ، وسيفقدها ايضا هدفا إستراتيجيا في ان تصبح وتتحول لدولة مركزية و محورية في نظام شرق اوسطي تسعى لقيامه. على حساب النظام الإقليمي العربي ، ولذلك التسليم بفكرة الحدود التي تعني قيام الدولة الفلسطينية يعني فقدانها لكل هذه المزايا الإستراتيجية.
ولذلك تسعى إسرائيل للإستراتيجيات البديلة لمفهوم الحدود السياسية مثل فكرة الحدود الإقتصادية ، والحدود بتوسيع رقعة الحقوق الإنسانية التي يتمتع بها الفلسطينيون، وطرح ما يسمى بسلطة الحكم الذاتي الواسعة دون الحقوق. والبديل ايضا لإسرائيل تمرير فكرة الحدود في غزة ،كون غزة اولا تشكل مساحة صغيرة جدا، ولا تتمتع بخصائص جغرافية وجيوسياسية تؤثر على أمن إسرائيل، وتشكل منطقة مغلقة ، فهي تقع في اقصى الجنوب، وهامشية الموقع ، وإقتطاعها لا يؤثر على خارطة إسرائيل الأمنية والسكانية ، وذات حدود يمكن التحكم فيها في جميع الأحوال، ولذلك تشكل البديل الحدودي الذي يمكن ان يكون بديلا للحدود السياسية للدولة الفلسطينية .


