شعب سوريا الشقيق، ينزف ويئن ويموت ويتعذب. لكن انخفاض منسوب الأحاسيس، سمح لزَبدالآراء الظالمة، بأن يطفو على السطح، لكي يُقال إن الحرب تندلع أولاً وأساساً، بينعلمانيين قوميين حضاريين، وأصوليين متخلفين إقصائيين وإرهابيين. فقد ارتسم هذاالاختزال الشائن، بعد أن أوصلت جرائم الحكم المستبد، مشهد الصراع، الى الحال الراهنالمروّع، ليختلط الحابل الشعبي بالنابل الأصولي والتكفيري القادم دون سواه، لـ “نُصرة” الضحايا، بمنطلقاته ولغته. ذلك علماً بأن السلفية الجهادية، لم تكن حاضرة،عندما كانت تُقصف التظاهرات السلمية وتُقلّع أظافر الأطفال، ثم يُذبحون، وتُغتصبالنساء، وتُقصف جنائز تشييع الشهداء. ففي سياق التدليس الذي لا يبالي بدم الناس،يُصار الى توصيف أو تحويل “فكري” للجزء المستجد، لينسحب على الكل السوري الشعبيوالوطني والديمقراطي. أما الأصوليون الطائفيون، القادمون كالجراد، من لبنان والعراقوباكستان، فهؤلاء لا يُرى قُبحهم ولا تُرى عفونتهم ولا أصوليتهم. كأنهم عاشقونللتحضر وللديمقراطية وللعروبة. وبات عديمو الإحساس، المنكرون لفظاعة ما يجري،يتحدثون عن الصراع وكأنه حرب العلمنة ضد التدين الأصولي المتشدد. ولا يَسمع هؤلاءالذين يتعاطفون مع القاتل ضد ضحاياه؛ رسالة هذا القاتل المحملة بمفردات دينية، ولايلتفتون لتوظيفه للنوع المناصر له من رجال الإفتاء والمشيخة العفنة الفاسدة، فضلاًعن إعلائه لشأن العامل الطائفي، وطلب الإغاثة من مرجعيات أصولية شيعية. وهذا منحىنقيض للعلمانية والعلمنة. ثم إن السُذج الذين ينسحب في لغتهم الجزء الأصولي علىالكل الوطني السوري، ويعتبرون النظام علمانياً، لا يعرفون معنى العلمانية، التي لاتفصل بين مقابر الموتى، حسب طوائفهم، ولا يكون الفقه الإسلامي في دستور دولتها، هومصدر رئيسي للتشريع، كما في دستور الأسد الأب، في بداية حكمه وخداعه وحقبتهالسوداء.
إن ما يُقرأ من جانب النظام، في سياق الصراع، ينم عن خوف أقلّي منالأكثرية. جوهر هذا الخوف الأقلي، ليس علمانياً ولا ديمقراطياً ولا وطنياً. إنهأصولي طائفي وفاجر بامتياز. وكان العلمانيون السوريون والملحدون، المنتمون الىطوائف الأقلية، كالشاعر أدونيس، قد اختزلوا معنى الصراع، مستندين الى حساباتطائفية، لا الى ما عاشوا حياتهم يثرثرون عنه من القيم، كالديمقراطية والعدالة. وقفوا ضد ثورة الحرية في سوريا منذ البداية، لمجرد كونها اعتمدت تظاهرات الجُمع،وانطلقت من المساجد. وكأن القحط السياسي، أبقى للسوريين منابر غير بيوت الله التيانحصر التعبير السياسي، خلسة، في زواياها. وقد أرعبهم ظهور اللون السُني، فيالتظاهرات الأولى، متناسين أن هذا هو لون الأكثرية المضطهدة، وأن هذه الأكثرية لمتعد تطيق الاستمرار في الصمت على استبعادها المطرد والمديد، عن مراكز النفوذالسياسي والاجتماعي، في الدولة وفي وطنها!
حتى جماعة “الإخوان المسلمين” فيسوريا، فإن لها وضعاً خاصاً ومظلومية فريدة، جعلت السوريين يشعرون أن العرب والعالمتخلوا عنها، عندما ذُبح السوريون في حماة، من دون تمييز، في محاولة اجتثاثهاجسدياً، ثم تبع ذلك تضمين الدستور، عقوبة الموت على من ينتسب اليها أو يُشتبه فيانتسابه اليها، وذلك بخلاف الحال في أقطار أخرى، في ربع القرن الأخير، من حيث شراسةالعداء والإقصاء!
غاية القصد، إن اختزال الصراع الدائر في سوريا، بملمح وجودالسلفية الجهادية في قلب المعركة؛ مُغرض وظالم وغير واقعي. فالجزء لا ولن يتحول الىكُل. أما ثنائية الدين والعلمنة، فإنها ضرب من الخداع الإعلامي، ثم إن الكُلالسوري، في طبيعة تدينه، لا يقر التطرف ولا الإقصاء، ولديه مراس طويل، في التجاوروالتعايش الأهلي السلمي مع مكونات المجتمع. ولعل الاختزال في هذه الثنائية، هو إحدىوسائل التقرب واستدرار عطف الغرب والأميركيين تحديداً، في الوقت الذي تُرمى فيهالمعارضة، بالعمالة لهذا الغرب!
الحياة الجديدة





