الرئيسيةزواياأقلام واراءكيف تغيرت خريطة القوى في الشرق الأوسط ... بقلم : فولكر...

كيف تغيرت خريطة القوى في الشرق الأوسط … بقلم : فولكر بيرتيس

198177

برلين- كان اندلاع ثورات الربيع العربي في أواخر العام 2010 وأوائل العام 2011 سبباً في وضع علاقات القوة بين دول الشرق الأوسط في حالة من التقلب والتغير المستمرين، وظهر على الساحة فائزون وخاسرون. ولكن لأن مواطن القوة ونقاط الضعف لدى أغلب الكيانات الفاعلة في المنطقة مشروطة أو متوقفة على عوامل أخرى إلى حد كبير، فإن موازين القوى الإقليمية ما تزال مائعة للغاية.
وبالنظر إلى الوضع الذي أصبح عليه هذا التوازن الآن، فإن مصر تظل تضطلع بدورها كواحد من الكيانات الفاعلة الأعظم تأثيراً في المنطقة، حيث يؤثر نجاحها أو فشلها في إدارة عملية الانتقال السياسي والاقتصادي بشكل مباشر على الكيفية التي تتطور بها الأمور في دول عربية أخرى. لكن مصر مثقلة بهمومها الداخلية؛ بما في ذلك الاقتصاد المتراجع والوضع الأمني الذي استدعى استخدام المؤسسة العسكرية لأداء مهام الشرطة. وسوف يتوقف توسع قوة مصر الناعمة على قدرة أول حكومة منتخبة ديمقراطياً هناك، بقيادة الرئيس محمد مرسي، على اتخاذ قرارات صعبة وصياغة وتشكيل الإجماع الداخلي. والنجاح في إقامة حكم فعّال كفيل بتأسيس نموذج قد تسعى العديد من الدول المجاورة لمصر إلى محاكاته، ولو جزئياً على الأقل.
وفي هذا السياق، تشكل تركيا مثالاً جيداً. ذلك أن قوة تركيا تستند في الأساس إلى اقتصادها النشط النابض بالحياة. ويبقى استخدامها لقوتها العسكرية المثيرة للإعجاب كأداة من أدوات القوة محدوداً للغاية، كما تبين الآن أن نفوذها السياسي كان مبالغاً في تقديره، وخصوصا في سورية. ومن المؤكد أنه سيكون من شأن تقاربها مع إسرائيل، والأهم من ذلك إقرار السلام الدائم مع سكانها الأكراد، أن يعزز من نفوذ تركيا الإقليمي.
من جهتها، تظل إسرائيل أيضاً كاسبة بشكل عام، رغم البيئة الاستراتيجية المتغيرة وافتقارها فعلياً للقوة الناعمة في المنطقة. والواقع أن السقوط الوشيك لعدو إسرائيل الأكثر جدارة بثقتها، الرئيس السوري بشّار الأسد، يثير مخاوف إسرائيل بقدر ما أثارت مخاوفها خسارة حليفها الرئيس المصري السابق حسني مبارك. أما الآن، وقد أصبحت إمكانات إسرائيل الاقتصادية وقدرتها على الردع أقوى من أي وقت مضى، فإن أياً من اللاعبين الإقليميين الآخرين لا يستطيع أن يشكل تهديداً أمنياً حقيقياً لها في الأمد القريب.
ومن ناحية أخرى، أثمرت الجهود الحثيثة التي بذلتها دولة قطر لتوسيع نفوذها على مدى العقدين الماضيين، في ظل قوة الجذب الكبيرة المتنامية التي اكتسبها ذلك البلد. وكانت قطر، منذ العام 2011، حريصة على تصعيد تدخلها في شؤون جيرانها، فدعمت الثورة الليبية، والحكومة المصرية، والمعارضة السورية.
لكن القطريين ربما يبالغون في تقدير إمكاناتهم. صحيح أن قطر لديها المال، لكنها لا تملك أياً من عناصر القوة الحاسمة الأخرى، كما أنها أصبحت محل انتقاد مستمر بسبب تدخلها في سورية ودعمها للإخوان المسلمين. وإذا فشلت قطر في استخدام مواردها بحكمة، فربما تفقد الشرعية التي تحتاج إليها لتعزيز دورها كدولة راعية.
ومن ناحية أخرى، تسلط الحرب الأهلية المشتعلة في سورية الضوء على ضياع ما كان لها من نفوذ كبير في المنطقة ذات يوم. بل إن سورية أصبحت اليوم هدفاً لصراع جيوسياسي بين جهات فاعلة إقليمية أخرى. بيد أن الجهود التي تبذلها دول الخليج لتسليح المعارضة السورية لا تكفي لوضع الصراع على مسار نهائي محدد الوجهة، وخصوصا في ظل وجود الأسلحة الثقيلة تحت تصرف نظام الأسد. كما عجزت المعارضة السورية عن الاستيلاء لنفسها على ما خسره الأسد من سمعة ونفوذ.
الواقع أن سورية، بصرف النظر عن توازن القوى بين النظام ومعارضيه، ربما تعجز عن إعادة تأسيس حكومة مركزية قوية قبل عقود قادمة من الزمان، إذا كان ذلك سيحصل على الإطلاق. وفي أفضل الأحوال، فإن سورية سوف تخرج من الصراع الحالي كدولة غير مركزية أو فيدرالية؛ أو ربما حتى الأسوأ من ذلك: أن تسلك الدولة الطريق الذي سلكته الصومال. وفي كل الأحوال، فإن سورية توجد حالياً في المعسكر الخاسر بقوة.
من جهته، كان بوسع العراق أن يصبح فائزاً لو أنه تمكن من ترجمة تعافي صناعة النفط لديه وانسحاب القوات الأميركية إلى استقرار سياسي ونفوذ إقليمي. ولكن، في ظل حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي التي تعد على نطاق واسع مجرد نظام طائفي استبدادي آخر، فإن العراق لن يتمكن من اكتساب أي قدر من القوة الناعمة.
وعلاوة على ذلك، أصبحت احتمالات تمكن كردستان العراق من إقامة دولة مستقلة بحكم الأمر الواقع أو بحكم القانون أعظم من أي وقت مضى. بل وقد يتمكن أكراد العراق من توسيع نفوذهم ليضم المناطق المأهولة بسكان أكراد في شمال سورية، وهو ما من شأنه أن يحولهم إلى قوة إقليمية أكثر تأثيراً حتى من الحكومة العراقية في بغداد.
أما إيران المجاورة، فتبدو وكأنها الناجي الأساسي الأكثر أهمية. فقد نجحت في التكيف مع العقوبات الخانقة المتزايدة الشدة التي يفرضها عليها المجتمع الدولي، في حين حافظت على برنامجها النووي، وهي ما تزال تشارك في العملية الدبلوماسية مع مجموعة الخمسة + واحدة (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا). كما نجحت إيران في تعزيز نفوذها في العراق، وساعدت في الإبقاء على نظام الأسد، حليفها الأساسي، في السلطة لفترة أطول كثيراً مما كان متوقعا.
لكن من شأن ارتفاع حدة الاستقطاب السياسي في المنطقة أن يقوض موقف إيران. فمع ذهاب الصراعات الإقليمية على نحو متزايد باتجاه التحديد على طول خطوط سُنّية شيعية، أصبح من الصعب للغاية بالنسبة لإيران ذات الأغلبية الشيعية المهيمنة أن تكتسب النفوذ في الدول ذات الأغلبية السُنّية. كما يعمل دعم إيران لنظام الأسد الوحشي في سورية على إلحاق المزيد من الضرر بقوتها الناعمة التي كانت كبيرة ذات يوم في دول عربية أخرى.
وبوسعنا أن نعتبر المملكة العربية السعودية أيضاً بين الناجين، في ظل المحاولات التي تبذلها للتغلب على انعدام الأمن الاستراتيجي العميق النابع من الجهود الإيرانية الرامية إلى تقويض موقفها، والاضطرابات الاجتماعية في جارتها وحليفتها البحرين، وصعود الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر. كما أصبحت المملكة العربية السعودية متشككة على نحو متزايد في حلفائها الأميركيين الذين تعتمد عليهم البلاد في ضمان أمنها.
وفي الوقت نفسه، تواجه القيادة السعودية تحديات داخلية كبيرة، بدءاً من التفاوت الاقتصادي الهائل بين الناس، وقصور الخدمات، والإحباط المتنامي إزاء الافتقار إلى المطالبات بالحرية السياسية، وعملية توريث الحكم الصعبة بين أفراد الأسرة المالكة. ولكن، ورغم تضاؤل القوة الناعمة التي تمتلكها المملكة العربية السعودية، فإنه يرجح أن تضمن لها ثروتها الهائلة من النفط البقاء كقوة إقليمية من الوزن الثقيل.
وأيضا، تلعب كيانات فاعلة غير تابعة لدولة بعينها دوراً حاسماً في ميزان القوى في الشرق الأوسط. فقد أصبحت الأقليات الدينية أقل شعوراً بالأمان. ويكتسب الأكراد الذين كانوا مقهورين ذات يوم مزيداً من الأرضية في هذه الأوقات. ومن بين الجماعات السياسية الانتقالية الرئيسية، كانت جماعة الإخوان المسلمين هي الفائز الأكثر وضوحاً حتى الآن.
لكن النجاح يجلب معه التحديات. ويتعين على الحكومات التي يقودها إسلاميون أن تفي بوعودها وتعهداتها على الجبهة الاجتماعية الاقتصادية، مع العمل على بناء المؤسسات الديمقراطية. ومن عجيب المفارقات هنا أنه لن يتسنى للإسلاميين أن ينسبوا لأنفسهم النجاح في بناء دولة أفضل إلا عندما يتقبلون أول هزيمة انتخابية لهم. والواقع أن التحدي الذي يواجه جميع الفائزين في المنطقة حالياً يتلخص في ترجمة مكاسب اليوم إلى قوة جديرة بالمصداقية في الأمد الأبعد.
*رئيس مجلس إدارة ومدير المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع خدمة “بروجيكت سنديكيت”، 2013.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب