الرئيسيةزواياثقافة وادب"خبز على طاولة الخال ميلاد" لمحمد النعّاس.. ليبيا في "الكوشة"!

“خبز على طاولة الخال ميلاد” لمحمد النعّاس.. ليبيا في “الكوشة”!

الايام – كتبت بديعة زيدان:تتقاطع رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” للروائي الليبي محمد النعّاس في زاوية من زواياها، مع العديد من الروايات العالمية، باعتبارها “رواية طعام”، كـ”مدرسة المكوّنات الأساسية” للأميركية إيريكا باورمايستر، و”الماء للشوكلاته” للمكسيكية لورا إسكيبيل، و”الحزن الخاص لكعكة الليمون” للأميركية إيمي بندر، و”الذواقة” للصيني لو وين فو، وغيرها الكثير، حتى “النباتيّة” للكورية هان كانغ، باعتبار أن استحضار الطعام في الروايات فيه “لذة” ما إن لم يكن توظيفها زخرفاً فائضاً، وباعتبار أن توظيف الطعام في السرد ليس وصفة لطاهٍ، وهو ما نجح فيه النعّاس، بالاتكاء على الغذاء الأساسي للكثيرين حول العالم، أي الخبز.

فمن خلال عمله بمخبز والده، يطلعنا “ميلاد”، شخصية الرواية المحورية، على تفاصيل كثيرة كنّا نجهلها حول المجتمع الليبي، وعاداته، دون أن يغفل الحديث عن شيء من تاريخ البلاد وتحولاتها السياسية، منذ الاحتلال الإيطالي، وما بعد، عبر “الكوشة” (الرديف للمخبز بالدارجة الليبية)، وأنواع الخبز فيها.

“شهدت الكوشة على أحداث سياسية واجتماعية في البلاد، في الأربيعنيات والخمسينيات كان زبائنها من الطليان والإنجليز والمالطية يشترون من السنيور لويجي أرغفة إفرنجية (باقيت)، يحتاج إلى ساعات وتقنيات مختلفة لتحضيره.. (توست)، و(خبز المداس) الإيطالي، و(رغائف الخبز الصقلي بالسمسم)، و(البريوش) بالطبع.. كنتُ أسمع حكايات عن كوشة السنابل الذهبية في تلك الفترة، كانت ضرباً من الخيال، لم يذق سكان (الظهرة) و(كازا لانجس) و(شارع البلدية) و(بن عاشور) ألذّ منها.. تتلمذ أبي على يد السنيور حتى تمكن من حلّ لغز اللذة في هذا المكوّن الرئيس على سفرة الغداء الليبية.. كان السنيور يحمل محبة خاصة لأبناء البلاد، لذا سعى إلى تشغيلهم معه.. قال لي أبي إنه كان صقليّاً من أصول عربية.. لم أفهم علاقة الطليان بنا يوماً”.

“في تلك الفترة كان الخبز علامة على التفاوت بين طبقات المجتمع، فالطليان والبعض القليل من أبناء المجتمع الراقي من الليبيين، يشترون الأنواع الفاخرة، وبمحض الصدفة، كان أحد أبناء هذه الطبقة، جدّ (المدام) يشتري من كوشة أبي. أما بقيّة الشعب فكانوا يأكلون (المُحوّرة) و(خبز التنّور) من أسواق الخبز الشعبيّة.. في الستينيات، ومع ثورة النفط، صار الليبيّون يحبون الخبز الإفرنجي، وأصبح عدد أكبر منهم يَقدرون على شرائه يوميّاً، من متعلمين ومتطلينين وجنود سابقين شاركوا في الحرب، والذين خفّت قوة أسنانهم عن مضغ خبز التنّور البدوي القاسي”.

وهناك تلميحات سياسية في أتون جغرافيا “الكوشة”، وسطوة “الخبز”، فذات مرّة كان والد “ميلاد” يشارك في تقديم واجب العزاء لأحدهم، فأخذ يتحدث عن أزمة الدقيق، “شاهراً أصابع الاتهام في وجه الدولة، شاتماً المسؤولين، ومتحدثاً بصوتٍ جهوريّ في جمهور من الناس، وكان من ضمنهم مخبران من مخبري الدولة.. في اليوم التالي جاء المخبران، وطرقا باب بيته، وأخذاه سحلاً إلى مكتب التحقيق”، حيث احتجز لأسبوع هناك، وكان طعامه كيساً من الدقيق وشيئاً من الماء فحسب.. حاول أن يصنع عجينة يأكلها، لكنه فشل.

وفي وقت تحدثت فيه رواية “الخبز” الذي على “طاولة الخال” عن الحرب الليبية التشادية، واستمرت ما بين العامين 1978 و1987، نراها تتطرق على لسان “ميلاد” كحال الرواية بأكملها، إلى “ممنوعات” في “العصر القذافي”.

“كانت فترة منتصف الثمانينيات وثلثي التسعينيات فترة كالحة.. تبددت أحلامنا.. في فترة ما، كان امتلاكك قيثارة تهمة تفوق امتلاكك كيساً من الحشيش تستنشق دخانه لتطير، كنّا نستمتع بأقل ما تعطينا الحياة إيّاه، غُلّقت قاعات السينما، وانحسرت المقاهي، واتهم أصحابها في شرفهم وشرف روّادها، ومُنعت القهوة الإيطالية زمناً.. هذا لا يعني أنني أنتقد الأخ القائد، حاشا وكلّا، فالأخ القائد قد حرّر ليبيا من سلطة الأجنبي، لكنّني واثق من أنه لا يعلم بحقيقة ما يحدث في البلاد، إن بعض الناس يفسّرون كلامه بطريقة خاطئة”.

و”المدام” التي كان جدها يشتري من “كوشة” والد “ميلاد”، كانت بمثابة ملاذه الآمن، فيحكي لها كل ما لا يحكي لغيرها، بينما كان في الأساس يعلمها فنون الخبيز، هي التي تحضر في الرواية دون ذكر اسمها إلا مرّة واحدة، وكأنه نوع من التعبير عن الفروقات الطبقية من جهة، وعن تلك الهالة التي وضعها فيها من جهة أخرى، أو لكونها امرأة فحسب، وذلك قبل أن تتطوّر علاقتهما حدّ السرير، في حدث مفصلي يفضي إلى نهاية غير متوقعة، وجدها الكثير من القراء والنقاد صادمة، وإن وجدتها انعكاساً نفسيّاً يبدو منطقياً لطبيعة شخصية وحيد والده هذا، والذي أراده والده أن يكون كما في المثل الشعبي الليبي القائل بأن “عش يوماً ديكاً ولا عشرة دجاجة”.

وكان والد “ميلاد” قرّر إشراكه في العمل معه بمخبزه أو كوشته، ليخرج من دائرة ما كان يراه من “أنثوية” في تصرفاته، هو الذي كان يعيش بين أربع شقيقات ووالدتهم، حتى أن الأب أوصى قبل وفاته بأن يلتحق ابنه بالعسكرية، وهو ما عمل العم على تنفيذه، فكان أن “سرق” منه “حياته وشغفه”، فحياته كلها خبز، حتى تلك الألقاب التي رافقته في طفولته لم تبتعد عن هذه الدائرة، ومنها “المرزنة”، و”الخبزة”، و”العجينة”.

وفي “العسكرية” حكايات أخرى، وشخصيات تدور في فلك “ميلاد”، أبرزها المدرب المكنى بـ”مادونا”، والذي لا يخرج كسابقيه ولاحقيه عن لعب دور السخرية منه والتنمر عليه، وزيادة أعبائه النفسية، بما دفعه لمحاولة فاشلة في الهرب من المعسكر، وأكثر من محاولة فاشلة للانتحار.. “حيث أنني حوّلت ملابسي لحبل، وشنقت نفسي، إلا أن ملابسي لم تتحمل ثقل وزني، فانقطعتْ، ونقلتُ إلى المستشفى فاقداً للوعي، وبعد أن أتممت علاجي كتب لي الطبيب على خروج ليس فقط من المستشفى بل من المعسكر كله”.

أما حكاياته مع زوجته “زينب” فلم تنتهِ إلا بإقفال دفتي الرواية بعد الانتهاء من قراءتها، وفي استعراضه السردي المتأرجح ذهاباً وإياباً كتقنية سردية في مجمل العمل، تظهر العديد من الشخصيات بينها “بنيامين” اليهودي التونسي وابنته “سارة”، التي تحرّض “زينب” على الاستقلال عن “ميلاد” مادياً واجتماعياً، مع أنه لم يكن كغيره ذكورياً، ففي ظل وضع المرأة المتردي في ليبيا، حينذاك، حيث القمع سيّد الموقف حدّ الضرب ومجالسة جدران المنزل لفترات طويلة، كان يتعامل معها بتحضر، فنراه لا يعارض عملها وخروجها من المنزل، ولم يعتدِ عليها يوماً بالضرب، بل كان هو من يقوم بأعمال المنزل، ويعدّ الطعام، ويرتب لها ملابسها، وفي تونس سمح لها بشرب الخمر مع أصدقائهم في “جربا”، وركوب الدراجة الهوائية، إلا أن تحوّلاً يحدث حين يعلم من ابن عمّه أنها ترافق شخصاً ما في سيّارته، وهو ما يتأكد منه بناظريه، حتى يحدث ما لم يكن متوقعاً في مختتم الرواية الصادرة عن داري “رشم” في السعودية وتونس، و”مسكيلياني” في الشارقة، والفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في نسختها الأخيرة للعام 2022.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب