وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لا يقوم بوساطة لاستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين و”إسرائيل”، لأنه يعرف تماماً موقف بنيامين نتنياهو وحكومته من المسألة، بل هو يعرف أكثر من غيره أن “إسرائيل” لا تريد مفاوضات من أجل التوصل إلى تسوية، إنما تريدها وفق شروطها، أي قبول الفلسطينيين بالأمر الواقع الذي تفرضه على الأرض من استيطان وتهويد، وإلا فإنها تريد مفاوضات للمفاوضات فقط، من أجل كسب الوقت لاستكمال مخططاتها، ومن ثم للإيحاء للعالم بأنها تفاوض من أجل السلام .
أجل، كيري الضليع والخبير بشؤون المنطقة وقضاياها، والمطلع أكثر من غيره على خفايا السياسة “الإسرائيلية” منذ ما قبل توليه منصب وزير الخارجية، يحاول تدوير الزوايا لإقناع الفلسطينيين باستئناف المفاوضات والإيحاء لهم بأن شيئاً ما تغير، لكنه في الحقيقة يعرف أن “إسرائيل” لم تتغير وبالتالي لا شيء تغير يحمل الفلسطينيين على الوقوع في فخ يحاول هذه المرة تمويهه بشكل أكثر حرفية ومهارة .
لكن اللافت أن نتنياهو كان أكثر صراحة منه، بل قد يكون أكثر جرأة على قول الحقيقة، فيعلن أن لا مفاوضات مع الفلسطينيين على أساس العودة إلى حدود الخامس من يونيو/ حزيران ،1967 وهنا يقصد مدينة القدس بالتحديد العاصمة الأبدية لدولة “إسرائيل” .
نتنياهو يلعب على المكشوف ومن موقع قوة، لأنه يعتمد على ميزان قوى يميل بالمطلق إلى مصلحته، من حيث القوة العسكرية، والدعم الأمريكي اللامحدود، والانقسام الفلسطيني والغياب العربي، واللامبالاة الدولية . وهو يوظف ما يمتلك من أوراق القوة هذه لتحقيق أهداف ومخططات الصهيونية الآن، لأن لا شيء يضمن له في المستقبل في حال حدوث تغييرات وتبدلات في المواقف والسياسات ومواقع القوة، ما هو متوافر بين يديه الآن .
لذا، ليس مهماً بالنسبة إلى نتنياهو، إذا ما قبل الفلسطينيون بالمفاوضات أم لا، على أساس أن قبولهم أو عدم قبولهم سيان، ولن يغير شيئاً في ما تنفذه “إسرائيل” على الأرض، خصوصاً أن الفلسطينيين ليس بمقدورهم تغييره أو تعديله .
كيري فشل، ليس لأن الفلسطينيين رفضوا القبول ب”مبادرته”، بل لأن نتنياهو يريد مفاوضات بشروطه ومن دون لف ودوران وتدوير للزوايا .




