عمان /تنشر حركة حماس حرفيا مضمون العبارة التي ختم بها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مناقشات حيوية مع الرئيس محمود عباس حول موقفها – أي حماس- من إطلاق المفاوضات لغرض سياسي هادف في كل الأحوال.
وفقا لنص تقرير نشرته ‘القدس العربي’ قبل نحو ثلاثة أسابيع وإعتمدت عليه حركة حماس في تقريرها الصادر مساء الثلاثاء فقد عبر عباس في لقائه الأخير مع كيري عن مخاوفه من إعتراضات حركة حماس على مشروع كيري الشامل لإطلاق المفاوضات.
هنا حصريا رد كيري قائلا: دعك من هذا الهاجس، سنتدبر أمره وستجد حماس من التطورات المستجدة على الساحة المصرية ما يشغلها عن هذا الشأن ويحصر اهتمامها في تدبر أمرها وأمر وجودها وبقائها من عدمه.
السؤال الآن: حصل هذا النقاش قبل أكثر من ثلاثة أسابيع فما الذي دفع حركة حماس للتأخر في عرض ما لديها بالخصوص ولماذا تختم تقريرها بنفس عبارة الوزير كيري حول إشغال أو إنشغال حماس بتداعيات السيناريو المصري؟
مصدر داخل حركة حماس أكد لـ’القدس العربي’ مباشرة بأن إعتماد تقرير حول تفاهمات كيري ـ عباس تأخر ثلاثة أسابيع بعد التوثق من الحيثيات والمعلومات لكنه يعكس طبيعة ومستوى وحجم ‘الخلافات’ التي ترشح داخل أجنحة حركة حماس بخصوص عملية مفاوضات إقليمية شاملة دخلت على خطوطها حتى المملكة العربية السعودية ومؤسسة الجامعة العربية.
عمليا تكتفي حماس بعرض ما لديها من معلومات وتسريبات بخصوص تفاهمات كيري- عباس بدون تحديد موقف علني واضح ومباشر منها بسبب ‘حساسية’ الوضع الداخلي للحركة إزاء هذه التفاهمات حيث يتصور الزعيم السياسي لحركة حماس خالد مشعل بأن أولويات الحركة ينبغي أن لا تكون الوقوف في وجه الرئيس محمود عباس مجددا .
بالمقابل لمجموعة محمود الزهار النافذة جدا خصوصا في قطاع غزة رأي آخر تماما يعرفه الجميع ويميل إلى التصعيد والتصدي والإستناد إلى نفس اللغة الكلاسيكية سواء عندما يتعلق الأمر بتفاهمات عباس كيري أو بالسيناريوهات المصرية.
مؤخرا لوحظ حصول ثلاثة مستجدات على الأقل فيما يتعلق بحركة حماس فعضو الحركة وممثلها شبه المقيم سابقا في العاصمة الأردنية محمد نزال حضر إلى عمان بناء على طلب رسمي وخاض ‘نقاشات حيوية’ ومهمة مع غرفة مختصة في مستوى الدولة العميقة في الأردن.
نزال معروف بأنه يمثل ‘نافذة التواصل’ اليتيمة من حين إلى آخر بين حركة حماس والمؤسسة الأمنية الأردنية والنقاش تناول عدة ملفات أساسية من بينها تقديم مغريات أردنية لحركة حماس أو لجناح مشعل في الحركة مقابل الإكتفاء بمراقبة تفاهمات عباس – كيري التي إنطلقت من عمان وتحتضنها عمليا المظلة الأردنية.
المستجد الثاني تمثل في أن كيمياء الإتصال بقيت في حالة تفعيل بين خالد مشعل والحلقة الصديقة له في مؤسسة القصر الملكي الأردنية ممثلة بالأمير علي بن الحسين الذي يلعب في الظل دورا أساسيا في إطار مشروع أردني لإنضاج مصالحة أردنية قطرية وهي محاولة يستفيد منها الشيخ خالد مشعل بصفته مقربا من أطرافها.
معروف في السياق أن العلاقة إيجابية بين الأمير الأردني علي بن الحسين ودولة قطر في عهدها الجديد ويتردد أن العلاقات الأردنية القطرية قد تشهد قريبا إنطلاقة خاصة بعدما أظهرت الدوحة إهتماما بمساعدة الشعب المصري في أزمته الحالية بعيدا عن حالة التخندق السياسية. ومعروف أيضا ان أمير قطر الحالي إصطحب العام الماضي بنفسه خالد مشعل وبحضور الأمير علي في زيارة تصالحية فتحت أفاق عمان لمشعل تحت العنوان الشخصي والإنساني على الأقل.
العلاقة بين عمان ومشعل والدوحة يمكنها أن تتطور لصالح تعزيز جناح مشعل في حركة حماس وخياراتها.
لكن المستجد المثير الثالث في المسألة أن هذه التناغمات القطرية والأردنية مع مشعل لا تجد معارضة أو إعاقة من السعودية بل تجد إسنادا وتشجيعا حسب أوساط دبلوماسية أبلغت القدس العربي بأن السعودية ستشكل رافعة سياسية ومالية مستقبلا لدعم إتجاهات تفاهمات كيري وعباس.
في الأثناء وعلى هامش طرح مشروع كيري بقوة وإن كان بسرية حتى اللحظة في الأردن والمنطقة تتسارع كما لاحظ تقرير حماس الأخير خطوات التشاور بين القصر الملكي الأردني ونخب أردنية من أصل فلسطيني ويبحث الرئيس عباس عن شخصيات فلسطينية ـ أردنية يمكن ضمها للفريق الوزاري الجديد في رام الله.
وفي الأثناء أيضا تشهد التفاعلات تطورين في غاية الأهمية فبعض أوساط عمان السياسية تقترح العمل على ‘إستفتاء’ شعبي في الأردن والضفة الغربية على قصة الإندماج الكونفدرالي فيما تبدأ سهرات رمضانية في العزف على وتر الحنين مجددا لفكرة الضفتين.
التطور الثاني ينطوي على طرح أولي يرشح شخصيات محددة لدور أساسي في المعادلة الفلسطينية عند الدخول بعد ستة أشهر تقريبا في إستحقاق الإنتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية التي تقترحها تفاهمات كيري- عباس وهنا حصريا تتردد أسماء من خارج النادي التقليدي بينها الدكتور أسعد عبد الرحمن.
تعني هذه الحيثيات ان المجموعة العربية في معسكر الإعتدال تدعم على نحو أو آخر أفكار مشروع كيري التي يعتقد أن لها علاقة مباشرة بما حصل من إنقلابات وتحولات في مصر.
لكن الجبهة الفلسطينية لم تكتف بذلك فقد بحث الرئيس عباس عن عباءة روسية تدعم إطلاق المفاوضات بعدما طلبت عمان رسميا من موسكو الدخول على خط عملية السلام لدعم الجانب العربي.
عباس أوكل هذه المهمة للدكتور نبيل شعث الذي زار موسكو وتوقف بعدها في عمان وأبلغ أصدقاء من المؤسسة الرسمية الأردنية إلتقاهم بأن مهمته في موسكو نجحت تماما بمعنى حصل على دعم روسيا للمفاوضات وعلى وعد بأن تتابع التفاصيل.
حتى يثبت شعث للأردنيين تقييماته بالخصوص طرح دليلا على نجاح مهمته الموكلة له من عباس قوامه إصدار تصريحات روسية رسمية تدعم عملية السلام أثناء وجوده في موسكو مقترحا في التقرير التقييمي الذي قدمه للمقاطعة في رام الله البقاء في حالة تواصل مع الروس حتى خلال مرحلة التفاوض.
بعد كل ذلك تبدو الفرصة متاحة أمام حركة حماس وبقية الفرقاء للسعي إلى تفكيك ألغاز الوعد الذي تقدم به كيري لعباس بإخضاع حركة حماس عبر إشغالها بتطورات الوضع المصري وببقائها من عدمه.
ما الذي يعنيه ذلك؟.. هذا السؤال تقدم به سياسي أردني رفيع المستوى لمجموعة العمل الأمريكية التي زارت عمان تحت يافطة مبعوث السلام الأمريكي الجديد للمنطقة مارتن إنديك.
الإجابة كانت بسيطة ومباشرة وتؤشر على عودة السيناريو المصري في إدارة قطاع غزة بالتوازي مع ترتيبات الكونفدرالية بين الضفتين الشرقية والغربية ومع تأمين ‘كورادور’ من الأرض يضمن التواصل بين القطاع والضفة الغربية مستقبلا حتى تشمل خطة السلام الإقتصادي تحسين اوضاع المقيمين في القطاع الملتهب.
هذا النمط من التفكير يشرح ضمنيا عبارة كيري عندما قال لعباس ‘لا تقلق ودع عنك هذا الهاجس وأمر حماس سنتدبره’.
معنى ذلك سياسيا وبإختصار أن تركيز الإعلام المصري الشديد مؤخرا على دور حركة حماس وقطاع غزة في ‘إلهاب’ سيناء ورعاية ودعم المجموعات الإرهابية والجهادية فيها سيجعل التعامل مع حماس والقطاع مسألة في صلب إستراتيجية الأمن القومي المصري حتى يصل الجميع للحظة بغطاء دولي تعطي الجيش المصري الحق في تأمين حدود سيناء عبر إستدعاء قصة الإدارة المصرية مجددا.
لعل ذلك هو ما يحصل الأن في سيناء ويعبرعن مقاصد العبارة التي قالها كيري للرئيس عباس.
القدس العربي .





