أقلام واراءزوايا

نجاح جون كيري قد يكون أسوأ من فشله …. بقلم :نيقولا ناصر

207696

المسألة الحاسمة المتعلقة بتوسيع المستوطنات الاستعمارية الإسرائيلية غير القانونية في المناطق الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، والتي تقتل السلام في القدس الشرقية على وجه الخصوص، هي التي سوف تحدد نجاح أو فشل المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية التي استؤنفت حديثاً.
في 29 تموز (يوليو) 2013، جرى اسئناف هذه المفاوضات في واشنطن العاصمة؛ ومن المقرر أن تبدأ بشكل جدي في أواسط شهر آب (أغسطس). وقد أشاد الرئيس أوباما بهذه المفاوضات باعتبار أنها تشكل “خطوة واحدة إلى الأمام”. ومع ذلك، وبالنظر إلى أكثر من عشرين عاماً من صنع السلام الفاشل برعاية الولايات المتحدة، فإن المحادثات الجديدة “تعد” بلا شيء أكثر من كونها جولة جديدة من الفشل، و”إدارة الصراع”، رغم اعتقاد باراك أوباما أن “السلام ممكن وضروري على حد سواء“.
وفقاً لألبرت آينشتاين، فإن “عمل الشيء نفسه مراراً وتكراراً وتوقع نتائج مختلفة” هو “جنون”، لكن ذلك بالضبط هو ما يبدو أن جون كيري قد حققه بعد ست رحلات من الدبلوماسية المكوكية في الشرق الأسط منذ أدى اليمين الدستورية كوزير للخارجية الأميركية.
ما لم تتم معالجة موضوع المستوطنات وفقاً للقانون الدولي والإنساني، وكذلك مع الامتثال لقرارات الأمم المتحدة، فإن كيري سيكون بصدد إطلاق النار على ساقه، وسيكون نجاحه في مهمته السلمية أسوأ بكثير من فشله. وقد أبرزت خطوة الاتحاد الأوروبي الأخيرة المناهضة للاستيطان هذه الحقيقة.
ومع ذلك، يبدو جون كيري عازماً تماماً على الدفع بمهمته على أساس شروط مرجعية متناقضة، والتي حددتها الرسالة الرسمية التي كان قد بعث بها الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرئيل شارون في شهر نيسان (أبريل) من العام 2004، والتي التزمت فيها الولايات المتحدة بضم المستوطنات اليهودية الرئيسية إلى إسرائيل، حتى تعيد الأخيرة رسم حدودها وفق ذلك، وبأن تستثني حق عودة اللاجئين الفلسطينيين من أي اتفاق يبرم في المستقبل لحل الصراع العربي-الإسرائيلي في فلسطين سلمياً.
على رأس جدول أعمال المفاوضات المستأنفة، هناك قضيتا الحدود والأمن؛ ولم يسبق لإسرائيل أبداً وأن حددت حدودها، ولا هي احترمت الحدود التي وضعها قرار الأمم المتحدة رقم 181 في العام 1947؛ وباسم الأمن، تطالب إسرائيل دائماً بحدود تجهض أي قابلية للحياة لأي دولة فلسطينية قد تنشأ في الضفة الغربية.
من منظورات الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن “استئناف المفاوضات يُنظر إليه على أنه غاية في ذاته”، بكلمات غسان الخطيب، المتحدث الرسمي السابق باسم السلطة الفلسطينية.
ومن جهته، وصف ديفيد إغناتيوس يوم 2 آب (أغسطس) جهود كيري بأنها “المهمة المستحيلة”، والتي إذا ما فشلت “هذه المرة، فإنها ستكلف الأطراف ثمناً باهظاً”؛ ووصف المفاوضات الناشئة بأنها “نوع من الفخ الحميد، والذي بمجرد أن يتم إغواء الفريسة إلى الوقوع فيه، فإنه سيكون من الصعب عليها الهروب من دون تحقيق… السلام أو تدمير نفسها“.
في حقيقة الأمر، وعلى المدى البعيد، ينذر نجاح هذه المفاوضات المستأنفة بخلق بيئة سياسة يمكن أن تعطي “الشرعية” لهجوم عسكري إسرائيلي جديد على قطاع غزة من أجل إزالة “المقاومة المسلحة” هناك لضمان النتائج، وبمباركة واضحة من الراعي الأميركي للمفاوضات، وبالمباركة السرية من العرب “شركاء السلام“.
ومع ذلك، فإن فشل جون كيري المتوقع يمكن أن يكون أسوأ من الفشل الذي حققه اجتماع قمة كامب ديفيد في أيلول (سبتمبر) 2000، والذي شارك فيه الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.
والآن، عن طريق إرساله مفاوضيه إلى واشنطن، يقوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرة أخرى بالمساومة على مصداقيته الشخصية، لكن الأسوأ من ذلك هو أنه يخاطر بحدوث انفجار فلسطيني داخلي في حالة النجاح. أما في حال فشلت المفاوضات، فإنه يخاطر بانفجار فلسطيني في شكل ثورة تقوم ضد كل من سلطته الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي معاً وعلى حد سواء.
لقد عادى عباس مسبقاً حلفاءه القدامى في أوساط أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية -بمن فيهم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تعد ثالث قوة فلسطينية بارزة بعد الفصيلين المتنافسين، فتح وحماس- والتي تتهمه بالتراجع عن إجماع الفصائل على عدم استئناف المفاوضات من دون وقف لتوسيع المستعمرات الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية أولاً.
سوف توضع مسألة المصالحة الوطنية بين منظمة التحرير الفلسطينية وحماس قيد التعليق طوال فترة الأشهر التسعة التي حددها المتفاوضون كإطار زمني لمفاوضاتهم على الأقل. كما يعلق قرار الرئيس الفلسطيني أيضاً أي محاولة فلسطينية جديدة للانضمام إلى المنظمات الدولية من أجل البناء على اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين كدولة مراقب غير عضو في أيلول (سبتمبر) 2012.
ومع ذلك، فإن المحادثات الجديدة ليست سوى “بداية البداية” لـ”عملية طويلة” والتي لن يكون فيها “أي ضمان” للنجاح، وفقاً لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت. وكل هذا يتلخص في كسب إسرائيل مزيداً من الوقت لإملاء نوع الحدود التي تراها “آمنة” عن طريق خلق المزيد من الحقائق على الأرض في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبالنسبة للفلسطينيين، فإن كل هذا لا يعدو كونه مضيعة للوقت، والذي يجعل حلمهم في العيش في وطن قومي يقام في دولة مستقلة أكثر بعداً. فلا مفاجأة إذن في أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد رأى يوم 27 تموز (يوليو) في استئناف المفاوضات “مصلحة استراتيجية حاسمة وحيوية لدولة إسرائيل“.
يبدو أن نجاح جون كيري الشخصي هو ممارسته الضغط على الفلسطينيين حتى ينخدعوا مرة أخرى ويقفزوا إلى مفاوضات “المرحلة النهائية”، باعتبار أن تلك هي الطريقة الفضلى لتخفيف إسرائيل من عبء احترام التزاماتها وفقاً للاتفاقات “المؤقتة” التي وقعتها مع منظمة التحرير الفلسطينية.
تجربة الماضي المريرة
المعارضة الفلسطينية الواسعة لاستئناف المحادثات تتهم عباس بأنه “مؤمن” بالسلام، والذي هو على وشك أن “يُلدغ من الجحر نفسه مرتين” في إشارة إلى الناتج الدموي لقمة كامب ديفيد التي استضافتها الولايات المتحدة في أيلول (سبتمبر) من العام 2000.
في تلك المرة، عمدت إدارة كلينتون الأميركية إلى الضغط على ياسر عرفات للدخول في مفاوضات “وضع نهائي”. ووجد باراك، الذي كان حينذاك رئيساً لوزراء إسرائيل، في محادثات القضايا النهائية في كامب ديفيد ذريعة ذهبية حتى لا يطبق المرحلة الثالثة من اتفاقيات أوسلو، وبالتحديد سحب قوات الاحتلال الإسرائيلي من حوالي 95 % من منطقة الضفة الغربية، وتسليمها للسلطة الفلسطينية. وكان ربط الضفة الغربية بغزة بواسطة “ممر” يسمح بحرية الحركة للناس والسلع بينهما التزاماً آخر كان يجب على إسرائيل أن تحترمه أيضاً.
قال كيري إن “المحاولة” والفشل أفضل من “عدم فعل شيء”، لكن فشل قمة كامب ديفيد الثلاثية أفضى إلى قيام الانتفاضة الفلسطينية الثانية؛ ومنذ ذلك الوقت وصاعداً، شكل الفشل والانتفاضة كلاهما ذرائع إضافية للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حتى لا تحترم التزاماتها؛ وبالإضافة إلى ذلك، شكلت الذريعتان ذلك التبرير الذي استخدمته هذه الحكومات لإعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية عسكرياً، ولتنسيق جهد “إزالة” عرفات و”تغيير” نظامه مع الولايات المتحدة.
سوف تكون المسألة الحاسمة المتمثلة في المستوطنات الاستعمارية الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية هي التي ستقيم أو تكسر المحادثات التي يرعاها جون كيري. وفي 29 تموز (يوليو)، كتب جيمس وول: “إن إسرائيل تلعب لعبة عملية السلام، لا لتتخلى عن المكاسب غير المشروعة، وإنما لتحميها”؛ وتأتي المستوطنات على رأس هذه “المكاسب”؛ وكانت هذه المستوطنات قد “اكتسبت” تحت مظلة “عملية السلام”، مع المباركة الضمنية من المفاوض الفلسطيني حسن النية الذي لم يجعل من إزالة هذه المستوطنات شرطاً مسبقاً لاستئناف محادثات السلام من البداية مباشرة.
كانت قمة العام 2000 قد انهارت بسبب الإصرار الإسرائيلي على الاستمرار في بناء المستوطنات الاستعمارية، وخاصة في القدس الشرقية، وهو ما حتم فشل عملية السلام التي كانت قد أطلِقت في مؤتمر مدريد في العام 1991. وقد افتُتحت مفاوضات كيري الأخيرة المستأنفة في وقت ما يزال فيه التوسع الاستيطاني الاستعماري مستمراً بلا هوادة. والآن، يبدو أن عباس قد أصبح متأخراً جداً عن تصحيح هذا الخطأ الفادح. ولذلك، لا مفاجأة في أن يبدو فشل المفاوضات الحالية حتمياً لا مفر منه، وأنها لن تعمل سوى على إعادة إحياء واقع الجمود الفلسطيني-الإسرائيلي.
خلص تقييم هرتسليا الإسرائيلي للعام 2013 إلى ما يلي: “إن الحالة الراهنة في المناطق الفلسطينية ليست قابلة للديمومة، وهي ليست دائمة بكل تأكيد… إن استمرار حالة الجمود الإسرائيلية-الفلسطينية لا يمكن الدفاع عنها. وسوف تفضي إلى قيام انتفاضة جماهيرية فلسطينية كبيرة، مصحوبة بأعمال عنف متفرقة”. وقد ناشد الرئيس الأميركي باراك أوباما المفاوضين “مقاربة هذه المحادثات بحسن نية”، لكن الأمين العام للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عبد ربه، استنطق “حسن نية” الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين كانتا “تمنحان الأمن” من دون أن تحسبا حساب الفلسطينيين، كما لو أنه “أمنهما الثنائي”، مع أن الأمن هو “قضية مركزية وأساسية بالنسبة لنا وتخص مستقبلنا ككل”. ومن جهة أخرى، كتب شريك عبد ربه الإسرائيلي في مبادرة جنيف، وعضو مجلس الوزراء السابق يوسي بيلين، في صحيفة الجيروسالم بوست يوم 30 تموز (يوليو)، مستنطقاً “حسن نية” نتنياهو الذي “تراجع عن كل ما كان قد قاله خلال كامل حياته المهنية السياسية“.
بينما يتحدى التجربة المريرة لعملية السلام التي استمرت طوال عشرين عاماً، إلى جانب تجاهله المعارضة القوية في الوطن، يبدو أن عباس قد انجر طوعاً إلى اختباره الأخير لصدقية الولايات المتحدة كوسيط سلام، وذلك ما سيقيم أو يحطم حياته السياسية في عمر 76 عاماً.

(ميدل إيست أونلاين)- ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية .
*
صحفي عربي مخضرم مقره بير زيت، الضفة الغربية، في الأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل.
*
نشر هذا المقال تحت عنوان:
Kerry’s Success Worse than His Failure

ala.zeineh@alghad.jo

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى