الجمعة, مايو 15, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءعالم يختفي وعالم جديد يتشكل (3 من 3) الكاتب: محمد ياغي

عالم يختفي وعالم جديد يتشكل (3 من 3) الكاتب: محمد ياغي

في ولايته الأولى، اتفق الرئيس ترامب مع أوباما بأن الولايات المتحدة أهدرت مصادرها في حروب لا طائل منها، لكنه اختلف معه في كل شيء آخر. وقد عبدت سياسات الرئيس جوزيف بايدن التي انفصلت كليا عن سياسات سلفه، أوباما، الطريق أمام عودة ترامب للبيت الأبيض مرة أخرى بداية هذا العام.
بايدن رفض العودة للاتفاق النووي مع إيران الذي وقعه أوباما نهاية العام 2015 وغادره ترامب العام 2018، وأعاد الحضور العسكري القوي للقوات الأميركية للشرق الأوسط خلال الحرب على غزة، وحرض أوروبا على مواجهة روسيا في أوكرانيا وقدم للأخيرة عشرات المليارات من الخزينة الأميركية. بايدن استهلك ولايته ومصادر بلده في صراعات لا مصلحة لأميركا فيها وكان من الطبيعي أن يخسر الحزب الديمقراطي الانتخابات وأن يعود للحكم من يَعِد الشعب الأميركي بالثراء حتى لو كان كلامه مُخادعا.
قبل توضيح العناصر الأساسية لسياسات ترامب التي سيبني من خلالها نظاما دوليا جديدا هدفه تركيز القوة والثروة في يد الولايات المتحدة، علينا أن نُبقي في الذاكرة الطبيعة الشخصية للرجل ومؤهلاته، فهو أولا رجل من خارج المؤسسة السياسية، ومعرفته بالتاريخ والسياسة فيها ضحالة قل نظيرها بين رؤساء أميركا. وهو ثانيا، تاجر عقارات جزء من عمله «الكذب» واقتناص الفرص واستخدام أوراق القوة لديه لتحقيق أكبر قدر من المكاسب. وهو ثالثا، نجم تلفزيوني يحب البقاء في الأضواء والإعلام ولا يهمه إن كان هذا البقاء قائما على «المدح» أو «الذم»، ما هو مهم ألا يختفي من حديث الإعلام اليومي. والرجل أخيرا لا يحترم الاتفاقيات حتى لو وقعها هو إلا إذا كانت تخدم مصالحه، ويُمكنه تغييرها أو إلقاؤها في سلة النفايات إذا تغيرت الظروف ولم تعد تؤدي غايتها في خدمته.
لا نتجنى على الرجل فهو عندما فاز في الانتخابات كان مُدان في 34 تهمة جنائية تتعلق بتزوير سجلات تجارية مرتبطة بممثلة أفلام إباحية، وبالتحريض على الاعتداء على الكونغرس بداية العام 2020، وبمحاولة تزوير الانتخابات في ولاية جورجيا، وبإخفاء وثائق سرية حكومية في بيته الشخصي في ولاية فلوريدا.
تقوم سياسات ترامب على عدد من المحاور المرتبطة ببعضها لعل أهمها ما يلي:
أولا، أميركا ليس لها حلفاء أو أصدقاء، بل مصالح، وكل من يخدم هذه المصالح يُمكن التعاون معه، وحتى تكون «أميركا أولا»، بمعنى حتى تتمركز الثروة والقوة فيها، فإن عليها «ابتزاز» جميع الدول التي تصل إليها يدها. من هنا تأتي فكرة «مطالبات الحد الأقصى» التي يرفعها ترامب في وجه دول العالم: الرسوم الجمركية ومطالبة دول حلف «الناتو» بتخصيص 5% من ناتجها القومي للاستثمار لتطوير قدراتها العسكرية. إذا لم تتحقق المطالب القصوى، فما دون ذلك هو أيضا مكاسب للولايات المتحدة.
مثلا، عندما يفرض ترامب 25% رسوما جمركية على كل ما يَرد من كندا والمكسيك إلى الولايات المتحدة، فهو بذلك يتخلى عن اتفاقية قام هو بتوقيعها العام 2018 والتي استبدل من خلالها وبناء على ضغوط منه اتفاقية التجارة الحرة بين كندا والمكسيك والولايات المتحدة والمعروفة باسم «NAFTA» باتفاقية جديدة تعرف باسم «USMCA». بالطبع، ستقوم كندا والمكسيك بإجراءات مضادة، لكن لكلا البلدين مصلحة تجارية في عدم التصعيد كونهما الدولتين الضعيفتين، ما سيضطرهما في النهاية لتقديم تنازلات تجارية لحساب الولايات المتحدة، ما يعزز اقتصاد الأخيرة ويضعفها هي. وما ينطبق على كندا والمكسيك، ينطبق على الدول الأخرى مثل دول الاتحاد الأوروبي، واليابان وكوريا الجنوبية، وجميعها فَرض ترامب على جزء من منتجاتها رسوما جمركية.
لكن الأهم من ذلك، هو مطالبته للدول الأعضاء في «الناتو» برفع مخصصات الدفاع لديها إلى نسبة 5% من دخلها الوطني، مهددا بأن أميركا ستقوم فقط بحماية من يقوم منهم بذلك. إذا أخذنا بعين الاعتبار أن غالبية دول «الناتو» تستورد أحدث أسلحتها من الولايات المتحدة، يُمكننا بالطبع أن نفهم لماذا يقوم ترامب بهذا الطلب: دول «الناتو» عليها أن تخصص جزءا مهما من دخلها الوطني لشراء الأسلحة من الشركات الأميركية. بهذه الطريقة لا تحتاج أميركا «للحروب» حتى يستفيد مُجمعها الصناعي الحربي، فالأموال ستأتي إليه من أوروبا.
ثانيا، المؤسسات الدولية التي لا تخدم مصالح الولايات المتحدة هي عبء سياسي ومالي عليها لا داعي لها. لذلك قام ترامب بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية بذريعة أنها «محابية» للصين، ومن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بحجة «معاداته» لإسرائيل، وقام بالانسحاب من ثلاث مؤسسات دولية أخرى لها علاقة بحماية البيئة هي «مجموعة الشركاء الدوليين» و»صندوق الخسائر والأضرار» و»شراكة الانتقال العادل للطاقة»، وهي جميعها تهدف إلى تعويض الدول النامية مقابل التزامها ببرامج تحمي البيئة. ومن المعروف طبعا أن بايدن أوقف دعمه لوكالة «الأونروا» بناء على طلب دولة الاحتلال، واستمر ترامب في ذلك. بالإضافة لذلك، تقوم إدارة ترامب حاليا بمراجعة مساهمتها لصندوق النقد الدولي وقد توقفها وتنسحب من الصندوق أو تخفض قيمة مساهمتها فيه مثلما فعلت عندما خفضت مساهمتها لميزانية الأمم المتحدة.
ثالثا، كل دولار يخرج من الخزينة الأميركية لصالح الدول الأخرى عليه أن يعود لها بقيمة أعلى. لذلك ما الفائدة المالية من تقديم المساعدات المالية لدول العالم الثالث إن لم يكن مقابلها سماح هذه الدول للولايات المتحدة باستغلال ثرواتها الطبيعية. وما فائدة وكالة التنمية الأميركية (USAID) التي بلغت موازنتها في بداية العام الحالي 63 بليون دولار إن لم تتمكن من القيام بهذه المهمة. لذلك قام ترامب بتجميد أنشطة وكالة التنمية لثلاثة أشهر ووضعها تحت مسؤولية وزارة الخارجية. وأكبر المتضررين من إلغاء هذه الوكالة هي الدول الأفريقية لأن وكالة التنمية كانت تمول عددا كبيرا من البرامج الصحية والحماية من المجاعة وبرامج مكافحة الأوبئة فيها، وهو ما يجعل موقف هذه الدول ضعيفا أمام الولايات المتحدة إذا ما قررت الأخيرة مفاوضتها على مصادرها الطبيعية مقابل الخدمات التي كانت تقدمها وكالة التنمية لهم.
رابعا، الاستحواذ على المصادر الطبيعية التي يُمكن أن توفر للولايات المتحدة تفوقا على الصين، ومن هنا يُمكن فهم سعي إدارة ترامب لامتلاك جزيرة غرينلاند التي تحوي مخزونا ضخما من المعادن النادرة، ومساومة أوكرانيا على أمنها مقابل عقد تجاري يسمح للولايات المتحدة بالسيطرة على مصادرها الطبيعية من المعادن النادرة أيضا، وعلى الضغوط التي تمارس على كندا مصحوبة دائما بكلمات مثل «إذا كنتم لا تريدون التعرفة الجمركية تحولوا إلى ولاية أميركية». لم يجافي الحقيقة رئيس الوزراء الكندي الجديد «مارك كارني» عندما قال في خطاب استلامه لمهامه قبل أيام، إن الولايات المتحدة «لديها مطامع في مصادرنا وثرواتنا».
خامسا، لا حروب مُكلفة للخزينة الأميركية إلا إذا فُرضت على الولايات المتحدة. لذلك ليس في وارد إدارة ترامب الاستمرار في دعم أوكرانيا لأن هذه الحرب مُكلفة لها، وليس في واردها الذهاب للحرب على إيران. لكن إذا ما أرادت دولة الاحتلال القيام بذلك فإن عليها وحدها القيام به فإدارة ترامب لن تمنعها.
سادسا، تفكيك التحالف الروسي – الصيني، لأن اجتماع القوة النووية الروسية والقوة الاقتصادية الصينية لا يسمح للولايات المتحدة بالهيمنة على العالم. من هنا تأتي محاولات ترامب التقرب من الرئيس الروسي بوتين ومحاولاته إجبار أوكرانيا على قبول تسوية سياسية ترضي روسيا. ترامب يأمل أن يؤدي ذلك إلى إبعاد روسيا عن الصين من جهة والى إثارة الرعب في أوروبا ما قد يدفعها إلى تنفيذ ما يريده هو منها وهو تسليم جزء من مواردها إلى الولايات المتحدة تحت مسمى «حمايتها».
يخلق الجشع الأميركي حالة من الفوضى للنظام الدولي، وسباقا بين دول «الاستعمار القديم» على الأسواق والمصادر الطبيعية، وهذا يفرض تحديات جمة على دول العالم النامية، لكنه في نفس الوقت يوفر للدول الوطنية منها، تلك التي تهتم بشعوبها وسيادتها وكرامتها، فرصا يمكنها استغلالها للخروج من التبعية إلى الاستقلال الحقيقي. لكن هذا موضوع آخر.

عن صحيفة الايام

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب