في بلادٍ أثقلتها الهموم، ووجوهٍ أنهكها الانتظار، يمشي المعلم الفلسطيني نحو مدرسته بصمتٍ يشبه الدعاء، وبخطى متعبة تحمل وطنًا بأكمله.
ذلك المعلم الذي يبتسم لطلابه وهو يحبس ألمه، لا يطلب عطايا ولا منّة، بل حقًا يحفظ كرامته، ويحمي رسالته، ويضمن لأبنائنا غدًا لا يكون فيه العالمُ فقيرًا، ولا المعرفة ضائعة في زحام الأزمات.
في وطنٍ تشتد فيه الأزمات، وتتعاقب عليه صعوبات السياسة والاقتصاد والاجتماع، يظل المعلم الفلسطيني واقفًا كالسنابل في أرضه، يميل مع الرياح ولا ينكسر.
هو الحارس الأول للوعي، وصوت الحق الذي يعلّم الأجيال كيف تُبنى الأوطان بالكلمة، وكيف تُواجه العواصف بالصبر والإصرار.
ورغم ما تعيشه البلاد من أزمة اقتصادية خانقة أثقلت كواهل الموظفين وحاصرت أحلام العائلات الفلسطينية، ظل المعلم، كما عهدناه، يحمل حقيبته صباحًا ويسير إلى مدرسته، ولو على قدميه، يحمل في حقيبته دفاتر وأحلامًا، وفي قلبه خوفًا على مستقبل جيل قد يتعثر إن سقط هو.
لا يملك ثمن المواصلات، وربما يعود إلى بيته يقتسم رغيفًا مع أولاده، لكنه لا يتخلى عن رسالته؛ فالمعلم هنا لا يعمل من أجل راتبٍ متآكل، بل من أجل أمانةٍ غرسها في تربة قلبه منذ أول يوم وقف فيه أمام سبّورة الوطن.
نحن نعيش في زمنٍ يرفع فيه الكثيرون أصواتهم للمطالبة بحقوقهم، يرفع المعلم صمته أولًا، ثم كلمته، ثم صموده.
يضرب لا ليغلق أبواب العلم، بل ليحميها من الانهيار، وليذكّر كل مسؤول أن التعليم ليس ملفًا يُؤجّل، بل عمود حياةٍ لا ينهض الوطن إلا عليه.
لأن الأمانة عنده أكبر من حسابات الجيب، ولأن رسالة التعليم عنده ليست وظيفة تُؤدى لمجرد راتب، بل عقيدة وانتماء وولاء لهذه الأرض وهذا الشعب.
لقد خرج المعلم في إضرابه مضطرًا لا مختارًا، مطالبًا بحقه لا متنازلًا عن واجبه، رافعًا صوته لا ليعطّل الحياة، بل ليحميها من الانحدار، مؤمنًا بأن كرامة المعلم ليست مطلبًا فئويًا، بل شرطًا لنهضة الأجيال واستقامة المجتمع.
ومع كل يوم تتأخر فيه الرواتب، وكل رحلة شاقة يقطعها المدرس بجيبٍ فارغ ووجعٍ ممتد، تتسع الفجوة بين الجهد المبذول والمقابل المستحق؛ فينزف قلبه قبل جيبه، وتترعرع في داخله غصة لا يراها الطلاب الذين يستقبلهم بابتسامة تُخفي تعبًا لا يُحكى، وأملًا لا يُطفأ.
ورغم كل ذلك، يظل المعلم الفلسطيني شامخًا، يصنع من ضيقه درسًا في الصبر، ومن وجعه درسًا في الكرامة، ومن الإضراب صوتًا يطالب بحقوق مشروعة لا يُلغيها واجب وطني، بل يعززه.
فالمعلم ليس عابرًا في ذاكرة الوطن، بل هو حجر الأساس في صرحه، ومشعل الطريق في لياليه، وهو الأب الثاني لأبنائنا، والسند الذي لا يُرى إلا حين يغيب.





