الخميس, أبريل 23, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءغلاء المعيشة في ظل غياب الرواتب… وجعٌ يتسلّل إلى البيوت ويختبر صبر...

غلاء المعيشة في ظل غياب الرواتب… وجعٌ يتسلّل إلى البيوت ويختبر صبر القلوب .. بقلم : عبد الله العبسي

في فلسطين، لا يشبه الصباحُ الصباحَ ولا يشبه الليلُ الليل. فحين يقف الموظف أمام واقعه بلا راتب، يصبح النهار ثقيلاً كصخرة، والليل طويلاً كحكاية لا تنتهي.
هنا، في هذا الوطن المعلّق بين السماء والحصار، تتسع الفجوة بين الدخل والاحتياجات، وتضيق على الناس أبواب الأمل حتى يبدو التنفّس رفاهية لا تُمنح بسهولة.

غلاء المعيشة لم يعد مجرد رقم في تقرير اقتصادي، بل صار ضيفاً ثقيلاً يقف على أبواب البيوت كل صباح، يذكّر الناس بثقل الفواتير، وبقائمة المشتريات التي تقلّصت حتى صارت تشبه ورقة صيام أكثر منها ورقة حياة.
الأسعار ترتفع بلا رحمة، والرواتب غائبة بلا موعد، وبينهما يقف الموظف الفلسطيني كجسرٍ يوشك أن يتصدع من كثرة الخطوات التي تعبر ظهره.
في الأسواق، تُرى العيون قبل الأيدي. عيون تبحث عن أرخص سعر، عن وزنٍ أقل، عن بديلٍ أقل ألماً للجيب وأكثر انسجاماً مع الواقع القاسي. وربما تعود اليدان فارغتين، لكن القلب مثقلٌ بخيبة لا يراها أحد.
وما بين البقالة والصيدلية ومحطة الوقود، تتحول الأسئلة الصغيرة إلى معارك يومية:
هل نشتري الدواء الآن أم ننتظر؟
هل نملأ نصف خزان الوقود أم نكتفي ببضع لترات؟
هل ندفع قسط المدرسة، أم نؤجّل على أمل أن يأتي الفرج قريباً؟
الأطفال لا يعرفون لغة الأزمات، يطلبون ما اعتادوا عليه: حقيبة جديدة، مصروف يومي، أو قطعة حلوى. لكن الآباء يبتلعون الكلمات، ويحتضنون الصمت كي لا تنكسر أمامهم تلك العيون الصغيرة التي لا ذنب لها إلا أنها تعيش في زمن صعب.
والموظف، هذا الذي يُفترض أنه عماد البيت وأساس الاستقرار، صار يقاتل على أكثر من جبهة:
يقاتل ديوناً تتراكم،
وأسعاراً ترتفع،
ومواعيدَ راتبٍ لا تأتي،
ومشاعرَ توترٍ يخشى أن تصل لمن يحب.

ومع ذلك، وفي كل مساء، حين يجلس مع أسرته حول طاولة بسيطة، يحاول أن يخفي قلقه بابتسامة، وأن يخبئ تعبه بكلمة مطمئنة. فالفلسطيني تعوّد أن يصنع الأمل من قلب الضيق، وأن يفتح نافذة ضوء حتى لو كانت الجدران تحاصره.

إن غياب الرواتب ليس أزمة مالية فقط، بل أزمة تلامس الكرامة والإنسانية والطمأنينة.
ومع ذلك يبقى الفلسطيني واقفاً، رغم كل الجروح، يرفع رأسه

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب