جنين-الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- يعود المهندس توفيق جرار، الجار الأقرب لعين ماء برقين التي ذاع صيتها في القرن الماضي باسم (الحاووز)، وصارت وجهة لأهالي البلدة والمنطقة، قبل أن تجف عام 1980.
ويسترد لـ”لحياة الجديدة” مشهد النبع الذي كان أهالي بلدة برقين، غرب جنين، والقرى المجاورة يطرقون بابه طلبًا للماء البارد المتفجر من بطن الجبل، وخاصة في أيام الصيف التي تصادفت مع شهر رمضان المبارك.
ووفق جرار، الذي كان والده المرحوم محمود يروي بساتين البرتقال من النبع، فإن أهالي البلدة وكفر دان وتجمعات قريبة أخرى، حرصوا على تعبئة الماء من النبع، خلال فترات الحر، وفي مواسم الصوم.
ويشير إلى أنه خلال الاحتلال البريطاني، وفي فترة الثلاثينيات، تفشت عدوى بين الحيوانات والماشية، فحضرت فرق البيطرة، وأسست مركز تعقيم قرب (الحاووز)، واستحدثت أحواضًا وضعت فيها الدواء، واستفادت من النبع لغمر الحيوانات بالماء والدواء لتطبيبها.
ويفتح النبع الغائب الحنين للمغترب بسام السعدي، المقيم في السعودية، فقد كان مواظبًا في صباه على نقل الماء في رمضان لعائلته، ويستعين بدابة لوضع عبوتين معدنيتين كان متعارف عليها بـ(جلن دبابة).
ويفيد لـ “الحياة الجديدة” بأن رمضان عام 1975 كان في أيلول، وكان يذهب للعين عصرًا، ويشاهد أفواجًا من الأهالي.
ويقول السعدي: إن النبع كان داخل غرفة إسمنت مجاورة للشارع الرئيس، ويسبق بستان برتقال في منطقة وادي الخوري، وفي داخله 3 حنفيات (صنابير)، ورابعة في الخارج، وقناة مخصصة للماشية، عدا عن قناة إسمنيتة تنقل الماء إلى مرج ابن عامر؛ لري البساتين.
ويستذكر محاولات الأهالي إزالة حجر كبير كان عالقًا في قلب النبعة، لكنهم فشلوا في مهمتهم.
وينقل مشاهد النساء اللواتي كن في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي يملأن جرارًا من الفخار، ويحملنها فوق رؤوسهن، ويصعدن بها من منطقة وعرة تسمى الدرج.
ويصف السعدي المكان، إذ كانت نبعة وادي برقين تبدأ من دار السوقية، وتمتد مسافة لما عرف بالحاووز، الذي لعب عنده الأطفال بالمياه ثم إلى واد برقين عبر السهول الضيقة أحيانا، وعلى جنباتها الأشجار مثل العنبر برائحته المنعشة، التي تعطر المكان وتروى منها بيارات البرتقال والليمون التي تضفي رائحة عطرية على المكان، بجوار أشجار التين المتنوعة، والتوتة الشاهقة، ثم تنحدر القناة للجهة اليسرى من الشارع إلى بساتين أخرى.
ويبين أن مياه النبع العذبة كانت بمثابة الرئة للشرب، وتنتعش في رمضان، عدا عن ري الأغنام والحمضيات والأشجار منها.
ويقول جار العين، علي حبايب، إنه ترك البلدة عام 1970 للتعليم والعمل، لكنه كان يشاهد أهالي البلدة بعد العصر يتقاطرون إلى العين، لتعبئة الماء ونقله من طريق جانبي ضيق إلى داخل البلدة.
ويشتعل الحنين في داخل الأربعيني محمد صبح، كلما هبت نسائم الذكريات، فيوجعه رؤية بعض الأمكنة شاحبة وهي التي كانت في طفولته تنبض بالحياة.
ويتابع: كانت الدروب جميلة نضرة رغم وعورتها وقسوة تضاريسها وتعرج مسالكها، وعلى رصيفها المتعرج كانت قناة الماء المنطلقة من (الحاووز) تسقي من فتحاتها بيارات الليمون والبرتقال في ذاك الوادي المطل على مرج بن عامر، حيث قبلة الأهالي ومساحات أحلامهم الوردية.
ووفق صبح، فقد كان ممن عبروا ذاك المسار الرائع الراسخة صورته العتيقة في مخيلته، إذ كان المشهد أكبر من أن يختزل، فقد كان جميلاً بتفاصيله وألوانه، أما اليوم فقد انقلبت الصورة رأسًا على عقب، فجف الماء، ورحلت الذكريات الرمضانية، وتهالكت القناة، وتناثرت حجارتها ولم يبق منها سوى بضع أمتار شاهدة على زمن جميل مضى، وعلى آلة تحضر غيرت وجه المكان.
وتستذكر الستينية أم أحمد، روايات والدتها لها عن (الحاووز) إذ كانت تسير والدتها مع رفيقات الصبا، فيذهب عدة مرات لحمل الماء على رؤوسهن.
وتقول: كانت والدتي تضع على رأسها الجرة من الفخار، وتسير بها بتوازن لمسافة طويلة، دون أن تقع، وفي مشهد يتكرر كثيرًا، خاصة مع عدم وجود شبكة مياه.
وبحسب أم أحمد، فقد شاعت قبل ربط البلدة بالتيار الكهربائي، عادة بيع قوالب الثلج، في منطقة المراح، وكان الأطفال والفتية يذهبون لشراء كميات من الثلج لتبريد الماء في رمضان، خلال أيام الصيف، وعقب جفاف الحاووز.





