السبت, أبريل 25, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءتحية إلى روح الدكتور سمير غوشة

تحية إلى روح الدكتور سمير غوشة

 

تحية إلى روح الدكتور سمير غوشة

                                                                    بقلم : حسن خضر

عرفتُ الدكتور سمير غوشة عن قرب منذ عقدين من الزمن. وقد دارت بيننا حوارات طويلة وكثيرة، كما جمعتنا مناسبات مختلفة، وتكوّنت لديّ على مدار تلك السنوات انطباعات دائمة حول شخصية الرجل بالمعنى الاجتماعي والسياسي، لعل أبرزها المودة الخالصة، وطيبة القلب، وصفاء النية، وحسن الطوية، وهي ميزات نادرة بين محترفي العمل السياسي العام، وسنذكر دائماً بأنه كان أوّل شخص في عهد حكومات السلطة الفلسطينية يستقيل احتجاجاً على سياسات تتعارض مع قيمه وقناعاته الخاصة.
ولستُ، هنا، بصدد البحث عن العوامل التي أسهمت في تكوين شخصيته، وحكمت علاقته بالآخرين، وتركت بصمة واضحة على سلوكه السياسي، ولكن ثمة خصوصيات يصعب تجاهلها ومن بينها النشأة في ظل عائلة مقدسية عريقة، على غرار عائلات كثيرة عرفها المجتمع الفلسطيني حتى وقت قريب: محافظة بلا تعصّب، ومنفتحة على العالم القريب والبعيد.
وقد مثّل هذا النوع من العائلات قاطرة التحديث القيمي والأخلاقي في المجتمع الفلسطيني، وفي تلك الأوساط تبلورت مشاريع التنوير والتحديث، وما حدث من محاولات في هذا الشأن في القدس ونابلس وغزة ويافا قبل انهيار المجتمع الفلسطيني في العام 1948 يشبه إلى حد بعيد ما حدث في القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد، بالمعنى الثقافي والسياسي، في النصف الأوّل من القرن العشرين.
تبدد المجتمع الفلسطيني في عام النكبة، لكن الشبكات والتقاليد العائلية السابقة استمرت لعقود قليلة لاحقة، ومثّلت ما يشبه الحاضنة الطبيعية للرعيل الأوّل من روّاد لحركة الوطنية الفلسطينية في طورها الجديد في عقدي الخمسينيات والستينيات. وقد انحدر أغلب هؤلاء من طبقة وسطى جديدة تشكّلت ما بين الحربين الأولى والثانية في فلسطين. ولم يكن من النادر أن يضيفوا إلى ميراثهم العائلي مرجعيات وعلاقات للقربى أكثر قدما وعراقة.
في عقد الخمسينيات أصبحت الموجات الارتدادية التي نجمت عن الزلزال الفلسطيني في عام النكبة مسموعة في كل مكان آخر من العالم العربي، وترددت أصداؤها بشكل أكثر عنفا وصخبا في بيروت والقاهرة ودمشق وبغداد وعمّان، لتتحوّل في وقت قصير إلى حركات سياسية وتيارات أيديولوجية سيُقدّر لها أن تغيّر وجه العالم العربي بطريقة نهائية وحاسمة.
في تلك الأجواء تبلور عالم سمير غوشة بالمعنى السياسي والثقافي، وأصبحت خياراته الشخصية والعامة محكومة بالموجات الارتدادية التي ضربت تلك المدن، وربما بدت حركة القوميين العرب خيارا طبيعيا بحكم النشأة والمزاج الشخصي في نظر الشاب المقدسي الذي انتقل للدراسة في جامعة دمشق، ووجد نفسه في عين العاصفة كما يُقال، حيث تصطرع تيارات ماركسية وناصرية وبعثية وقومية في عالم قيد التشكيل، وكأن الخليقة لم تبدأ بعد.

قيل وكُتب الكثير عن حركة القوميين العرب، لكن ما يستحق التنويه، وبقدر ما يتعلّق الأمر بموضوعنا، يتمثل في أمرين: أولا، المضمون الأخلاقي للحركة وحرصها على تشكيل شخصية وسلوك أعضائها ليصبحوا قدوة للآخرين، وثانيا إسهامها في بلورة هوية فلسطينية جديدة تمثل العروبة جزءا من مكوّناتها. وعلى الرغم مما شهدته الحركة من تحوّلات في اتجاه اليسار إلا أنها لم تفرّط في العروبة السياسية والثقافية كجزء من هوية الفلسطيني الجديد.
ويمكن العثور على هذين الأمرين، معا، في شخصية سمير غوشة، التي اتسمت بقدر كبير من التواضع والنـزاهة ونظافة اليد واللسان، ولم تتدخل التحوّلات اللاحقة سواء ما اقترن منها بالخروج من حركة القوميين العرب، أو التحوّل في اتجاه اليسار، في زعزعة القيم التقليدية للحركة.

يقع الكلام عن تاريخ جبهة النضال الشعبي، التي أسهم سمير غوشة في تأسيسها وشغل منصب أمينها العام حتى يوم رحيله، خارج نطاق هذه المقالة. ولكن ما يستحق أن يُقال في هذا الشأن أن الجبهة ظهرت في سياق جهد لإنشاء منظمة فلسطينية يمثل الداخل، منطقة القدس، والضفة الغربية عموما، مركز الثقل فيها. وعلى الرغم من بقائها تنظيما صغيرا مقارنة بما كانت عليه فتح والشعبية والديمقراطية، إلا أنها نجحت في عدم التحوّل إلى مخلب قط لدى هذا الطرف العربي أو ذاك، في سياق الصراع العربي – العربي للهيمنة على الحركة الوطنية الفلسطينية.
ارتكبت الجبهة، مثلما ارتكب غيرها، الكثير من الأخطاء في الحرب الأهلية اللبنانية، وفي لعبة المحاور العربية، واضطرت للدخول في تحالفات سرعان ما اكتشفت خطرها على القضية الفلسطينية، كما تعرضت لانشقاقات داخلية في محاولة للاستيلاء عليها من جانب هذا النظام أو ذاك.
ومع ذلك انحاز سمير غوشة في المنعطفات الحاسمة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وتجلى ذلك في مرحلة ما بعد بيروت عندما اضطر لمغادرة دمشق والإقامة في تونس تعبيرا عن انحيازه للشرعية الفلسطينية، وهذا ما حافظ عليه حتى بعد اتفاقيات أوسلو، وإنشاء السلطة الفلسطينية، رغم تحفظات كثيرة على الإدارة والأداء.
لكل هذه الأسباب أكتبُ اليوم عن سمير غوشة باعتباره نموذجا للوطني الفلسطيني، الذي أسهم في بلورة المشروع الوطني، وفي حماية منظمة التحرير والشرعية الفلسطينية. كما أكتب عنه لأن وجود الجيل الجديد من ساسة الميليشيات يذكرنا بحجم الخسارة كلما رحل وطني فلسطيني أثبت في المنعطفات الحاسمة أن فلسطين أهم من المصالح التنظيمية والتحيّزات الأيديولوجية والطموحات الشخصية الرخيصة.
وقد كان الدكتور سمير غوشة وطنيا فلسطينيا من طراز يجب أن نحرص على بقائه في بلادنا. ومع هذا وذاك أكتبُ عنه لأنني خسرتُ صديقا لم يُفسد خلاف معه في يوم من الأيام للود قضية. وفي هذا أيضا ما يُضاعف الإحساس بالخسارة بالمعنى الشخصي والعام، وهي في الحالتين كبيرة.
 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب