الرئيسيةالاخبارالقاهرة: عاصمة نظرية المؤامرة في العالم

القاهرة: عاصمة نظرية المؤامرة في العالم

ukzcvavg

توجد نظريات المؤامرة في كل مكان من العالم، لكنها شائعة بشكل خاص في الشرق الأوسط، ومتفشية أكثر ما يكون في مصر –حتى بالمقاييس الإقليمية. وليست هذه النظريات مؤذية بشكل عام عندما يصدقها المجانين على الهامش فقط، لكنه ينبغي توخي أقصى درجات الاحتراس عندما تذهب إلى التيار السائد وتصيب بعدواها أعلى المستويات في الحكومة والإعلام.
يمتلك موقع “ناشيونال جيوغرافيك” قصة آخر نظرية سخيفة يجري تداولها الآن في أنحاء مصر، وقد وضع هذه النظرية حاكم محافظة المنيا المصرية.
كان رعاع محليون قد عمدوا إلى نهب متحف وإحراق أربع عشرة كنيسة وتسويتها بالأرض قبل فترة، ويلقي محافظ المنيا باللائمة في ذلك على الولايات المتحدة بشكل عام، وعلى البيت الأبيض بشكل خاص. وقد قال في هذا الصدد: “كان أوباما، وكافة الساسة الأميركيين، هم الذين قسموا العالم كله. إنهم الناس الوحيدون الذين دعموا جماعة الإخوان المسلمين لأنهم كانوا يعرفون أن الجماعة سوف تدمر كل مصر.”
هذا النوع من الحديث نمطي ومعتاد في مصر، وكان كذلك طوال عقود. وإذا كنت لا تصدق ذلك، قم بإعادة قراءة المقالة التي كتبها سامويل تادروس مؤخراً عن “مشكلة يهود مصر” في مجلة “ذا أميركان إنترست.” والتي كتب فيها:
“إن إسرائيل، وتركيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وقطر، كلهم يتآمرون ضد مصر، كما يصرخ ليبرالي مصري نصب نفسه بنفسه؛ الولايات المتحدة تعمل ضد الأقباط من أجل مصلحة اليهود، كما يهتف ناشط قبطي؛ الإخوان المسلمون يطبقون بروتوكولات حكماء صهيون، كما تكتب الصحيفة التابعة لما كان ذات مرة حزباً ليبرالياً مصرياً رائداً؛ إسرائيل تخطط لتقسيم مصر إلى عدد من الدول الأصغر والأضعف، تكتب صحيفة أخرى؛ قادة الإخوان المسلمين هو يهود ماسونيون، يعلن زعيم صوفي؛ كلا، إنه الانقلاب هو الذي يعمل لصالح اليهود، يعلن موقع للإخوان المسلمين. إن هذه كلها هي أعراض مجتمع في طور التحلل.”
لعل الفارق الوحيد بين تلك النظريات الشائنة –التي تمتد على كامل أنحاء الطيف السياسي- هو أن الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل هي التي أصبحت في مركز أطروحاتها.
في البداية، دعونا نزيل ما هو واضح من الطريق. لا يمكن أن يكون الساسة الأميركيون هم الناس الوحيدون في العالم الذين دعموا الإخوان المسلمين. فقد كسب مرشحهم محمد مرسي 51 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية، الأولى والوحيدة الحرة والنزيهة في تاريخ مصر.
بطبيعة الحال، تداعى دعم جماعة الإخوان، بعد نوبة ملحمية من “ندم المشتري”، لكنه ليس هناك أحد –لا أحد مطلقاً- أجبر الملايين من المصريين على التصويت لمرسي وحزبه. ذلك أمر يتحملون هم وزره.
لست متأكداً في الحقيقة من السبب في أن الكثير جداً من المصريين يعتقدون بأن الإسرائيليين والأميركيين منكبون بكل الطاقة والعزم على تدمير بلدهم. ربما يتصل ذلك بتأثير تغير بقعة الضوء. لكنه اعتقاد شائع بشكل مذهل، مهما كانت الأسباب. وقد سمعت نسخة ما من نظرية أخرى بشكل متكرر في القاهرة، حتى في بعض الأحيان من أناس يبدون بخلاف ذلك شبه منطقيين.
طارق حجي، وهو واحد من العدد القليل من مفكري مصر الليبراليين حقاً، وصف الأمر على النحو التالي في الإسكندرية قبل بضع سنوات: “يعتقد المصريون أن إسرائيل تنهض من النوم في الصباح، وتسأل نفسها عما يمكن أن تفعله لتلحق الأذى بمصر في ذلك اليوم، وتقوم بتنفيذ أي مخطط تخرج به في ذلك اليوم، ثم تذهب إلى النوم، وتنهض في الصباح التالي، وتكرر ما فعلته في اليوم السابق”.
لم أكن من بين الذين أصيبوا بالنشوة المسكرة لدى سماع خطاب الرئيس أوباما الشهير في القاهرة كما فعل بعض الناس، لكن ذلك يجب أن يثبت على الأقل أنها مهما كانت أخطاء البيت الأبيض الآن، فإن وجود رغبة في تدمير مصر لم يكن واحداً منها.
دعونا نوضح شيئاً آخر أيضاً بينما ما نزال نتحدث في الموضوع: إن الساسة الأميركيين لم يدعموا الإخوان المسلمين بنفس المقدار الذي تعرضوا فيه للخداع على يد الإخوان المسلمين والمدافعين عنهم، والذي دفعهم إلى الاعتقاد بأن الجماعة هي منظمة معتدلة.
نعم، حسناً، إن جماعة الإخوان المسلمين معتدلة مقارنة بتنظيم القاعدة، ولكن، ماذا يعني هذا؟ إن ذلك يقول لنا بالكاد شيئاً مفيداً. كان بينيتو موسوليني معتدلاً بالمقارنة مع أدولف هتلر. كما أن جماعة “كو كلوس كلان” تعد معتدلة مقارنة بمحاكم التفتيش الإسبانية. وفيدل كاسترو معتدل مقارنة مع بول بوت. وفلاديمير بوتن معتدل مقارنة بإيفان الرهيب. والجماعة الكولمبية الثورية المسلحة تعتبر معتدلة مقارنة بحركة “الدرب المضيء” في البيرو. لكن أياً من هذه المنظمات والأفراد ليس معتدلاً بأي معنى حقيقي للكلمة. إن كلمة “معتدل” في الإنجليزية-الأميركية تحيل بشكل عام إلى الديمقراطيين المحافظين والجمهوريين الليبراليين، ولا تحيل إلى أشباه فيدل كاسترو وفلاديمير بوتن. ولا تشير أبداً –أبداً- إلى جماعة الإخوان المسلمين أيضاً.
لقد اعتقد الرئيس أوباما ومستشاروه حقاً أنهم إذا ما مدوا يداً إلى جماعة الإخوان، فإن العداوة الإسلاموية تجاه الولايات المتحدة ستتضاءل، على الأقل في أوساط “المعتدلين” نسبياً. واعتقدوا بالأمر نفسه إزاء روسيا وفلاديمير بوتن، وهم يعتنقون نفس النظرة حتى هذا اليوم إلى نظام الجمهورية الإسلامية في إيران. إنهم يفوّتون حقيقة أن العدائية تجاه الغرب قائمة بشكل أساسي على رفض للأفكار والثقافة الغربيين. إن روتين “الشخص اللطيف” الذي ينفع جيداً في برلين وباريس وأوتاوا يخفق كلية في موسكو والقاهرة. ربما سيعمل في طهران عندما لا يعود نظام الجمهورية الإسلامية قائماً، وسوف يفعل العجائب في هافانا عندما يصبح نظام كاسترو خارج السلطة، لكن المرة الأولى التي سيعمل فيها مع العداوات الأيديولوجية ستكون عندما يترتب علينا مواجهة عدو أكبر يهددنا (تذكروا التحالف الأميركي مع الاتحاد السوفياتي ضد ألمانيا النازية).
كان ينبغي على الأميركيين الذين انخدعوا بالإخوان المسلمين أن يعرفوا أفضل. إن كل منظمة إرهابية إسلامية سنية في الشرق الأوسط هي إما متفرعة عن الإخوان المسلمين أو متفرعة عن فرع للإخوان المسلمين. ليس ثمة عذر للخطأ في فهم هذه الحقيقة، لكن ارتكاب ذلك الخطأ السهل يبتعد كثيراً عن استخدام جماعة الإخوان كسلاح في مؤامرة لتدمير كل مصر.
لا تستطيع مصر حتى أن تشرع في الحفر لإخراج نفسها من حفرتها إلى أن تواجه حقيقة أن المصريين –وليس الإسرائيليين، ليس الأميركيين، ليس الاتراك، وليس القطريين- هم صانعوا مأساتهم الخاصة. وكما يحب معالجو الإدمان أن يقولوا، إنك لا تستطيع تغيير شي ما لم تعترف به أصلاً.
إن مصر تواجه العديد من المشاكل، لكن أكبرها، والتي تنبع منها الكثير من المشكلات الأخرى، هي رفضها الأيديولوجي للقيم السياسية الليبرالية. إن غالبية الأحزاب العلمانية في مصر هي بشكل غامر معادية لأميركا، معادية للغرب، معايدة لإسرائيل، ومعادية لليبرالية، تماماً كما هو حال الإسلاميين. وفي الحقيقة، لا تحتاج مصر إلى نسخ الغرب حتى آخر تفصيل من أجل أن تزدهر، لكنه ليس هناك أدنى اقتراب من حقيقة أن الناس الذين يرفضون كل شيء يمثله الغرب، يكونون منذورين لقدر العيش في الفقر، مع وجود بسطار على رقابهم.
لقد حان الوقت لندرك أنه ليس هناك أحد في السلطة في مصر الآن، والذي يشكل صديقاً لنا، بما في ذلك أشد المعادين للإسلاميين تزمتاً.

الغد الأردنية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب