أقلام واراءزوايا

أطماع واشنطن في خدمة موسكو…بقلم: هاشم عبدالعزيز

فهرس

“الانتقال”، هذا ما يجمع عليه مراقبون للشأن الأوكراني في وصف الأزمة المتفجرة هناك، لكن هذا الانتقال لا يتم بخطوات إلى الأمام بل بتداعيات متسارعة .
منذ البدء كانت أوكرانيا قد تحولت إلى ساحة صراع إرادات ومواجهة متعددة بين الغرب وروسيا، فالطرفان استخدما كل ما في حوزتهما من إمكانات ووسائل وأساليب الضغوط في الاتجاهات المتقابلة، وبدا أن الأطراف الموالية للطرفين في الداخل الأوكراني اضطلعت بأدوار حاسمة لكن هذا جاء بنتائج مختلفة ما حدا ببعض المراقبين إلى القول إن “التصعيد الذي اتبعته الحكومة المؤقتة في كييف وهي موالية للغرب يأتي بنتائج لمصلحة روسيا” .
كيف يتم هذا؟
في البدء كان من المناسب الإشارة إلى أن طرفي المواجهة ليسا في خلاف على أهداف استراتيجية ومصالح حيوية وحسب بل هما مختلفان في التعامل في هذه الساحة التي اسمها أوكرانيا .
بالنسبة للروس تعاملوا مع الأزمة ليس من منطلق درايتهم وعلاقاتهم الواسعة وحسب، بل هم تعاملوا مع الواقع الأوكراني كما هو، وهذا أتاح لهم فرص التحركات النشطة والخطوات الثابتة لكنها متواصلة وتمكنوا في فترة وجيزة من الإمساك بحلقات أساسية، وفي الأبرز منها دعم جمهورية القرم في الانفصال والعودة إلى روسيا وكذا إثارة مستحقات سكان الإقليم في شرق أوكرانيا المنحدرين من أصول روسية .
المراقب للدور الروسي يرى أن ما تتبعه موسكو أبعد من رد فعل على نسف الأطراف التي سيطرت على كييف لاتفاق 21 فبراير الذي كان أقرب إلى خريطة طريق للخروج من عنق الأزمة، فالروس يرون أن مستقبل أوكرانيا معقود على إعادة بنائها فدرالياً وهذا يتجاوب وتطلعات الأقاليم في الشرق وجنوب شرق أوكرانيا ويزيد من تأثيره المصادمة التي يتبعها المسؤولون في كييف في رفضهم هذا التوجه ما يضع البديل أمام هؤلاء الانفصال والانضمام إلى روسيا .
في المقابل تعامل الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة مع الوضع الذي نشأ إثر إسقاط الرئيس فيكتور بانوكوفيتش من خلال القوى التي احتشدت وبدعم غربي ومن بينها جماعات يمينية متطرفة تمكنت من فرض وجودها على المشهد لغياب قيادة متماسكة .
وقد يكون هذا الوضع الهش الذي جرى تحشيده أقرب إلى ذات الوضع في جبهة الغرب ذاته؛ فالأوروبيون ليسوا في توافق كامل مع السياسة الأمريكية إن كان في شأن مواجهة الأزمة أو التعامل العقابي ضد روسيا .
وفي النظرة إلى التحركات العسكرية الأمريكية في المياه والبلدان الغربية من روسيا بدت كما لو أنها تلجأ إلى أعمال صبيانية استعراضية واستفزازية لا جدوى منها في التأثير في مواقف روسيا .
والأمر هنا يعود إلى أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها أمام الخطوات الروسية الاستباقية في حالة انعدام وزن ناجم عن خلافات داخل أمريكا نفسها وهذا كان واضحاً في الكونغرس أثناء مناقشة تقديم مساعدة عسكرية لأوكرانيا بمبلغ 100 مليون دولار، إضافة إلى رسالة المتقاعدين الأمريكيين للرئيس أوباما التي طالبوا فيها بالحوار الأمريكي مع روسيا في شأن الأزمة الأوكرانية والتي عبروا من خلالها “أن لا فائدة لأحد من الخلاف مع روسيا” .
تبقى الحلقة الأضعف أمريكياً في شأن هذه القضية تتمثل بالتعامل مع الوضع السائد الآن والمتمثل بالحكومة المؤقتة، ماذا كان يجب أن تقدم عليه تلك الحكومة المؤقتة؟ هذا ما يطرحه عديد مراقبين ومتابعين للشأن الأوكراني، الذين يرون أنه كان على هذه الحكومة قبل أي شيء وكل شيء أن تقر الوضع غير الممكن الذي نشأ بعد انتفاضة ميدان الاستقلال وأن تنتظر الانتخابات الرئاسية في 25 مايو/ أيار بدلاً من الإقدام على خطوات أساسية في شأن تعديل الدستور وإلغاء أحقية اللغة الروسية التي تعني العديد من الملايين من السكان والقيام بحملات مطاردة واعتقالات لقيادات سياسية ونقابية وإثارة زوابع الفوضى العارمة .
إن سياسة وممارسة الحكومة المؤقتة غير المتزنة والأقرب إلى الانتقامية لم تؤد إلى منع الانفصال وحسب بل تسببت في مواجهات عنيفة داخلية، وكان الخطأ الأكبر زج الجيش في الصراع مع سكان الأقاليم في شرق البلاد بما سيترتب من آثار العمليات الدامية .
على أن أفدح الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة المؤقتة المدعومة من الغرب عموماً ومن الولايات المتحدة خصوصاً التي توافد كبار مسؤوليها السياسيين والعسكريين والاستخباريين إلى كييف يتمثل في ضمها ممثلين للمتطرفين اليمينيين ذوي النزعة الفاشية من دون أن تضم ممثلين عن القوى الأخرى، وفي استيعابها بحكومة وحدة وطنية وما زاد الأمر سوءاً أن الحكومة جددت التجنيد الإجباري من دون أن تقدم قبل هذا على تجريد العصابات اليمينية المسلحة من سلاحها .
والخلاصة أن ما يحذر منه مراقبون هو أن الحكومة الأوكرانية المؤقتة “لا تضيع أية فرصة للخطأ”، ما يعني الاندفاع إلى هاوية الحرب الأهلية وهي واحدة من المخاطر التي يبدو أنها غير محسوبة من قبل أحد أطراف المواجهة والتي قد تقود إلى نتيجة هي “كانت هنا أوكرانيا”، ما لم يتم فك الاشتباك بين طرفي اللعبة التي تجري في الداخل الأوكراني وتتداعى بخطى متسارعة ونتائج مختلفة .
الخليج الاماراتية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى