محاولة وزير الخارجية جون إف. كيري الوهمية للتوسط في التوصل إلى اتفاق سلام نهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين وصلت متعثرة إلى نهايتها في نهايات الشهر الماضي -أو إلى “وقفة” على أقل تقدير، حسب تعبير السيد كيري نفسه. لكن تركيز وزير الخارجية الكثيف على محاولة انتزاع تسوية من قادة إسرائيليين وفلسطينيين معروفين جيداً بعنادهم وتعنتهم لم يكن فيه الكثير من المنطق على الإطلاق؛ كان ينبغي للوزير أن يستخدم طاقاته بطريقة أفضل في وضع استراتيجيات قابلة للتطبيق لمعالجة الحرب الأهلية في سورية، ومخاطبة التهديد المتنامي لتنظيم القاعدة في المنطقة، ومسألة عودة مصر إلى الدكتاتورية، ناهيك عن المشاكل القائمة في أجزاء أخرى من العالم.
مع ذلك، يثير فشل آخر “عملية سلام” في الشرق الأوسط جملة من التساؤلات عما سيعقبها -وهناك الكثير من الخيارات السيئة في حقيقة الأمر. لكن أمر إبعاد هذه الخيارات الرديئة والعثور على طرق لتهيئة الأرضيات والأسس لقيام دولة فلسطينية في نهاية المطاف سيكون تتمة ضرورية لاستسلام السيد كيري.
أحد التحديات جاء من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي أطلق مبادرة مصالحة مرة أخرى أيضاً مع حركة حماس الإسلامية. على المستوى النظري، يمكن أن يكون إبرام اتفاق فلسطيني يستطيع أن يتغلب على الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، في الوقت الذي يوفر فيه الأجواء لإجراء انتخابات ديمقراطية، يمكن أن يكون تطوراً إيجابياً في حقيقة الأمر، لكن خطط “الوحدة” العديدة التي أعلنت في الماضي تقوضت بسبب رفض حماس الاعتراف بإسرائيل والتعهد بنبذ الإرهاب.
بما أنه ليس من المرجح أن تقوم حماس بتغيير موقفها جذرياً، فقد يؤدي اتفاق فلسطيني إلى وقف التمويل الإسرائيلي والأميركي للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وقوات الأمن التي ساعد تعاونها الوثيق مع إسرائيل في الحفاظ على السلام. وقد اقترح أعضاء في الكونغرس مسبقاً، من بينهم السناتور راند بول (جمهوري من كنتاكي) خفض أو إنهاء كافة المساعدات الأميركية المقدمة للفلسطينيين، وهي خطوة يمكن أن تضر بأمن إسرائيل أكثر مما ستعاقب السيد عباس وحاشيته.
واصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو محاولة الضغط على السيد عباس من أجل عدم المضي قدماً في المصالحة مع حماس، ولكن ثرثراته المعلنة ربما لا تساعد. وفي الوقت نفسه، يقترح ساسة إسرائيليون أفكاراً من قبيل الضم أحادي الجانب لأجزاء من الضفة الغربية، وهي خطوة من شأنها أن تكون استفزازية بقدر ما ستكون بلا قيمة. ومن جانبه، ألمح السيد كيري إلى اعتناق واحدة من أعتق الأفكار السيئة لدى واشنطن، إصدار خطة أميركية مفصلة لإقامة دولة فلسطينية. ذلك أيضاً، قد يرضي بعض الأنصار، ولكنه لن يؤدي إلى أي مكان.
يمكن لتدابير أقل ظهوراً، وإنما أكثر عملية، والتي تتخذها كل من إسرائيل والولايات المتحدة أن تكون أكثر فائدة بكثير. ثمة الكثير الذي يمكن أن تقوم به إسرائيل لتحرير الحركة في الضفة الغربية وتحفيز الاقتصاد الفلسطيني من خلال إزالة الحواجز ونقاط التفتيش، وتخفيف الضوابط على الصادرات، وتسهيل بناء المساكن الجديدة وتأسيس الشركات. وكان السيد كيري قد تحدث ذات مرة عن إطلاق خطة للتنمية الاقتصادية للضفة الغربية؛ وسيكون هذا هو الوقت المناسب الذي يجب أن نرى فيه ذلك وهو يتحقق.
يجب على الولايات المتحدة أيضاً أن تسعى إلى عكس وجهة تدهور الحكومة الفلسطينية الذي حدث عندما قام السيد عباس البالغ من العمر 79 عاماً -والذي انتهت ولايته كرئيس منتخب منذ أكثر من خمس سنوات- بإجبار رئيس وزرائه الإصلاحي على الخروج من الحكومة. وقد تصاعد حجم الفساد في الحكومة باطراد، وكذلك فعلت انتهاكات حقوق الإنسان. ينبغي إقامة انتخابات فلسطينية جديدة، بشرط أن يتم استبعاد الجماعات المؤيدة للعنف. ويجب أن يتم بناء عملية إقامة الدولة الفلسطينية على أساس المؤسسات الديمقراطية العاملة. كما يجب أن تضع إدارة أوباما هذا المبدأ في صلب سياسة جديدة أكثر واقعية تقوم بانتهاجها تجاه عملية السلام.
الغد الاردنية





