أقلام واراءزوايا

في علاقات القوة والسلطة والأيديولوجيات الهوياتية … بقلم : ماجد كيالي

فهرس11

تنطوي الصراعات الهوياتية، الدينية أو المذهبية أو الإثنية، أي التي لم تنبثق من الاختيارات والمصالح الفردية والجمعية، على مفارقة حادة وغريبة، بكونها أكثر الصراعات التي تشتد فيها العداوات وتسفك في سبيلها الدماء ويخرّب العمران، على رغم أنها تنتمي إلى صراعات الزمن الماضي.

يتأتّى مصدر هذه المفارقة من كون الصراعات المذكورة تتمحور غالباً على ما هو موروث، وليس على ما هو مكتسب، باعتبارها تدور حول قضايا ومشكلات ليس للمتصارعين رأي في اختيارها، ولا إسهام في إنتاجها. فمثلما لا يختار المرء والديه أو اسمه، فهو ليس له أي فضل، أيضاً، في اختيار دينه أو مذهبه أو لغته أو بلده أو قومـيته. والمعنى أن أي شخص يمكن ان يكون الآخر، الذي يعاديه، أو يكرهه. هذا يصحّ، مثلاً، على الفرنسي والروسي والصيني والعربي والغيني والنيجيري والكردي والأرمني، كما على الهندوسي والبوذي والمسيحي والمسلم واليهودي، أياً كان المذهب، إذ لا احد من هؤلاء اختار قوميته أو دينه أو مذهبه.

بيد أن الأمر في العصر الحديث لم يختلف كثيراً، إذ نشأت فيه أيضاً صراعات أيديولوجية، اتخذت شكل الصراعات الهوياتية، التي تنمّط، وتختصر، الذات والآخر، وإن اكتست بصبغة عقلانية، واتسمت بنزعة الاختيار. هكذا نشأت العصبيات حول الأيديولوجيات والأفكار الكبرى، كالعلمانية والليبرالية والقومية والفاشية والشيوعية، بكل تنويعاتها، والتي باتت هي الأخرى، بمثابة «أديان» جديدة، على ما يرى كرين برنتين، في كتابه «تشريح الثورات»، بقوله: «يرى الماركسي أن القول بوجود جوانب تشبه سلوك الخاضعين للتأثير المعترف به للدين يثير سخطه كثيراً… لقد حقّقت الماركسية بوصفها عقيدة القدر الكثير. أما الماركسية بوصفها «نظرية علمية» فلم تذهب ابعد من كتاب «رأس المال» والمجلات العلمية».

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، مع التقدير للتضحيات التي بُذلت، وقوة الإيمان عند المؤمنين، هو: هل كان يمكن الأديان والأيديولوجيات الكبرى أن تزدهر وأن تصبح شمولية، على هذا النحو، لولا علاقات القوة والسلطة؟ ومثلاً، هل كان للفاشية ان تصل إلى ما وصلت إليـه لولا تحكمها بدولة بقدرات ألمانيا؟ وهل كان للشــــيوعية أن تكون بالسطوة التي كانت عليها لولا انتصارها في بلد في حجم روسيا ومكانتها؟ ثم كـــيف يــــمكن تصور تاريخ المسيحية لولا اعتـــناق الإمبـــراطورية الرومـــانـــية لها؟ وكيف كان يمكن تصور تاريخ الإسلام من دون امبراطورية إسلامية؟ وأخيراً، ألا يوضّح لنا ضمور اليهودية، عبر التاريخ، بعضاً من ذلك؟

طبعاً، الغرض من هذه التساؤلات فحص علاقة القوة والسلطة، كما تمثلت في الإمبراطوريات والدول، بانتشار الأديان والأيديولوجيات والأفكار الكبرى، مع التأكيد أنها كانت ستنتشر بطريقة ما، لكن على نحو آخر، ربما يخلو من التعصّب، ورفض المختلف، والميل الى استخدام القوة بدل الإقناع.

ومن تجاربنا الحديثة، لنأخذ، مثلاً، تونس حيث أمكن الرئيس السابق الحبيب بورقيبه، من موقعه في قيادة الدولة، أن يفرض قانوناً متقدماً للأحوال الشخصية، وأن يمكّن المرأة في بلده من اكتساب حقوق غير التي نصّ عليها الشرع، في بلد اسلامي لا يختلف عن غيره، وحتى عن البلدين المجاورين (ليبيا والجزائر).

وهذه فكرة القومية العربية، ما كان لها أن تكتسب قوتها، وأن تأخذ امتداداتها، لولا مصر عبدالناصر، بدليل أنها لم تلق استقبالاً ملائماً في البلدان الأخرى، باستثناء المشرق العربي، وبواقع عدم نشوء حركات او أحزاب قومية، إذا استثنينا حركة القوميين العرب وحزب البعث، وأيضاً، بحكم أنها آلت إلى الأفول بعد رحيل عبدالناصر حتى في مصر ذاتها، التي تحولت إلى الساداتية. وعلى المنوال ذاته، فإن الوهابية كمذهب انتشرت في المملكة السعودية، وبقي انتشارها محدوداً في الدول العربية والإسلامية الأخرى. هكذا، أيضاً، كانت بلدان الاتحاد السوفياتي، والمنظومة الاشتراكية «تدين» بالشيوعية، وإذا بها بعد لحظة من انهيار الدولة تنقلب عليها جملة وتفصيلاً. وهذا حصل مع انتهاء اليمن الديموقراطي (1990)، الذي كان تماشى مع العقيدة الماركسية، فإذا به يتكشف عن مجتمع لم تغادره العقليات والتناحرات القبلية والمذهبية.

والحال، فإن تاريخ الأديان يفيد بأن الناس تمذهبوا، في معظم الأحوال، ككاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت في الدول الأوروبية، وفق جغرافية السلطة، ناهيك بأن ذلك لم يتم بالاختيار الفردي وإنما بالوراثة. هذا يفسر، أيضاً، انتشار المذاهب الإسلامية المختلفة، في هذه المرحلة او تلك، وفي هذا البلد او ذاك، وفق مذهب الملك، أو عقيدة «المتغلّب». فهكذا، مثلاً، فرضت الخلافة الأموية روايتها، بعد تغلبها على خصومها، وما فعلته الخلافة العباسية بعدها. وفي عهد الخليفة العباسي المأمون (القرن التاسع) صعد نفوذ «المعتزلة» التي قالت بمبدأ الحرية والاختيار والعدل، لكنه انحسر في عهد المتوكل لمصلحة نقيضها (الجبرية). وهذه مصر تحولت من المذهب السنّي إلى الفاطمية، ثم إلى السنّية (من أواخر القرن العاشر إلى اواخر القرن الثاني عشر)، في حين كانت إمارة حلب شيعية في ظل حكم الدولة الحمدانية (القرن العاشر).

المشكلة تتبدى، أيضاً، في السيولة التي كان يجرى فيها توليد المذاهب، على رغم أن الإسلام، مثلاً، قطع مع ذلك، وفق الآيتين الكريمتين: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي» (المائدة 3) و «ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر» (الذاريات 51). إذ بعد هذا بات أي قول مجرد اجتهاد بشري، ولا ينطبق عليه، لا التحريم ولا التحليل، لأن ذلك يعني «التجاوز» على الذات الإلهية، وتوليد «أديان» أخرى، وفق اجتهادات المفتين أو الأئمة أو المشايخ، وهذا ما حصل عبر التاريخ، بفضل علاقات القوة والهيمنة، وخدمةً للسلاطين وأولي الأمر.

هكذا نشأت الصراعات الهوياتية، كأداة أيديولوجية ووظيفية تؤسس لحرب اللاخيار، أو حرب الضحايا ضد الضحايا، وهي اللعبة الأثيرة للسلطات المهيمنة، في محاولتها تأبيد سلطتها، في الماضي، وفي الحاضر.

 الحياة اللندنية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى