بالنسبة لبنت صغيرة فقدت أباها وشقيقتها في صراع غزة الأخير، لا تشكل العودة إلى المدرسة أكثر من خطوة صغيرة فقط في سياق عملية مطولة من التعافي.
* * *
غزة، دولة فلسطين- تعيش شيماء البالغة من العمر عشر سنوات في حي الشجاعية في شرق مدينة غزة، وهو حي مكتظ بسكانه، والذي تحول في الأشهر الأخيرة إلى رقعة شاسعة من الركام. ويحوم تهديد المتفجرات المتبقية من الحرب في كل زاوية وحول لكل منعطف في المكان.
تقول التقديرات إن 18.000 منزل قد دمرت في غزة خلال الجولة الأخيرة من القتال، والتي أفضت أيضاً إلى مقتل نحو 506 أطفال، وإصابة أكثر من 3.000 طفل آخر بجروح. وفوق أكوام مما كان بيوتاً ذات مرة، وُضعت شاخصات كُتبت عليها أسماء شاغلي المنازل السابقين وأرقام هواتفهم، في حال رغب أحد الوصول إليهم.
في نهاية شارع مترب غارق في مياه الصرف الصحي، يتعلق نوع مختلف من الشاخصات على حائط. ثمة صورة بالحجم الطبيعي لرجل يبتسم وبجواره طفلة صغيرة. وتؤشر هذه الشاخصة على مدخل المنزل الذي قتل فيه الرجل والطفلة بسبب القصف.
في الداخل، تستعد بنت أكبر قليلاً للذهاب إلى المدرسة؛ ترتدي زيها المدرسي الأخضر المعروف، وتحيط عنقها بقطعة من الدانتيل الأبيض (قَبّة)، من النوع تستخدمه الطالبات هنا.
بعد عشرة أيام من بدء الصراع، وبينما كان الحي تحت فيض من القصف المدفعي الثقيل وقذائف المورتر والضربات الجوية، انتلقت عائلة شيماء إلى شقة جدها الواقعة في الطابق الأرضي من المبنى، والتي كان يعتقد بأنها ستكون مكاناً أكثر أمناً للعائلة.
تقول شيماء: “في الصباح الباكر، أصبح القصف يقترب. وفجأة سقطت قذيفة في مكان قريب جداً في الجوار. ركض الجميع إلى الخارج، ما عدا أبي وأختي الصغيرة. سمعت الناس يصرخون بأنه قد مات”.
كان والدها “عادل” جالساً على الأريكة الطويلة في غرفة الجلوس وقد لف ابنته ديما (سنتين) بين ذراعيه، وهو يحاول أن يهدهدها لكي تنام عندما ضربت قذيفة منزل الجيران. لكن عادل وابنته الصغيرة قُتلا على الفور بفعل الشظايا التي صدرت عن الانفجار وجاءتما مخترقة الجدران.
تقول شيماء: “رأيت عمي يحمل أختي. أدركت أن رأسها قد قُطع في القصف. لم أنظر إلى جسم والدي، لأنني خفت أن تكون جراحه بليغة. هربت”.
في حالة صدمة
يقوم مستشار من المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات، وهو منظمة شريكة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” متخصص في معالجة حالات الصدمة التي تصيب الأطفال بزيارة شيماء. يراها المستشار في البيت ويساعدها في التحدث عن تجربتها. وتعاني شيرين، والدة شيماء، من الصدمة بالمقدار نفسه هي أيضاً. وتقول شيماء للمستشار: “لم أستطع أن أقول وداعاً لأبي”. وتضيف: “إنني لا أريد أن أكون يتيمة، أريد أن يكون أبي معي. لديّ ذكريات جميلة معه. كان يشتري لي الألعاب، حتى لو أنني لم أطلبها منه. أتمنى أن أستطيع رؤيته هو وأختي ديما مرة أخرى. كنت ألعب معها. كنت ألبسها ملابسها وأمشط لها شعرها”.
تقول شيرين، والدة شيماء: “كان زوجي رجلاً طيباً. لم يحرم بنتينا من أي شيء، رغم إمكانياتنا المتواضعة. الكل كانوا يقولون إن ابنتي ديما هي طفلة جميلة جداً. كنت قد رأيت الأطفال الموتى والمشوهين على شاشة التلفزيون من قبل، لكنهم عندما عرضوا صورة ابنتي أنا، أصبت بالصدمة”.
تشكل إعادة شيماء إلى المدرسة أولوية من أجل المساعدة في غرس نوع من الشعور بالعادية في حياتها. وليست هذه مهمة سهلة في حي الشجاعية، حيث أصبحت العادية الجديدة هي مشهد الشوارع التي تمتد على جانبيها المباني المدمرة، والتلاميذ الذين يمشون بصعوبة فوق الركام في طريقهم إلى المدرسة. وحتى المدرسة نفسها تحمل ندوب الحرب -حيث انهار جزء من البناية بفعل قصف من غارة إسرائيلية جوية.
العودة إلى التعلم
من أجل مساعدة الطلاب على إبعاد أذهانهم عن الأهوال التي شهدوها وخبروها، خصصت اليونيسيف والمنظمة الفلسطينية الشريكة “مركز معاً للتنمية” الأسبوع الأول من المدرسة لممارسة الأنشطة الترويحية التي تهدف إلى تسهيل عودة الطلبة ببطء إلى التعلم. وقد أقامت اليونيسيف دورات تدريب لحوالي 1.200 من مستشاري المدارس والمعلمين والمشرفين من أجل تمكينهم من معالجة مكامن قلق الطلاب بعد الصراع المخيف، والتمكن من تحديد أولئك الذين يحتاجون منهم إلى عناية طبية أو نفسية متخصصة إضافية. وأفضى ذلك إلى أن يتلقى 230.000 من طلبة المدارس دعماً نفسياً وأن يتم إشراكهم في النشاطات الترويحية خلال الأسبوع الأول من عودتهم إلى المدرسة.
على حين غرة، تتجمد شيماء، وتشرع في التحديق بالجدران من حولها وقد استقرت نظرة فارغة في عينيها، غافلة تماماً عن محيطها. في الصف، تلعب شيماء والطلبة الآخرون ببالونات ملونة تحت أعين المستشارين المنتبهة من مركز “معاً”. ويذهب إليها مباشرة واحد من المستشارين. يقول: “تعالي، العبي معنا، ثم سنغني معاً”.
تجيب شيماء: “لا أستطيع أن أغني. إنني أفكر في أبي وشقيقتي الميتين، وأشعر بالذنب”. ويغطي وجهها سيل من الدموع.
تقول رندا محمود، معلمة اللغة الإنجليزية التي تدرس شيماء: “لقد رأى طلبتنا وعاشوا خبرات مرعبة. إنهم لا يستطيعون مواصلة الدراسة وكأن شيئاً لم يحدث. إن النشاطات الترويحية والدعم النفسي يساعدانهم على التكيف مع تجاربهم. حتى أن سلمى استطاعت أن تبتسم بعد اللعب في الصف، ولو أن ذلك كان لفترة قصيرة جداً”.
هناك ما لا يقل عن 373.000 طفل في غزة ممن هم في حاجة ماسة إلى الحصول على الدعم النفسي. وتحتاج منظمة “يونيسيف” إلى جمع مبلغ من المال لا يقل عن 4.5 مليون دولار أميركي من أجل تنفيذ برامج الدعم النفسي، كجزء من التماس أكبر لمبلغ 12.5 مليون دولار من أجل تمويل كامل خطة الاستجابة لحماية الأطفال في غزة.
الغد الاردنية





