حياة وسوق – ارتفعت في الأسابيع الأخيرة قيمة صرف الدولار أمام الشيقل بصورة واضحة، فكيف يؤثر ذلك على الدخول وحركة السوق؟ وهل فعلا أن التعامل في فلسطين بثلاث عملات يمثل معضلة؟
القاعدة باختصار أن كل من يتقاضى دخلا بالشيقل وينفق بالدولار سيتأثر بشكل كبير، أما المستفيد فهو من يتقاضى دخلا بالدولار وينفق بالشيقل، وبين هذا وذلك يبدو أن الغالبية في فلسطين ستكون خاسرة باعتبار أن دخلها بالشيقل فيما أن فئة قليلة تتقاضى دخلا بالدولار والدينار. “حياة وسوق” يحاول رصد صدى السوق بخصوص التأثيرات التي حصلت نتيجة ارتفاع قيمة صرف الدولار مقابل الشيقل.
نجاة أبو بكر – عضو مجلس تشريعي
لا شك أن تذبذب أسعار العملات يربك السوق الفلسطينية ويجعلها تواجه مخاطر كثيرة في ظل عدم وجود عملة وطنية، فأول المتأثرين من ارتفاع قيمة الدولار مقابل الشيقل هو التاجر الذي يعقد صفقات تجارية ويخسر أحيانا نتيجة عقد الصفقة بسعر صرف معين ثم عندما يستلمها يكون سعر الصرف بسعر آخر، لكن المتأثر الأكبر يبقى المستهلك لأنه سيتحمل اعباء ارتفاع السعر. ولضرب مثال على ما تقدم، نلاحظ اننا تلقينا شكاوى مؤخرا بخصوص ارتفاع بعض الأسعار في السوق، فمثلا ربطة السكر ذات زنة 10 كيلوغرامات ارتفعت على التاجر بحيث تركت أثرها على السعر النهائي، فأصبح سعر كيلو السكر 4.5 شيقل بدلا من 4 شواقل. باختصار إن ارتفاع قيمة الدولار تخلق حالة صراعية وتؤثر بشكل كبير على الموردين الكبار وعلى المخلصين، لكن المواطن هو من يدفع في النهاية الثمن برفع الأسعار، وبالتأكيد هذا سؤثر على حركة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية برمتها. من جهة ثانية، فإن كل الذين دخولهم بالشيقل يتأثرون سلبيا بارتفاع قيمة الدولار خاصة أن معظم المؤسسات لا تربط قيمة صرف الدولار أو الدينار، والذين يتقاضون بالدولار لا يتجاوزون 1% من مجمل المداخيل، لذلك فإن معظم المواطنين متضررون، خاصة أنهم يسددون قروضهم بعملة الدولار، والبنوك لا تربط أقساط القروض بسعر ثابت لكنها تقتطع الأقساط حسب سعر الدولار في السوق وهذا يعني أن المواطن سيضطر إلى اقتطاع مزيد من راتبه بالشيقل لتسديد الفارق النجم عن ارتفاع قيمة الدولار، وهذا يعتبر مأساة اقتصادية بحق الموظف تحديدا. للأسف، فإن وزارة الاقتصاد لدينا غير قادرة على وضع سياسات، وهي تكتفي بـ «الفرجة»، فعندما ارتفع سعر الأرز في السوق الأميركية مثلا نتيجة عوامل مناخية لماذا لم تقم بتوجيه الناس للاستيراد من شرق آسيا، خاصة أن الأرز يعتمد على كيفية طبخه وليس على نوعه؟ لماذا لا نتوجه إلى الدول الصديقة للاستيراد منها بدلا من حصر الاستيراد بالدول الرأسمالية؟!
محمد عبد الله – صحفي متخصص في الصحافة الاقتصادية
أنا دخلي بالشيقل، ولا يوجد علي أقساط للبنك. من المؤكد انني تعرضت لضرر بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الشيقل تمثل في تراجع قيمة الدخل، بسبب قيامي بتحويل جزء من الراتب الشهري إلى عملة الدولار، لدفع أجرة البيت البالغة 350 دولارا، حيث إن ارتفاع سعر الصرف أدى إلى تحميلي عبئا إضافيا يقدر بنحو 30 دولارا عن كل عملية تحويل شهريا، ليستقر إجمالي الخسارة السنوية عند 360 دولارا. علاوة على ذلك، فإن ارتفاع سعر صرف الدولار سيؤدي خلال الأسابيع المقبلة إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، علما أن غالبية البضائع والسلع الأساسية والكمالية مستوردة من الخارج، وحسب أرقام الجهاز المركزي للاحصاء، فإن وارداتنا السنوية من العالم تبلغ 5 مليارات دولار سنويا. السبب في ارتفاع أسعار الواردات يعود إلى أن عملية الاستيراد تتم بالدولار، بينما تتم عملية البيع في السوق المحلية بالشيقل، لذا فإن فارق سعر الصرف، سيتحمله في نهاية المعادلة المستهلك المحلي. في المقابل فإن هنالك مستفيدون من ارتفاع الدولار أمام الشيقل، لكنهم قلة، مثل المصدرين، لكن قيمة صادراتنا لا تتجاوز 700 مليون دولار، إضافة إلى الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم بعملات الدولار الأميركي والدينار الأردني.
ميسون عبد الرازق (27 عاما) – محاسبة
دخلي بالدولار الأميركي، ارتفاع سعر الدولار مقابل الشيقل يؤدي الى ارتفاع اسعار السلع وبالتالي حدوث التضخم وانخفاض القوة الشرائية للشيقل، وعند انخفاض سعر صرف الدولار مقابل الشيقل فإن اسعار السلع تنخفض عند الاستيراد ولكن لا تخفض للمستهلك، وبالتالي يعاني المستهلك من ارتفاع الأسعار في كلتا الحالتين وانخفاض القوة الشرائية للشيقل.
أدهم ابوغوش – موظف في شركة تأمين
عمري 28 عاما وأعمل موظفا في شركة تأمين، راتبي بعملة الدولار ولا يوجد لدي أي أقساط أو قروض، ارتفاع الدولار في هذا الوقت أثر علي بشكل ايجابي لعدة أسباب: أولا أثر في ارتفاع الدخل ولو بشكل بسيط كون أن راتبي بعملة الدولار واستهلاكي بعملة الشيقل، وبحكم اقبالي على الزواج أثر ايجابيا كون أن ارتفاع الدولار أدى إلى انخفاض ملحوظ بسعر الذهب، أما بالنسبة إلى التعامل بعملات ثلاث فأولا كون أن الدولار والدينار مرتبطان يرتفعان سويا وينخفضان سويا فبإمكاننا عمليا أن نقول أننا نتعامل بعملتين إذا كان المقصود الفرق في سعر العملة، وأرى أن هذا الأمر يشكل معضلة حقيقية حيث إنه يؤثر على الترتيبات المالية للأفراد خاصة أولئك الذين لديهم قروض بنكية وغيرها أو على ايجار البيوت في حال كان الايجار بعملة والدخل بعملة أخرى.
إياد الرجوب «39 عاما» – مدير الشؤون العامة/ داخلية جنوب الخليل
«دخلي بالشيقل، وجرّبت القروض البنكية، والسكن بالأجرة والدفع بالدولار أو الدينار، وخلصت إلى أن هناك «جريمة فرق عملة» تُرتكب بحقنا كموظفين ومواطنين تحت سطوة ثلاث عملات، فالمفروض أن تكون عملة الالتزامات هي نفسها عملة الإيرادات، ومعظم البنوك لا تمنح قروضا كبيرة بالشيقل مع أنها تستقبل رواتب الموظفين بهذه العملة، كما أن الأغلبية العظمى من مؤجري الشقق السكنية لا يتعاملون إلا بالدولار أو الدينار، وبهذا فإن ارتفاع الدولار أو الدينار سيكون له ضحايا في مجتمعنا هم المواطنون أو الموظفون الذين تكون إيراداتهم بالشيقل والتزاماتهم بالدولار أو الدينار، فعلى المستوى الشخصي، وما بين سعر صرف الدولار 3.5 وارتفاعه إلى 3.7، هناك خسارة من راتبي تقترب من 100 شيقل لقرض بنكي قسطه الشهري 450 دولارا، فما بالك بمن عليهم التزامات شهرية تفوق الـ1000 دولار؟ علما أن أي علاوات سنوية للموظفين الحكوميين لا تغطي هذه الخسارة، ما يعني أن الرواتب تتآكل جهارا نهارا دون أي اهتمام رسمي لوقف هذه الجريمة.
رأي المحلل الاقتصادي – الدكتور معين رجب – أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر
يقول المحلل الاقتصادي الدكتور معين رجب إن استخدام العملات الثلاث في فلسطين راجع في أصله الى برتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994 بين منظمة التحرير الفلسطينية والجانب الاسرائيلي، الذي عالج ضمن فقراته المسائل النقدية المتعلقة في تنظيم النشاط النقدي والمصرفي وبموجبه التزمت السلطة الوطنية بقبول الشيقل الاسرائيلي في التعامل على المستويات الرسمية وغير الرسمية. واضاف :”يأتي استخدام الدولار الاميركي باعتبار أن الفلسطينيين يعتمدون على الدول المانحة في المقام الأول الى جانب تعاملهم مع المؤسسات المالية والنقدية الدولية كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي لاعتبار الدولار الامريكي أهم عملة دولية منذ الحرب العالمية الثانية لغاية الوقت الحالي، مؤكدا أن التعامل بالدينار الاردني جاء لأن الضفة الغربية كانت جزءا من المملكة الاردنية الهاشمية وبذلك ظل الدينار عملة مستخدمة حتى الوقت الحالي. ولفت رجب إلى أنه في ظل غياب عملة وطنية واستخدام عدة عملات بديلة فإن السلطة الوطنية ممثلة بسلطة النقد تصبح عاجزة عن التأثير في العملات الأخرى غير الوطنية، فهي لا تملك أية مقومات للتأثير على الشيقل باعتبار ان اسرائيل هي المنوط بوضع السياسة النقدية ومن ثم تحديد أسعار صرف العملات مقابل العملات الأخرى، مشيرا إلى ان كل ما يطرأ من تقلبات في اسعار صرف هذه العملات وفي تحديد الكميات المعروضة منها في السوق الفلسطينية يبقى خارج ارادة سلطة النقد. ولفت رجب إلى وجود فئة رابحة وفئة اخرى خاسرة نتيجة تغيير أسعار صرف العملات التي تنعكس على المتعاملين بها سلبا أو ايجابا، موضحا أن الارتفاع في اسعار صرف الدولار الأميركي يضر بالمستوردين والتجار والمستهلكين لأنه ينتج عن ارتفاع في اسعار الصرف. وأضاف:” أن ارتفاع أسعار صرف الدولار تضر بالموظفين الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي حين يرغبون بتحويل جزء منها الى الشيقل، إضافة الى العقد (الإيجارات) فهناك من يتضرر وهناك من يستفيد حيث أن آثارها تمتد الى كافة فئات المجتمع وغالبا ما تكون الأضرار أكثر من المزايا“.





