بعد أربع سنوات من بداية ما أصبح يسمى الآن “الربيع العربي” -الوصف الذي يقال بحس من المفارقة المريرة فقط- تعيش جميع البلدان المعنية تقريباً في حالة يرثى لها. وربما يكون الاستثناء الوحيد هو تونس الصغيرة. وكانت الأمور قد بدت لبعض الوقت وأنها تتحسن أيضاً في جارتها الغنية بالنفط ومترامية الأطراف، ليبيا. لكن ليبيا تنزلق في مستنقع الأزمة -وقد شرع انحدارها الفوضوي السريع، شأنها في ذلك شأن سورية، في اجتذاب الغرباء إلى داخلها بطريقة تصنع تهديداً للغرب.
في الوقت الحاضر، تشكل ليبيا بالكاد دولة على الإطلاق. فقد تخلت الفصائل التي كانت قد اجتمعت معاً من أجل إسقاط معمر القذافي عن محاولة تسوية خلافاتها عن طريق التفاوض. وأصبح شرق البلاد تحت سيطرة تحالف علماني -أكثر أو أقل- ويتخذ من طبرق مقراً له. وفي غرب البلد، تسيطر وتتمتع بنفوذ كبير خلطة من المجموعات في طرابلس ومصراتة، والتي كانت ذات مرة رمزاً للمقاومة البطولية ضد القذافي، وتتلقى الدعم الآن من الميليشيات الإسلامية المتشددة. وتوجد في ليبيا حكومتان متنافستان، واثنان من البرلمانات، ومجموعتان متنافستان تطالبان بتشغيل البنك المركزي وشركة النفط الوطنية. وليس في البلد شرطة ولا جيش وطني فاعل، وثمة مجموعة من الميليشيات التي ترهب المواطنين البالغ عددهم ستة ملايين نسمة في البلاد، وتنهب ما تبقى من ثروة البلاد، وتدمر ذلك القدر القليل الذي تبقى من بنيتها التحتية، وتقوم بتعذيب وقتل كل من تجده في الطريق.
الآن، يتم جر آخرين إلى داخل البلد أيضاً. وفي حين تدعم تركيا وقطر والسودان الفصائل ذات الميول الإسلامية، تقوم مصر والإمارات العربية المتحدة، من بين آخرين، بدعم التحالف الشرقي الذي يتمتع باعتراف أوسع نطاقاً. ويتسرب السم من ليبيا إلى الخارج ويجتاح مساحات شاسعة من الساحل الأفريقي، ومناطق جنوب الصحراء الأفريقية، ويمتد من مالي في الغرب، عبر النيجر وشمال نيجيريا، ويصل شرقاً إلى السودان والصومال، بل وحتى إلى مناطق بعيدة مثل صحراء سيناء المصرية المتاخمة لإسرائيل. وتعيث القبائل العربية والمجموعات العرقية الأخرى في مناطق جنوب البلاد الوعرة في الأرض فساداً؛ حيث تقوم بتهريب الأسلحة والأشخاص، وتوفير الملاذات والعون للأشرار والجهاديين الملتزمين بالولاء لتنظيم القاعدة، وحتى الموالين لتنظيم الدولة الإسلامية الإجرامي في العراق وسورية.
حاول الغرب البقاء خارج ليبيا. وكانت أميركا وفرنسا وبريطانيا قد تدخلت بعد تردد وعلى مضض للإطاحة بالقذافي من أجل منعه من ذبح مواطنيه الليبيين. ولكن هذا الثلاثي ظل مصمماً، في أعقاب الفشل الغربي المتواصل في العراق وأفغانستان، على عدم الانجرار إلى الإشراف على انتقال ليبيا المأمول إلى الديمقراطية، ناهيك عن إرسال قوات برية تعمل على الأرض. وبدلاً من ذلك، تُركت الأمور للأمم المتحدة -ولليبيين أنفسهم، الذين أصروا على أنهم يستطيعون النهوض بمهمة إصلاح المكان وحدهم.
أفضى فشل القذافي في بناء إطار مؤسسي للبلد إلى جعل هذه المهمة صعبة إلى حد مروع بالنسبة لليبيين من ذوي النوايا الحسنة. كما أحجمت الأمم المتحدة -واضعة في اعتبارها صورة الغرب غير المحبوبة في أعين الكثير من العرب- عن مطالبة القوى الغربية وأميركا بالتدخل في البلد. وبعد مقتل السفير الأميركي هناك، غسل الرئيس الأميركي باراك أوباما يديه نهائياً من المكان. ولم يسارع الغربيون بأي حال إلى سد الفجوة القائمة هناك.
مع ذلك، سوف يكون تجاهل ليبيا خطأ كبيراً في نهاية المطاف. ولا شك أنه لا يجب أن يفكر الغرب في التدخل العسكري. لكن دبلوماسية أكثر نشاطاً سيكون لديها الفرصة لاحتواء الأزمة على أقل تقدير، في حين ستكون هناك الكثير من المخاطرة في عدم بذل المحاولة. وتبعد ليبيا نحو 300 ميل فقط عن جنوب أوروبا. وسوف يدفع حمام دم هناك الآلاف من سفن اللاجئين الأخرى للإبحار عبر المتوسط. كما أن نقاط الجهاديين الساخنة، من طورا بورا في أفغانستان إلى معاقل المتشددين في اليمن والصومال، تعمل على رعاية المتعصبين الذين تضم أهدافهم كلاً من نيويورك وباريس.
لذلك، يجب على الأمم المتحدة، والجامعة العربية والحكومات الغربية الرائدة أن يعاودوا الانضمام إلى الجهود الدبلوماسية المتعلقة بليبيا بطريقة أكثر إخلاصاً ورغبة. وهناك حاجة إلى عقد مؤتمر “أصدقاء ليبيا” جديد، وبحيث يتم الضغط على القوى التي ما تزال تستخدم ليبيا كميدان معركة بالنيابة حتى يلتزم المعنيون بتعهداتهم التي نكثوا بها مسبقاً، وفرض حظر على دخول الأسلحة إلى البلد. ولعل المسار المنطقي الوحيد الآن هو محاولة بناء حكومة وحدة وطنية في ليبيا، والتي تكون مدعومة -في الوضع المثالي- بدستور جديد يمنح الحكم الذاتي للمناطق والمدن الرئيسية (مع ضرورة الاعتراف بأن مثل هذه الخطط نادراً ما عملت في العالم العربي الذي تسود فيه قاعدة: الفائز يأخذ كل شيء). كما يمكن أن يتم توجيه بعض أموال النفط إلى حساب ضمان تحت إشراف الأمم المتحدة، وبحيث يتم توزيعها على الخدمات العامة في كلا جانبي خطوط المعركة. وفي حال تم التوصل إلى اتفاق متفاوض عليه، فإنه ينبغي إرسال قوات سلام تابعة للأمم المتحدة إلى البلد.
في نهاية المطاف، ينبغي أن يكون الليبيون هم المعنيين بإنقاذ ليبيا. وينبغي أن تكون مهمتهم أسهل بكثير مما يمكن أن تكون عليه مهمة السوريين أو العراقيين أو اليمنيين، على سبيل المثال، لأن ليبيا بلد غني بعدد صغير من السكان المتجانسين إلى حد كبير فيما يتعلق بالدين والطبقة والعرق. لكنهم سيظلون في حاجة إلى المساعدة أيضاً. وفي المقابل، سوف يكون وجود ليبيا فوضوية خطيراً جداً على العالم في حال تُرك ذلك البلد ليواجه أزمته وحده.
تقرير خاص – (الإيكونوميست) ترجمة: علاء الدين أبو زينة الغد الاردنية





