الرئيسيةالاخبارالدول المتداعية: إصلاح قطاع الأمن في ليبيا واليمن

الدول المتداعية: إصلاح قطاع الأمن في ليبيا واليمن

index

انهارت الدولتان، الضعيفتان أصلاً، في ليبيا واليمن عندما أصبحت الصراعات الهادفة إلى السيطرة على قطاع الأمن في كل منهما محور السياسة الانتقالية في أعقاب الانتفاضات الشعبية في العام 2011. وبدل إصلاحه وتطويره لتعزيز الشرعية الهشّة للحكومات المؤقتة، انهار قطاع الأمن في كلٍّ من ليبيا واليمن بحلول العام 2014. ودخلت البلدان الآن في حلقة مفرغة، حيث تتطلّب إعادة بناء دول مركزية فعّالة وهويّات وطنية متماسكة إيجاد إجماع جديد حول أهداف قطاع الأمن وكيفية حوكمته، غير أن التوصّل إلى مثل هذا الاتفاق يعتمد على حلّ الانقسامات السياسية والتصدّعات الاجتماعية العميقة التي أدّت إلى الحرب الأهلية في كلا البلدين.
الفشل في مواجهة تحدّي الإصلاح
• أصبحت السيطرة على قطاع الأمن مورداً أساسياً في الميدان السياسي الليبي المُتَميِّز بشدّة التنافس وبضعفه المؤسَّسي. أما في اليمن، فقد كانت هذه السيطرة مهمّة بالنسبة لمَن يسعون إلى إعادة إنتاج النخبة السياسية القديمة.
• أدّى الصراع من أجل السيطرة إلى تفتيت قطاع الأمن في كلا البلدين، وأعاقه عن تنفيذ مهامه الأساسية، وعرقل الأجندات الإصلاحية.
• تدهورت مؤسّسات الدولة الليبية واليمنية، وتعطّلت السلطتان التنفيذية والتشريعية، وأصيبت نظم القضاء الجنائي بالشلل.
• في خضمّ تداعي مؤسّسات الدولة، همّشت الميليشياتُ الثورية القوية ومنافسون مسلحون آخرون القطاعات الأمنية الرسمية أو حلّت محلها.
• إن إعادة هيكلة القوات المسلحة الوطنية أمر ضروري في البلدان التي تمرّ بمرحلة انتقالية، مثل ليبيا واليمن. غير أن من شأن إصلاح وتطوير وزارات الداخلية والشرطة ونظم القضاء الجنائي أن يعالج احتياجات المواطنين ويساعد على إنعاش النشاط الاقتصادي وتعزيز شرعية الحكومات، مايسهّل إصلاح السياسات في مجالات أخرى.
• كانت الأطراف الخارجية مؤثّرة في إعادة هيكلة قطاع الأمن، ولكنها كانت تسعى إلى تحقيق أهداف متضاربة ولم تستثمر بالقدر الكافي سياسياً أو مادياً لتحويل الديناميات المحلية أو تغيير النتائج.
الدروس المستفادة من إصلاح قطاع الأمن في ليبيا واليمن
الشمولية والشفافية أمران ضروريان. موروثات التحزّب السياسي والاختراق المجتمعي في قطاع الأمن تجعل من المحتّم ضمّ جميع الأحزاب وممثّلي المجتمع المحلي ممَّن لديهم الاستعداد للانخراط السلمي في المناقشات حول سياسات وأولويات الإصلاح. ومن الضروري أيضاً بناء الثقة من خلال الالتزام بالشفافية التامة للمعلومات المتعلقة بحوكمة قطاع الأمن وبكيفية اتّخاذ القرارات والتعيينات في الوظائف العليا وتخصيص الميزانيات.
يجب تنسيق عمليات إعادة دمج القطاعات الأمنية. يعتبر وضع المعايير المهنية المشتركة ومعايير الأداء، ومعايير التعيين والترقية، والواجبات والاستحقاقات القانونية، وجداول الأجور وشروط الخدمة، شرطاً لاغنى عنه لتحويل ودمج الهياكل الأمنية الرسمية والبديلة.
يجب أن يكون توفير الأمن المركزي والمحلّي متوازناً. في الدول والمجتمعات المنقسمة للغاية، قد تأتي المقاربات التي تعزّز مركزية حوكمة قطاع الأمن بنتائج عكسية، فيجب أن تستكمل من خلال تطوير دور وقدرات الحكم المحلّي.
تحدّي إصلاح قطاع الأمن
عندما اندلعت الانتفاضتان الشعبيتان في ليبيا واليمن في مطلع العام 2011، اتّضح أن الدول “الأمنوقراطية” التي شيدها الزعيم الليبي معمر القذافي والرئيس اليمني علي عبد الله صالح على مدى عدة عقود عاجزة على الدفاع عن نفسها. فقد جعل انهيارُ جهاز الدولة القمعي الرسمي من إعادة هيكلة وإصلاح قطاع الأمن مهمّة مركزية للمرحلة الانتقالية في كلا البلدين بعد إطاحة القذافي وصالح. غير أن الدولتين فشلتا في تحقيق ذلك، ما أقحم ليبيا في أتون حرب أهلية، وأدّى إلى استيلاء المتمرّدين على السلطة في اليمن أعقبه تدخّل عسكري خارجي ينذر بحرب أهلية أخرى، بين أيار/مايو 2014 وآذار/مارس 2015.
كان من الضروري في أعقاب الانتفاضات الشعبية في العام 2011 إجراء تحوّل في قطاع الأمن، والذي يضمّ الشرطة والقوات شبه العسكرية وأجهزة وقوى الأمن الداخلي المتنوعة التي تعمل تحت إشراف وزارة الداخلية أو مجلس الوزراء أو الرئاسة. فقد كانت تلك الأجهزة تشكّل الدعامة الأساسية للحكم السلطوي في عهد القذافي وصالح. وكان استبدال وظيفة القطاع المتمثّلة بحماية النظام بثقافة جديدة تستند إلى مبدأ الخدمة العامة واحترام حقوق الإنسان والالتزام بسيادة القانون شرطاً مسبقاً لعملية انتقال ديمقراطي كاملة. كما كان تحقيق العدالة الانتقالية لضحايا عنف النظام خلال الانتفاضات وخلال العقود السابقة من القمع الذي مارسته الدولة يحظى بالقدر نفسه من الأهمية. علاوة على ذلك، كانت معالجة جميع هذه الاحتياجات في الدول الضعيفة والمجتمعات المنقسمة تتطلّب إيجاد توازن جديد بين أنماط الحكم المركزية واللامركزية بشأن توفير الأمن وإنفاذ القانون والنظام.
وفّرت الانتفاضتان الشعبيتان في ليبيا واليمن فرصتين سانحتين لا لبس فيهما لتحقيق هذه الإصلاحات. جاءت الفرصة الأولى عقب الزخم الأوّلي للانتفاضات ومباشرةً بعد رحيل القذافي وصالح. وحانت الفرصة الثانية مع انتخاب البرلمان الانتقالي في ليبيا في تموز/يوليو 2012 وإطلاق مؤتمر الحوار الوطني في اليمن في آذار/مارس 2013، ماوفّر للحكومات المؤقتة بعض الشرعية السياسية وصفة الشمول والتضمين الاجتماعيَّين.
في ليبيا كان المجتمع الذي عانى من أذى شديد جرّاء عقود من القمع، وسنوات طويلة من العقوبات الدولية، والحرب الأهلية في العام 2011، يتطلّع إلى قطيعة نهائية مع اعتباطية الممارسات الأمنية في عهد القذافي. وقد قوبل ذلك باستعداد منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وشركائه الإقليميين، الذين لعب تدخّلهم العسكري دوراً حاسما في إنهاء حكم القذافي، لتقديم المساعدة المادية في عملية إعادة بناء كاملة للجيش وقطاع الأمن المنهارَيْن.
وبالمثل، قام المجتمع المدني اليمني بالتعبئة بنشاط حول مطلب إصلاح قطاع الأمن، وهو المطلب الذي دعمه أيضاً الخصوم السياسيون الرئيسيون لصالح، وإن كان ذلك لأسباب تتعلّق بالمصلحة الذاتية. وقد انعكست نقطة الالتقاء هذه في مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي التي أقرّت رسمياً إعادة هيكلة القوات المسلحة باعتبارها ركيزة أساسية في اتفاق السلام الذي وافق بموجبه صالح على تسليم السلطة في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، وقدّمت بعد ذلك مساعدة لميزانية الحكومة المؤقتة.
في كلا البلدين، كانت القوات المسلحة تفتقر إلى الاستقلال السياسي أو المؤسّسي لمقاومة أو عرقلة إصلاح قطاع الأمن، على الرغم من أن عجزها عن توفير قوة موازية شجّع على ظهور العناصر المسلحة غير الخاضعة للدولة التي تحدّت سلطة الدولة ونافست قطاع الأمن الرسمي.
وعلى مايبدو فإن نقطة الالتقاء الفعّالة بين العوامل الداخلية والخارجية سمحت بوضع إعادة هيكلة قطاع الأمن على أجندات الحكومة في ليبيا واليمن بصورة رسمية. غير أن عمليات إعادة الهيكلة تعثّرت في خضمّ صراعات أوسع نطاقاً على إعادة تشكيل الدول المركزية وإعادة النظر بالعلاقات بين الدولة والمجتمع. من الناحية النظرية، كان الهدف هو إنشاء أجهزة إنفاذ قانون مدنية تعطي قيمة للكفاءة المهنية وليس للتعيين والترقية على أساس المحسوبية؛ وللحياد وليس للولاءات الشخصية أو الفئوية أو الطائفية؛ وللخدمة العامة وليس للقمع. أما عملياً، فقد كانت النتيجة إبراز الانقسامات داخل القطاعات الأمنية الممزّقة إلى حدّ الانهيار.
تحوّل قطاع الأمن في ليبيا واليمن إلى ساحة رئيسة للصراعات السياسية بعد العام 2011، حيث انزلق البلدان إلى شفا حرب أهلية بحلول منتصف العام 2014. وقد أدّى هذا الانحدار إلى صراع مسلح مفتوح منذ ذلك الحين إلى تفويت الفرصة التي أتاحها الربيع العربي لانتقال ديمقراطي حقيقي في المستقبل المنظور، وبات يهدّد قابلية الدولتين على البقاء وحتى الوجود.
انهارت الدولتان، الضعيفتان أصلاً، في ليبيا واليمن عندما أصبحت الصراعات الهادفة إلى السيطرة على قطاع الأمن في كل منهما محور السياسة الانتقالية في أعقاب الانتفاضات الشعبية في العام 2011. وبدل إصلاحه وتطويره لتعزيز الشرعية الهشّة للحكومات المؤقتة، انهار قطاع الأمن في كلٍّ من ليبيا واليمن بحلول العام 2014. ودخلت البلدان الآن في حلقة مفرغة، حيث تتطلّب إعادة بناء دول مركزية فعّالة وهويّات وطنية متماسكة إيجاد إجماع جديد حول أهداف قطاع الأمن وكيفية حوكمته، غير أن التوصّل إلى مثل هذا الاتفاق يعتمد على حلّ الانقسامات السياسية والتصدّعات الاجتماعية العميقة التي أدّت إلى الحرب الأهلية في كلا البلدين.
الفشل في مواجهة تحدّي الإصلاح
• أصبحت السيطرة على قطاع الأمن مورداً أساسياً في الميدان السياسي الليبي المُتَميِّز بشدّة التنافس وبضعفه المؤسَّسي. أما في اليمن، فقد كانت هذه السيطرة مهمّة بالنسبة لمَن يسعون إلى إعادة إنتاج النخبة السياسية القديمة.
• أدّى الصراع من أجل السيطرة إلى تفتيت قطاع الأمن في كلا البلدين، وأعاقه عن تنفيذ مهامه الأساسية، وعرقل الأجندات الإصلاحية.
• تدهورت مؤسّسات الدولة الليبية واليمنية، وتعطّلت السلطتان التنفيذية والتشريعية، وأصيبت نظم القضاء الجنائي بالشلل.
• في خضمّ تداعي مؤسّسات الدولة، همّشت الميليشياتُ الثورية القوية ومنافسون مسلحون آخرون القطاعات الأمنية الرسمية أو حلّت محلها.
• إن إعادة هيكلة القوات المسلحة الوطنية أمر ضروري في البلدان التي تمرّ بمرحلة انتقالية، مثل ليبيا واليمن. غير أن من شأن إصلاح وتطوير وزارات الداخلية والشرطة ونظم القضاء الجنائي أن يعالج احتياجات المواطنين ويساعد على إنعاش النشاط الاقتصادي وتعزيز شرعية الحكومات، مايسهّل إصلاح السياسات في مجالات أخرى.
• كانت الأطراف الخارجية مؤثّرة في إعادة هيكلة قطاع الأمن، ولكنها كانت تسعى إلى تحقيق أهداف متضاربة ولم تستثمر بالقدر الكافي سياسياً أو مادياً لتحويل الديناميات المحلية أو تغيير النتائج.
الدروس المستفادة من إصلاح قطاع الأمن في ليبيا واليمن
الشمولية والشفافية أمران ضروريان. موروثات التحزّب السياسي والاختراق المجتمعي في قطاع الأمن تجعل من المحتّم ضمّ جميع الأحزاب وممثّلي المجتمع المحلي ممَّن لديهم الاستعداد للانخراط السلمي في المناقشات حول سياسات وأولويات الإصلاح. ومن الضروري أيضاً بناء الثقة من خلال الالتزام بالشفافية التامة للمعلومات المتعلقة بحوكمة قطاع الأمن وبكيفية اتّخاذ القرارات والتعيينات في الوظائف العليا وتخصيص الميزانيات.
يجب تنسيق عمليات إعادة دمج القطاعات الأمنية. يعتبر وضع المعايير المهنية المشتركة ومعايير الأداء، ومعايير التعيين والترقية، والواجبات والاستحقاقات القانونية، وجداول الأجور وشروط الخدمة، شرطاً لاغنى عنه لتحويل ودمج الهياكل الأمنية الرسمية والبديلة.
يجب أن يكون توفير الأمن المركزي والمحلّي متوازناً. في الدول والمجتمعات المنقسمة للغاية، قد تأتي المقاربات التي تعزّز مركزية حوكمة قطاع الأمن بنتائج عكسية، فيجب أن تستكمل من خلال تطوير دور وقدرات الحكم المحلّي.
تحدّي إصلاح قطاع الأمن
عندما اندلعت الانتفاضتان الشعبيتان في ليبيا واليمن في مطلع العام 2011، اتّضح أن الدول “الأمنوقراطية” التي شيدها الزعيم الليبي معمر القذافي والرئيس اليمني علي عبد الله صالح على مدى عدة عقود عاجزة على الدفاع عن نفسها. فقد جعل انهيارُ جهاز الدولة القمعي الرسمي من إعادة هيكلة وإصلاح قطاع الأمن مهمّة مركزية للمرحلة الانتقالية في كلا البلدين بعد إطاحة القذافي وصالح. غير أن الدولتين فشلتا في تحقيق ذلك، ما أقحم ليبيا في أتون حرب أهلية، وأدّى إلى استيلاء المتمرّدين على السلطة في اليمن أعقبه تدخّل عسكري خارجي ينذر بحرب أهلية أخرى، بين أيار/مايو 2014 وآذار/مارس 2015.
كان من الضروري في أعقاب الانتفاضات الشعبية في العام 2011 إجراء تحوّل في قطاع الأمن، والذي يضمّ الشرطة والقوات شبه العسكرية وأجهزة وقوى الأمن الداخلي المتنوعة التي تعمل تحت إشراف وزارة الداخلية أو مجلس الوزراء أو الرئاسة. فقد كانت تلك الأجهزة تشكّل الدعامة الأساسية للحكم السلطوي في عهد القذافي وصالح. وكان استبدال وظيفة القطاع المتمثّلة بحماية النظام بثقافة جديدة تستند إلى مبدأ الخدمة العامة واحترام حقوق الإنسان والالتزام بسيادة القانون شرطاً مسبقاً لعملية انتقال ديمقراطي كاملة. كما كان تحقيق العدالة الانتقالية لضحايا عنف النظام خلال الانتفاضات وخلال العقود السابقة من القمع الذي مارسته الدولة يحظى بالقدر نفسه من الأهمية. علاوة على ذلك، كانت معالجة جميع هذه الاحتياجات في الدول الضعيفة والمجتمعات المنقسمة تتطلّب إيجاد توازن جديد بين أنماط الحكم المركزية واللامركزية بشأن توفير الأمن وإنفاذ القانون والنظام.
وفّرت الانتفاضتان الشعبيتان في ليبيا واليمن فرصتين سانحتين لا لبس فيهما لتحقيق هذه الإصلاحات. جاءت الفرصة الأولى عقب الزخم الأوّلي للانتفاضات ومباشرةً بعد رحيل القذافي وصالح. وحانت الفرصة الثانية مع انتخاب البرلمان الانتقالي في ليبيا في تموز/يوليو 2012 وإطلاق مؤتمر الحوار الوطني في اليمن في آذار/مارس 2013، ماوفّر للحكومات المؤقتة بعض الشرعية السياسية وصفة الشمول والتضمين الاجتماعيَّين.
كان من الضروري في أعقاب الانتفاضات الشعبية في العام 2011 إجراء تحوّل في قطاع الأمن.
في ليبيا كان المجتمع الذي عانى من أذى شديد جرّاء عقود من القمع، وسنوات طويلة من العقوبات الدولية، والحرب الأهلية في العام 2011، يتطلّع إلى قطيعة نهائية مع اعتباطية الممارسات الأمنية في عهد القذافي. وقد قوبل ذلك باستعداد منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وشركائه الإقليميين، الذين لعب تدخّلهم العسكري دوراً حاسما في إنهاء حكم القذافي، لتقديم المساعدة المادية في عملية إعادة بناء كاملة للجيش وقطاع الأمن المنهارَيْن.
وبالمثل، قام المجتمع المدني اليمني بالتعبئة بنشاط حول مطلب إصلاح قطاع الأمن، وهو المطلب الذي دعمه أيضاً الخصوم السياسيون الرئيسيون لصالح، وإن كان ذلك لأسباب تتعلّق بالمصلحة الذاتية. وقد انعكست نقطة الالتقاء هذه في مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي التي أقرّت رسمياً إعادة هيكلة القوات المسلحة باعتبارها ركيزة أساسية في اتفاق السلام الذي وافق بموجبه صالح على تسليم السلطة في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، وقدّمت بعد ذلك مساعدة لميزانية الحكومة المؤقتة.
في كلا البلدين، كانت القوات المسلحة تفتقر إلى الاستقلال السياسي أو المؤسّسي لمقاومة أو عرقلة إصلاح قطاع الأمن، على الرغم من أن عجزها عن توفير قوة موازية شجّع على ظهور العناصر المسلحة غير الخاضعة للدولة التي تحدّت سلطة الدولة ونافست قطاع الأمن الرسمي.
وعلى مايبدو فإن نقطة الالتقاء الفعّالة بين العوامل الداخلية والخارجية سمحت بوضع إعادة هيكلة قطاع الأمن على أجندات الحكومة في ليبيا واليمن بصورة رسمية. غير أن عمليات إعادة الهيكلة تعثّرت في خضمّ صراعات أوسع نطاقاً على إعادة تشكيل الدول المركزية وإعادة النظر بالعلاقات بين الدولة والمجتمع. من الناحية النظرية، كان الهدف هو إنشاء أجهزة إنفاذ قانون مدنية تعطي قيمة للكفاءة المهنية وليس للتعيين والترقية على أساس المحسوبية؛ وللحياد وليس للولاءات الشخصية أو الفئوية أو الطائفية؛ وللخدمة العامة وليس للقمع. أما عملياً، فقد كانت النتيجة إبراز الانقسامات داخل القطاعات الأمنية الممزّقة إلى حدّ الانهيار.
تحوّل قطاع الأمن في ليبيا واليمن إلى ساحة رئيسة للصراعات السياسية بعد العام 2011، حيث انزلق البلدان إلى شفا حرب أهلية بحلول منتصف العام 2014. وقد أدّى هذا الانحدار إلى صراع مسلح مفتوح منذ ذلك الحين إلى تفويت الفرصة التي أتاحها الربيع العربي لانتقال ديمقراطي حقيقي في المستقبل المنظور، وبات يهدّد قابلية الدولتين على البقاء وحتى الوجود.
أولويات لم تتم متابعتها
اختلفت ظروف ومسار إصلاح قطاع الأمن في ليبيا واليمن بعد العام 2011 إلى حدّ كبير، غير أنها كانت تشترك في العديد من الخصائص الرئيسة التي تميّزها بصورة ملحوظة عن التجارب الموازية في كل من مصر وتونس، وهما البلدان الآخران اللذين شهدا عمليات انتقال سياسي في أعقاب الربيع العربي.*
من الناحية الإيجابية، تميّزت ليبيا واليمن بالالتزام الرسمي من جانب السلطات الانتقالية بعد الانتفاضة بإصلاح قطاع الأمن منذ البداية، وهو الأمر الذي كانت تفتقر إليه نظيرتاها في مصر وتونس. كما دعمت الأطراف الخارجية القوية هذا الجهد، وهي تشمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، وأعضاء آخرين في حلف شمال الأطلسي والدول العربية بما فيها الأردن وقطر، ودول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة. وفي الوقت نفسه، سعت البعثات الرسمية التابعة للأمم المتحدة في كلا البلدين إلى تحديد الأولويات، وتنسيق المعونة والمشورة، وتشجيع ورصد التقدم الذي تم إحرازه.
من الناحية السلبية، خسر قطاعا الأمن المُتَشظّيان في ليبيا واليمن ماتبقّى من تماسكهما المؤسّسي في أعقاب رحيل الزعيمَين السابقَين اللذين ربطا القطاعين بإرادتهما، على عكس ما حصل لدى قطاعَي الأمن في مصر وتونس اللذين اكتسبا المزيد من الاستقلالية حيال حكوماتهما المؤقتة بعد الانتفاضة. كان قطاعا الأمن في ليبيا و اليمن قد تعرّضا إلى عملية تجزئة إلى شبكات موازية على أساس المحسوبية والولاء الشخصي للقادة، والتي كانت توصل في نهاية المطاف إلى القذافي وصالح والدائرة الخاصة حولهما من المقرّبين والأقارب. وقد تفاقمت هذه العملية بدل أن تتلاشى في أعقاب الانتفاضات.
جرت إعادة ترتيب الولاء وفق خطوط متعدّدة توصل إلى خصوم سياسيين عدة متعارضين بشدة، بدلاً من صانع قرار أوحد، ما أسفر عن المزيد من الانهيار في هياكل القيادة الداخلية. ولعل هذا هو ماجعل من الصعب على الموالين للقذافي وصالح القيام بأي مسعى جماعي على مستوى القطاع لعرقلة الإصلاحات في ليبيا واليمن، كما فعل الموالون للنظام القديم في مصر، خاصة، وفي تونس. غير أن الموالين ظلوا يتمركزون في القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، التي كانت تشكّل الكتلة الحرجة للنظامين السابقين وكانت دائماً معاقل قوة النظام.
نتيجة لذلك، جسّدت إعادة بناء القوات المسلحة الوطنية أولوية رئيسة في ليبيا واليمن من أجل تفكيك المحميات الموالية، كما كانت المحاولة الموازية لنزع سلاح وتسريح وإعادة دمج الجماعات المتمرّدة والميليشيات الثورية التي نشأت أثناء الانتفاضات، أو في وقت سابق في حالة اليمن. غير أن إصلاح قطاع الأمن، الذي يتمثّل في تحسين القدرات المهنية والكفاءة لقوات الشرطة والفروع الأخرى التي تخضع إلى سلطة وزارات الداخلية، وكذلك ضمان تطبيق العدالة الانتقالية، لم يكن أقل إلحاحاً. ولأن قوات الشرطة كانت تحتلّ مرتبة متدنّية في قطاعي الأمن في كلا البلدين قبل العام 2011 ولم تكن هدفاً للكراهية الشديدة، فقد كانت هناك فرصة للارتقاء بقدراتها وردّ الاعتبار لسمعتها.
كان إصلاح قطاع الأمن يعني إعادة النظر في الإطار التشريعي المنظّم للشرطة في اليمن أو إنشائه في ليبيا، وتشكيل فرق إعادة هيكلة رسمية داخل وزارات الداخلية (كما فعل اليمن)، وإطلاق برامج واسعة لتطوير المهارات المهنية، ومراجعة جدول الرواتب وظروف الخدمة، واستحداث عمليات مراجعة وآليات شكوى واضحة لموظفي قطاع الأمن. وفي الوقت نفسه، كان ينبغي متابعة هذه التحسينات باعتبارها جزءاً من حزمة تركّز على إنهاء ثقافة إفلات قطاع الأمن من المحاسبة والعقاب ومنع إعادة إنتاجها بين الجماعات المسلحة والهيئات غير الرسمية التي أصبحت توفّر الأمن وبعض الخدمات القضائية المحدودة بعد العام 2011. وأخيرا وليس آخراً، كانت المناقشات الشاملة بشأن إلغاء الطابع المركزي لبعض جوانب حوكمة الأمن وإنفاذ القانون ذات أهمية بالغة بهدف احتواء القوى النابذة القوية التي أطلق لها العنان انهيار الدولتين الليبية واليمنية. وقد كان بوسع استحداث هيئات عامة تضم ممثّلين رفيعي المستوى من وزارات الداخلية، وفرق التغيير في قطاع الأمن، والقضاء والنيابة العامة، وممثلي الأحزاب البرلمانية والمجتمع المدني، أن يضمنوا الشفافية، وهي أمر ضروري في جميع تلك العمليات.
حقيقة إدراج العديد من هذه التدابير أو المقترحات في “مؤتمر الحوار الوطني” في اليمن، تُظهِر أنه كان بالإمكان تبنيها والسعي من أجلها فعلياً. غير أنه لم تجرِ حتى محاولة تنفيذ سوى القليل منها، ولم يتم استكمال أي منها تقريباً، فعلياً، سواء في اليمن أو في ليبيا. علاوة على ذلك تبيّن أن الدعم الخارجي لإصلاح قطاع الأمن الليبي واليمني ضعيف وغير متناسق، كما أن البلدان التي قدمت الدعم سعت مراراً وتكراراً لتحقيق أهداف متعارضة.
انهارت الدولتان، الضعيفتان أصلاً، في ليبيا واليمن عندما أصبحت الصراعات الهادفة إلى السيطرة على قطاع الأمن في كل منهما محور السياسة الانتقالية في أعقاب الانتفاضات الشعبية في العام 2011. وبدل إصلاحه وتطويره لتعزيز الشرعية الهشّة للحكومات المؤقتة، انهار قطاع الأمن في كلٍّ من ليبيا واليمن بحلول العام 2014. ودخلت البلدان الآن في حلقة مفرغة، حيث تتطلّب إعادة بناء دول مركزية فعّالة وهويّات وطنية متماسكة إيجاد إجماع جديد حول أهداف قطاع الأمن وكيفية حوكمته، غير أن التوصّل إلى مثل هذا الاتفاق يعتمد على حلّ الانقسامات السياسية والتصدّعات الاجتماعية العميقة التي أدّت إلى الحرب الأهلية في كلا البلدين.
الفشل في مواجهة تحدّي الإصلاح
• أصبحت السيطرة على قطاع الأمن مورداً أساسياً في الميدان السياسي الليبي المُتَميِّز بشدّة التنافس وبضعفه المؤسَّسي. أما في اليمن، فقد كانت هذه السيطرة مهمّة بالنسبة لمَن يسعون إلى إعادة إنتاج النخبة السياسية القديمة.
• أدّى الصراع من أجل السيطرة إلى تفتيت قطاع الأمن في كلا البلدين، وأعاقه عن تنفيذ مهامه الأساسية، وعرقل الأجندات الإصلاحية.
• تدهورت مؤسّسات الدولة الليبية واليمنية، وتعطّلت السلطتان التنفيذية والتشريعية، وأصيبت نظم القضاء الجنائي بالشلل.
• في خضمّ تداعي مؤسّسات الدولة، همّشت الميليشياتُ الثورية القوية ومنافسون مسلحون آخرون القطاعات الأمنية الرسمية أو حلّت محلها.
• إن إعادة هيكلة القوات المسلحة الوطنية أمر ضروري في البلدان التي تمرّ بمرحلة انتقالية، مثل ليبيا واليمن. غير أن من شأن إصلاح وتطوير وزارات الداخلية والشرطة ونظم القضاء الجنائي أن يعالج احتياجات المواطنين ويساعد على إنعاش النشاط الاقتصادي وتعزيز شرعية الحكومات، مايسهّل إصلاح السياسات في مجالات أخرى.
• كانت الأطراف الخارجية مؤثّرة في إعادة هيكلة قطاع الأمن، ولكنها كانت تسعى إلى تحقيق أهداف متضاربة ولم تستثمر بالقدر الكافي سياسياً أو مادياً لتحويل الديناميات المحلية أو تغيير النتائج.
الدروس المستفادة من إصلاح قطاع الأمن في ليبيا واليمن
الشمولية والشفافية أمران ضروريان. موروثات التحزّب السياسي والاختراق المجتمعي في قطاع الأمن تجعل من المحتّم ضمّ جميع الأحزاب وممثّلي المجتمع المحلي ممَّن لديهم الاستعداد للانخراط السلمي في المناقشات حول سياسات وأولويات الإصلاح. ومن الضروري أيضاً بناء الثقة من خلال الالتزام بالشفافية التامة للمعلومات المتعلقة بحوكمة قطاع الأمن وبكيفية اتّخاذ القرارات والتعيينات في الوظائف العليا وتخصيص الميزانيات.
يجب تنسيق عمليات إعادة دمج القطاعات الأمنية. يعتبر وضع المعايير المهنية المشتركة ومعايير الأداء، ومعايير التعيين والترقية، والواجبات والاستحقاقات القانونية، وجداول الأجور وشروط الخدمة، شرطاً لاغنى عنه لتحويل ودمج الهياكل الأمنية الرسمية والبديلة.
يجب أن يكون توفير الأمن المركزي والمحلّي متوازناً. في الدول والمجتمعات المنقسمة للغاية، قد تأتي المقاربات التي تعزّز مركزية حوكمة قطاع الأمن بنتائج عكسية، فيجب أن تستكمل من خلال تطوير دور وقدرات الحكم المحلّي.
تحدّي إصلاح قطاع الأمن
عندما اندلعت الانتفاضتان الشعبيتان في ليبيا واليمن في مطلع العام 2011، اتّضح أن الدول “الأمنوقراطية” التي شيدها الزعيم الليبي معمر القذافي والرئيس اليمني علي عبد الله صالح على مدى عدة عقود عاجزة على الدفاع عن نفسها. فقد جعل انهيارُ جهاز الدولة القمعي الرسمي من إعادة هيكلة وإصلاح قطاع الأمن مهمّة مركزية للمرحلة الانتقالية في كلا البلدين بعد إطاحة القذافي وصالح. غير أن الدولتين فشلتا في تحقيق ذلك، ما أقحم ليبيا في أتون حرب أهلية، وأدّى إلى استيلاء المتمرّدين على السلطة في اليمن أعقبه تدخّل عسكري خارجي ينذر بحرب أهلية أخرى، بين أيار/مايو 2014 وآذار/مارس 2015.
كان من الضروري في أعقاب الانتفاضات الشعبية في العام 2011 إجراء تحوّل في قطاع الأمن، والذي يضمّ الشرطة والقوات شبه العسكرية وأجهزة وقوى الأمن الداخلي المتنوعة التي تعمل تحت إشراف وزارة الداخلية أو مجلس الوزراء أو الرئاسة. فقد كانت تلك الأجهزة تشكّل الدعامة الأساسية للحكم السلطوي في عهد القذافي وصالح. وكان استبدال وظيفة القطاع المتمثّلة بحماية النظام بثقافة جديدة تستند إلى مبدأ الخدمة العامة واحترام حقوق الإنسان والالتزام بسيادة القانون شرطاً مسبقاً لعملية انتقال ديمقراطي كاملة. كما كان تحقيق العدالة الانتقالية لضحايا عنف النظام خلال الانتفاضات وخلال العقود السابقة من القمع الذي مارسته الدولة يحظى بالقدر نفسه من الأهمية. علاوة على ذلك، كانت معالجة جميع هذه الاحتياجات في الدول الضعيفة والمجتمعات المنقسمة تتطلّب إيجاد توازن جديد بين أنماط الحكم المركزية واللامركزية بشأن توفير الأمن وإنفاذ القانون والنظام.
وفّرت الانتفاضتان الشعبيتان في ليبيا واليمن فرصتين سانحتين لا لبس فيهما لتحقيق هذه الإصلاحات. جاءت الفرصة الأولى عقب الزخم الأوّلي للانتفاضات ومباشرةً بعد رحيل القذافي وصالح. وحانت الفرصة الثانية مع انتخاب البرلمان الانتقالي في ليبيا في تموز/يوليو 2012 وإطلاق مؤتمر الحوار الوطني في اليمن في آذار/مارس 2013، ماوفّر للحكومات المؤقتة بعض الشرعية السياسية وصفة الشمول والتضمين الاجتماعيَّين.
كان من الضروري في أعقاب الانتفاضات الشعبية في العام 2011 إجراء تحوّل في قطاع الأمن.
في ليبيا كان المجتمع الذي عانى من أذى شديد جرّاء عقود من القمع، وسنوات طويلة من العقوبات الدولية، والحرب الأهلية في العام 2011، يتطلّع إلى قطيعة نهائية مع اعتباطية الممارسات الأمنية في عهد القذافي. وقد قوبل ذلك باستعداد منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وشركائه الإقليميين، الذين لعب تدخّلهم العسكري دوراً حاسما في إنهاء حكم القذافي، لتقديم المساعدة المادية في عملية إعادة بناء كاملة للجيش وقطاع الأمن المنهارَيْن.
وبالمثل، قام المجتمع المدني اليمني بالتعبئة بنشاط حول مطلب إصلاح قطاع الأمن، وهو المطلب الذي دعمه أيضاً الخصوم السياسيون الرئيسيون لصالح، وإن كان ذلك لأسباب تتعلّق بالمصلحة الذاتية. وقد انعكست نقطة الالتقاء هذه في مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي التي أقرّت رسمياً إعادة هيكلة القوات المسلحة باعتبارها ركيزة أساسية في اتفاق السلام الذي وافق بموجبه صالح على تسليم السلطة في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، وقدّمت بعد ذلك مساعدة لميزانية الحكومة المؤقتة.
في كلا البلدين، كانت القوات المسلحة تفتقر إلى الاستقلال السياسي أو المؤسّسي لمقاومة أو عرقلة إصلاح قطاع الأمن، على الرغم من أن عجزها عن توفير قوة موازية شجّع على ظهور العناصر المسلحة غير الخاضعة للدولة التي تحدّت سلطة الدولة ونافست قطاع الأمن الرسمي.
وعلى مايبدو فإن نقطة الالتقاء الفعّالة بين العوامل الداخلية والخارجية سمحت بوضع إعادة هيكلة قطاع الأمن على أجندات الحكومة في ليبيا واليمن بصورة رسمية. غير أن عمليات إعادة الهيكلة تعثّرت في خضمّ صراعات أوسع نطاقاً على إعادة تشكيل الدول المركزية وإعادة النظر بالعلاقات بين الدولة والمجتمع. من الناحية النظرية، كان الهدف هو إنشاء أجهزة إنفاذ قانون مدنية تعطي قيمة للكفاءة المهنية وليس للتعيين والترقية على أساس المحسوبية؛ وللحياد وليس للولاءات الشخصية أو الفئوية أو الطائفية؛ وللخدمة العامة وليس للقمع. أما عملياً، فقد كانت النتيجة إبراز الانقسامات داخل القطاعات الأمنية الممزّقة إلى حدّ الانهيار.
تحوّل قطاع الأمن في ليبيا واليمن إلى ساحة رئيسة للصراعات السياسية بعد العام 2011، حيث انزلق البلدان إلى شفا حرب أهلية بحلول منتصف العام 2014. وقد أدّى هذا الانحدار إلى صراع مسلح مفتوح منذ ذلك الحين إلى تفويت الفرصة التي أتاحها الربيع العربي لانتقال ديمقراطي حقيقي في المستقبل المنظور، وبات يهدّد قابلية الدولتين على البقاء وحتى الوجود.
أولويات لم تتم متابعتها
اختلفت ظروف ومسار إصلاح قطاع الأمن في ليبيا واليمن بعد العام 2011 إلى حدّ كبير، غير أنها كانت تشترك في العديد من الخصائص الرئيسة التي تميّزها بصورة ملحوظة عن التجارب الموازية في كل من مصر وتونس، وهما البلدان الآخران اللذين شهدا عمليات انتقال سياسي في أعقاب الربيع العربي.*
من الناحية الإيجابية، تميّزت ليبيا واليمن بالالتزام الرسمي من جانب السلطات الانتقالية بعد الانتفاضة بإصلاح قطاع الأمن منذ البداية، وهو الأمر الذي كانت تفتقر إليه نظيرتاها في مصر وتونس. كما دعمت الأطراف الخارجية القوية هذا الجهد، وهي تشمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، وأعضاء آخرين في حلف شمال الأطلسي والدول العربية بما فيها الأردن وقطر، ودول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة. وفي الوقت نفسه، سعت البعثات الرسمية التابعة للأمم المتحدة في كلا البلدين إلى تحديد الأولويات، وتنسيق المعونة والمشورة، وتشجيع ورصد التقدم الذي تم إحرازه.
تحوّل قطاع الأمن في ليبيا واليمن إلى ساحة رئيسة للصراعات السياسية بعد العام 2011، حيث انزلق البلدان إلى شفا حرب أهلية بحلول منتصف العام 2014.
من الناحية السلبية، خسر قطاعا الأمن المُتَشظّيان في ليبيا واليمن ماتبقّى من تماسكهما المؤسّسي في أعقاب رحيل الزعيمَين السابقَين اللذين ربطا القطاعين بإرادتهما، على عكس ما حصل لدى قطاعَي الأمن في مصر وتونس اللذين اكتسبا المزيد من الاستقلالية حيال حكوماتهما المؤقتة بعد الانتفاضة. كان قطاعا الأمن في ليبيا و اليمن قد تعرّضا إلى عملية تجزئة إلى شبكات موازية على أساس المحسوبية والولاء الشخصي للقادة، والتي كانت توصل في نهاية المطاف إلى القذافي وصالح والدائرة الخاصة حولهما من المقرّبين والأقارب. وقد تفاقمت هذه العملية بدل أن تتلاشى في أعقاب الانتفاضات.
جرت إعادة ترتيب الولاء وفق خطوط متعدّدة توصل إلى خصوم سياسيين عدة متعارضين بشدة، بدلاً من صانع قرار أوحد، ما أسفر عن المزيد من الانهيار في هياكل القيادة الداخلية. ولعل هذا هو ماجعل من الصعب على الموالين للقذافي وصالح القيام بأي مسعى جماعي على مستوى القطاع لعرقلة الإصلاحات في ليبيا واليمن، كما فعل الموالون للنظام القديم في مصر، خاصة، وفي تونس. غير أن الموالين ظلوا يتمركزون في القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، التي كانت تشكّل الكتلة الحرجة للنظامين السابقين وكانت دائماً معاقل قوة النظام.
نتيجة لذلك، جسّدت إعادة بناء القوات المسلحة الوطنية أولوية رئيسة في ليبيا واليمن من أجل تفكيك المحميات الموالية، كما كانت المحاولة الموازية لنزع سلاح وتسريح وإعادة دمج الجماعات المتمرّدة والميليشيات الثورية التي نشأت أثناء الانتفاضات، أو في وقت سابق في حالة اليمن. غير أن إصلاح قطاع الأمن، الذي يتمثّل في تحسين القدرات المهنية والكفاءة لقوات الشرطة والفروع الأخرى التي تخضع إلى سلطة وزارات الداخلية، وكذلك ضمان تطبيق العدالة الانتقالية، لم يكن أقل إلحاحاً. ولأن قوات الشرطة كانت تحتلّ مرتبة متدنّية في قطاعي الأمن في كلا البلدين قبل العام 2011 ولم تكن هدفاً للكراهية الشديدة، فقد كانت هناك فرصة للارتقاء بقدراتها وردّ الاعتبار لسمعتها.
كان إصلاح قطاع الأمن يعني إعادة النظر في الإطار التشريعي المنظّم للشرطة في اليمن أو إنشائه في ليبيا، وتشكيل فرق إعادة هيكلة رسمية داخل وزارات الداخلية (كما فعل اليمن)، وإطلاق برامج واسعة لتطوير المهارات المهنية، ومراجعة جدول الرواتب وظروف الخدمة، واستحداث عمليات مراجعة وآليات شكوى واضحة لموظفي قطاع الأمن. وفي الوقت نفسه، كان ينبغي متابعة هذه التحسينات باعتبارها جزءاً من حزمة تركّز على إنهاء ثقافة إفلات قطاع الأمن من المحاسبة والعقاب ومنع إعادة إنتاجها بين الجماعات المسلحة والهيئات غير الرسمية التي أصبحت توفّر الأمن وبعض الخدمات القضائية المحدودة بعد العام 2011. وأخيرا وليس آخراً، كانت المناقشات الشاملة بشأن إلغاء الطابع المركزي لبعض جوانب حوكمة الأمن وإنفاذ القانون ذات أهمية بالغة بهدف احتواء القوى النابذة القوية التي أطلق لها العنان انهيار الدولتين الليبية واليمنية. وقد كان بوسع استحداث هيئات عامة تضم ممثّلين رفيعي المستوى من وزارات الداخلية، وفرق التغيير في قطاع الأمن، والقضاء والنيابة العامة، وممثلي الأحزاب البرلمانية والمجتمع المدني، أن يضمنوا الشفافية، وهي أمر ضروري في جميع تلك العمليات.
حقيقة إدراج العديد من هذه التدابير أو المقترحات في “مؤتمر الحوار الوطني” في اليمن، تُظهِر أنه كان بالإمكان تبنيها والسعي من أجلها فعلياً. غير أنه لم تجرِ حتى محاولة تنفيذ سوى القليل منها، ولم يتم استكمال أي منها تقريباً، فعلياً، سواء في اليمن أو في ليبيا. علاوة على ذلك تبيّن أن الدعم الخارجي لإصلاح قطاع الأمن الليبي واليمني ضعيف وغير متناسق، كما أن البلدان التي قدمت الدعم سعت مراراً وتكراراً لتحقيق أهداف متعارضة.
إيصال قطاعات الأمن إلى حدّ الانهيار
إن اصطفاف العناصر الأساسية العاملة من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى، كان مؤاتياً في البداية للقيام بعملية إصلاح ناجحة لقطاع الأمن في ليبيا واليمن. غير أن التنافس السياسي في إطار دول ضعيفة التكوين ومجتمعات منقسمة وعمليات ديمقراطية وليدة أو سيئة التنظيم أثبت ضرره بصورة خاصة. وعندما تراجعت الفرصة لإصلاح قطاع الأمن، تحوّلت العملية السياسية المُتَمَحْوِرَة حولها إلى صراع مرير للسيطرة على قطاعي الأمن في ليبيا واليمن وهو الصراع الذي أدّى إلى تفكيكهما في نهاية المطاف.
التدابير المرتجلة والقواعد القديمة: كان إصلاح قطاع الأمن معوَّقاً بسبب عدم وجود قواعد متّفق عليها لتنظيم النظام السياسي الانتقالي وغياب الأطر القانونية والرقابية الفعّالة. ففي ليبيا، التي شهدت تغييراً جذرياً للنظام، لم تكن لدى “المؤتمر الوطني العام” الذي انتخب في تموز/يوليو 2012 سوى فكرة بسيطة عن العمليات التشريعية وفكرة أقل عن كيفية وضع أساس قانوني متين لقطاع الأمن. وبالتالي أصبحت التدابير الظرفية أو المرتجلة هي القاعدة. استفاد قطاع الأمن في اليمن بالمقابل من هيكل قانوني أكثر تطوراً، وجهد لإعادة الهيكلة مصمّم بصورة احترافية، ونشاط كبير من جانب المجتمع المدني. غير أن بقاء وإعادة إنتاج جزء كبير من النظام السياسي القديم كان يعني أن القواعد القديمة ظلت تحكم مقاربة الإصلاح، مازاد من تدهور قطاع الأمن اليمني.
إبراز الانقسامات: تأثّر الإصلاح أيضاً بانقسام ثلاثي داخل قطاع الأمن في ليبيا واليمن، وفق أسس جيلية وإقليمية (جهوية) وإيديولوجية بوجه عام، وفي إطار أوسع من المشاطرة بين معسكر النظام القديم والمعسكر الثوري. وقد أدّى ذلك إلى إبراز الانقسامات داخل القطاعات الأمنية المفكّكة والمنظّمة حول شبكات غير رسمية تقوم على المحسوبية والولاء السياسي، وهي الأمور التي عكست بالفعل الانقسامات الاجتماعية العميقة. ونتيجة لذلك، انتقلت بؤرة الصراعات السياسية على قطاع الأمن من داخل الحكومات المؤقتة إلى المجتمع ككل، ما أدّى إلى إضعاف القطاع الرسمي وتعزيز دور مقدّمي الخدمات الأمنية البديلة أو الموازية.
الأمن الهجين مقابل الأمن البديل: أتاحت موروثات الدولة الضعيفة والصراعات الحادّة على إعادة تشكيل النظم السياسية الانتقالية للجهات الفاعلة المسلحة غير الخاضعة للدولة بأن تتمتّع باستقلالية كبيرة في ليبيا واليمن. وردّت السلطات الانتقالية الليبية بإضفاء الشرعية على الميليشيات الثورية باعتبارها هياكل أمنية هجينة ترعاها الدولة، في حين أعادت نظيرتها في اليمن إنتاج النمط القديم المتمثّل بالتنازل عن قدر كبير من السيطرة والمراقبة الاجتماعية لصالح مقدّمي الخدمات الأمنية البديلة. وفي كلا البلدين، أصبحت الهياكل الأمنية الهجينة أو البديلة موازية لقطاع الأمن الرسمي أو حتى متفوّقة عليه.
الغثّ مقابل السمين: كان الصراع بين معسكر النظام القديم والمعسكر الثوري عنيفاً خصوصاً في ليبيا، مايجعل من المستحيل تقريباً عدم فقدان سمين أفراد قطاع الأمن المدرّبين والمتمرّسين مهنياً عند التخلّص من غثّ العناصر المتّهَمين بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان أو بالفساد في السابق ومن موالي القذافي العنيدين. بالمقابل، في اليمن حالت حرب المناصب التي تشنها شرائح النخبة المتنافسة التي واصلت الهيمنة على الحياة السياسية الرسمية دون إجراء تغيير كبير في قطاع الأمن (السمين) في حين أبقت على كل غثّ النظام، ما أدّى إلى انهيار نظام الأمن بصورة كاملة.
إعادة هيكلة قطاع الأمن الليبي: العيوب القاتلة
تمثّل ليبيا حالة متطرّفة للعملية السياسية المحيطة بإصلاح قطاع الأمن. ذلك أن محاولتها القيام بعملية إعادة بناء شاملة لقطاع الأمن تجاوزت كل ماتمّت تجربته في بلدان الربيع العربي الأخرى، غير أن هذه المحاولة انتهت في نهاية المطاف بفشل مدوٍّ خلّف في البلاد حكومتين متحاربتين، لكل منهما هيكلها الأمني المختلّ.
كان ينبغي للدور العسكري الكبير لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والحكومات الأجنبية في إسقاط نظام القذافي ومساهمتها، جنباً إلى جنب مع الأمم المتحدة، في عملية إعادة الإعمار بعد الانتفاضة، أن يحدث فارقاً حاسماً لإصلاح قطاع الأمن في ليبيا. غير أن عدم وجود قوة دولية لتحقيق الاستقرار على الأرض، وتردّد حلف (الناتو) في المشاركة في بناء الدولة، والمستويات المتواضعة من المساعدات المادية الفعلية، والتركيز على مكافحة الإرهاب، جنباً إلى جنب مع انعدام ثقة المقاتلين الثوار بالأجانب، حدّ بشدّة من إمكانية إحداث تأثير إيجابي.
بدل ذلك تشكّلت عملية إصلاح قطاع الأمن أساساً عبر الصراعات المحلية على السلطة بين الليبيين أنفسهم، غالباً على مستوى المناطق والأقضية، والبلدات، وحتى العشيرة أو العائلة الواحدة. وفي غياب قواعد متَّفق عليها بشأن تسيير أعمال الحكومة، غدا قطاع الأمن ساحة للاعبين السياسيين المخضرمين مثل جماعة الإخوان المسلمين، وضباط النظام القديم في ماتبقّى من الشرطة وخصوصاً الجيش المتطلّعين إلى ردّ الأمور إلى سوابقها، ممن تستبدّ بهم شهوة الانتقام فيما تبقّى من الشرطة وخصوصاً الجيش، والميليشيات الثورية الهائجة التي ظهرت إلى حيّز الوجود خلال الانتفاضة وبعد سقوط القذافي، لأخذ مكانهم في السياسة الجديدة في ليبيا.
استمرّت أحزاب وكتل سياسية عديدة في المناورة للحصول على موقع داخل الحكومة الليبية المؤقتة وفي البرلمان ومجلس الوزراء اللذين تشكّلا في أعقاب الانتخابات العامة التي جرت في تموز/يوليو 2012. شملت هذه الجماعات نشطاء معارضين علمانيين، كان بعضهم قد عاد مؤخراً من المنفى؛ وجماعة الإخوان المسلمين وذراعها في البرلمان، حزب العدالة والبناء؛ والإسلاميين السلفيين؛ وتحالف القوى الوطنية “الليبرالي” الذي حقق فوزاً ساحقاً. سعى هؤلاء جميعاً إلى التقدّم على منافسيهم من خلال كسب حلفاء في قطاع الأمن الرسمي أو في أوساط الميليشيات الثورية، ما أدّى إلى تقويض عملية إعادة الهيكلة عبر تحويلها إلى وسيلة للنهوض بمناطق ومجتمعات محليّة معيّنة أو تهميش أخرى واستهداف الخصوم السياسيين. ولذلك، فقد أقحموا جميعاً النظام السياسي الناشئ في المواجهة المسلحة المفتوحة التي بدأت في أيار/مايو 2014.
إرث القذافي
يعود الفضل في هذه النتيجة إلى الإرث الوخيم لحاكم ليبيا السابق العقيد معمر القذافي. فقد ألغى القذافي دستور البلاد بعد تولّيه السلطة في العام 1969، واستعاض عنه بنظام شخصاني ومتقلّب للغاية يتكوّن من هيئات وإجراءات أبقت السلطة الحقيقية في يديه، ودمّرت العملية البيروقراطية والإجراء الحكومي النظامي من الداخل.
كان المجتمع المدني يعكس ضعف مؤسّسات الدولة. فقد أبرز الحظر الذي استمر أربعة عقود على الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية وهيئات المجتمع المدني التمثيلية أو المستقلة الأخرى، الانقسامات القبلية والإقليمية والإثنية، ونسخها داخل أجهزة الدولة، بما في ذلك قطاع الأمن. وبالقدر نفسه من الأهمية حرم الحظر الأطراف الفاعلة السياسية والاجتماعية التي ظهرت في ليبيا بعد العام 2011 من الخبرات المشتركة للعمل الجماعي والتفاوض وتحديد الأهداف.
كانت الآثار المترتّبة على قطاع الأمن جرّاء ذلك صارخة. فقد أسّس القذافي الهياكل الأمنية وقوات حماية النظام الموازية وغير الرسمية المتعدّدة، معتمداً إلى حدّ كبير على الانتماءات القبلية والإقليمية لضمان الولاء، ومؤكّداً على العلاقات والتراتبية القيادية غير الرسمية. تم إفراغ الشرطة الوطنية والقوات المسلحة من مضمونها قبل وقت طويل من انتفاضة العام 2011، وظلت تعاني من ضعف التجهيز ونقص الأعداد والتضخّم في المراتب العليا.1 وبدل أن يلغي إسقاط القذافي هذه الاتجاهات المختلفة باعتباره الركيزة الأساسية للنظام الأمني، فإنه عزّزها.
حلول مرتجلة لمشاكل ملحّة
التغيير الكامل للنظام كان يعني أن المعارضين والمنفيّين السابقين الذين شكّلوا السلطة الحاكمة الجديدة للبلاد، “المجلس الوطني الانتقالي”، والمجلس التشريعي الذي أعقبه في منتصف العام 2012، يفتقرون إلى أي خبرة سابقة في إدارة قطاع الأمن. وقد حالت قلّة الخبرة وانعدام الثقة المتبادلة بينهم وبين محاباة قطاعي الأمن الرسمي وغير الرسمي وممارسة السيطرة الفعلية عليهما بالطريقة التي كان القذافي يفعلها في السابق. وبالتالي، فقد استجابوا للتحدّي المتمثّل بإصلاح قطاع الأمن بتدابير مرتجلة.
في أعقاب سقوط نظام القذافي مباشرة، كانت الشرطة الوطنية في ليبيا في حالة من الانهيار التام، فيما كانت أجهزة الاستخبارات تعاني من التخبّط المُطلَق، كما أن وزارتي الداخلية والدفاع كانت قد “فقدتا رأسهما من جهة، في حين بُتِرَت ساقاهما من جهة أخرى”، وفقاً لقول جوزيف ووكر-كازنز، الذي عمل آنذاك مستشاراً للمبعوث الخاص للمملكة المتحدة لشؤون تحقيق الاستقرار في ليبيا.2
فعل المجلس الوطني الانتقالي ما استطاع، فقام بحملة تطهير لمئات ضباط الشرطة من عهد القذافي، وعيّن رئيساً جديداً لجهاز الأمن الخارجي، التي تم تغيير اسمه ليصبح جهاز المخابرات الليبية في حزيران/يونيو 2012، وأوكلت إليه وظيفة إضافية تتعلق بالأمن الداخلي.3 وبطريقة مشابهة، أنشأ البرلمان الذي خلف المجلس الوطني الانتقالي، قوة حماية مسلحة خاصة به كإجراء آني في كانون الثاني/يناير 2013، بعد أن وجد أنه لايمكنه الاعتماد على الشرطة لتوفير الأمن له.4
في موازاة ذلك، سعى المجلس الوطني الانتقالي إلى نزع سلاح وتسريح أو دمج عشرات الميليشيات الثورية التي كانت قد نشأت في جميع أنحاء البلاد أثناء النزاع المسلح، والتي أخذت على عاتقها الآن المهام الأمنية الأساسية. وبهدف المساعدة في عودتهم إلى الحياة المدنية، وزّع المجلس الوطني الانتقالي تعويضاً لمرة واحدة لأي شخص يزعم أنه ساهم في المعركة ضد القذافي أو يسلّم سلاحه. في أيار/مايو 2012، منح المجلس الميليشيات الحصانة عن كل “الأعمال العسكرية أو الأمنية أو المدنية التي قامت بها بهدف ضمان نجاح الثورة وهدفها”، على حدّ تعبير القانون الذي أصدره المجلس الوطني الانتقالي.5
كما أنشأ المجلس الوطني الانتقالي هيئة شؤون المحاربين (تمت إعادة تسميتها “البرنامج الليبي للإدماج والتنمية” في آذار/مارس 2014)، التي سجلت 215 ألف مقاتل مابين يناير/كانون الثاني وتموز/يوليو 2012 وذلك بهدف مساعدتهم على العودة إلى الحياة المدنية من خلال برامج التعليم والتدريب المهني أو دمجهم في قوات الشرطة والجيش التي يجري بناؤها.6 والواقع أن 25 ألف مقاتل، على أكثر تقدير، كانوا قد حاربوا نظام القذافي في العام 2011، غير أن نظام التسجيل جذب الشباب العاطلين عن العمل، وهم فئة رئيسة وجدت دوراً ذا مغزى وكذلك مصدراً للدخل في الالتحاق بوظائف حكومية. وقد تعثّرت هيئة شؤون المحاربين، التي ينظر إليها عموماً باعتبارها تخضع إلى سيطرة جماعة الإخوان المسلمين، بسبب نقص التمويل وعدم الثقة بين الكتائب وأصبحت غير فعالة بعد إنفاق ميزانيتها الأولى.7
لم يكن بالإمكان تجنّب التدابير المرتجلة. غير أنها باتت هي القاعدة، ولم يتم استبدالها بمقاربة أكثر منهجية تقوم على التخطيط على المدى الطويل، والتركيز على مخرجات ملموسة، والتشاور المستمر مع الأحزاب السياسية والميليشيات الثورية وممثلي المجتمع المدني. ونتيجة لذلك، بدلاً من إرساء الأساس اللازم لقطاع أمن جديد يلتزم بسيادة القانون، حفّزت مقاربة المجلس الوطني الانتقالي على المنافسة الضارّة بين مجموعة من اللاعبين السياسيين – من المدافعين عن النظام القديم إلى قادة الميليشيات الثورية – لتحويل الأجهزة الأمنية الجديدة إلى مراكز قوة. وكما هو الحال في عهد القذافي، استمرت البنية الأمنية الاستثنائية في الحلول محلّ المؤسسات الحقيقية.8
الفراغ التشريعي والرقابي
قطاع الأمن الذي تعثّر بسبب السمعة السيئة وحالة انعدام الثقة الشديدة لدى الثوار، كان إضافة إلى ذلك عاجزاً بسبب عدم الوضوح بشأن كيفية تطور النظم والقوانين الإدارية في ليبيا في مرحلة مابعد القذافي، نظراً لمزيج الموروثات البيروقراطية البريطانية والسوفييتية وحقنها بموروثات إسلامية جديدة. علاوة على ذلك، كان قطاع الأمن يفتقر تماماً إلى وجود إطار قانوني شامل يحدّد مسؤولياته وصلاحياته، ويوضح تراتب القيادة والمساءلة، وبالتالي يمكّنه من القيام بمهامه القانونية والعمل بصورة متماسكة.
وكما لاحظ الخبيران اللذان يعملان على قطاع الأمن في ليبيا فريدريك ويري وبيتر كول، فقد تضمّنت معوّقات الإصلاح غياب رواتب تنافسية للشرطة؛ واستمرار عدم الثقة بوزارة الداخلية؛ والاختلافات البادية بشأن مستقبل برامج الاستخبارات، ومكافحة المخدرات، والسجون [التابعة للجنة الأمنية العليا]؛ وغياب عملية حوار أوسع نطاقاً”. ووفقاً لما يقوله ولفرام لاشر، وهو محلل آخر للشؤون الليبية، فقد تراوحت العقبات الأخرى بين التنافس على توزيع المناصب والميزانيات إلى امتعاض وعدم تعاون المراتب الوسطى، والاختلاف على الأهداف السياسية العامة.9
على الرغم من كل ذلك، كان يمكن لحكومة حازمة وموحدة أن تحرز تقدماً في حلّ التحديات التي تواجه قطاع الأمن من خلال سياسات وقوانين تتم صياغتها بدقّة والتفاوض المتأنّي مع الأطراف الفاعلة السياسية والعسكرية الرئيسة، غير أن هذا أيضاً لم يكن يتوفّر. كما عكست كثرة تغيير وزراء الداخلية ضعف رؤية الحكومة والخلافات الداخلية المنهكة: فقد تم تعيين خمسة وزراء داخلية في العامين ونصف العام بين الحكومة الانتقالية الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 والانقسام العلني الذي حدث في أيار/مايو 2014.
لم يتحسّن الوضع حتى بعد أن سلّم المجلس الوطني الانتقالي السلطة رسمياً إلى البرلمان الجديد، المؤتمر الوطني العام، في آب/أغسطس 2012، بعد أول انتخابات عامة حقيقية في البلاد منذ أن ألغى القذافي البرلمان في العام 1969. وعلى غرار سابقتها، حاولت الهيئة الجديدة إجراء إصلاحات. في نيسان/أبريل 2013، أصدر المؤتمر الوطني العام قوانين تجرّم التعذيب والاختفاء القسري، وألغى السلطة القانونية للمحاكم العسكرية على المدنيين. بعد خمسة أشهر، أعاد المؤتمر إصدار قانون العدالة الانتقالية (صدر أصلاً عن المجلس الوطني الانتقالي في شباط/فبراير 2012)، والذي يشترط الإفراج عن آلاف السجناء من جراء النزاع ممَّن لايزالون محتجزين في جميع أنحاء البلاد دون اتباع الإجراءات القضائية، أو إحالتهم إلى النيابة العامة، في غضون تسعين يوماً من صدور القانون.
الأمن الهجين: تحويل الدولة الليبية إلى ميليشيات
واجه المجلس الوطني الانتقالي تحدّياً من صنع يديه في التعاطي مع مهمة إعادة بناء القطاع الأمني. ذلك أن تدابيره المرتجلة لنزع سلاح وتسريح المقاتلين الثوريين أفرزت مشكلة لايمكن السيطرة عليها لأن أعداداً هائلة منهم سجلوا للحصول على التعويضات ومساعدات إعادة التأهيل والرواتب. وقد سعى المجلس الوطني الانتقالي لاستيعابهم عبر إنشاء هياكل أمنية هجينة تدمج الميليشيات الثورية بقطاع الأمن الرسمي، غير أن الهيئات الجديدة سرعان ماطغت على قطاع الأمن، ومن ثم أزاحته جانباً إلى حدّ كبير.
شكّل المجلس الوطني الانتقالي “اللجنة الأمنية العليا” في كانون الأول/ديسمبر 2011 لجمع كافة المقاتلين الثوريين تحت مظلة واحدة، قبل تسريحهم أو دمجهم في الشرطة الوطنية. ولكن على الرغم من أنه كان يفترض أن تكون تمدّدت في كل أنحاء البلاد، كانت اللجنة الأمنية العليا ضعيفة خارج طرابلس. إذ كان المزيج الدقيق من الجهات الأمنية الثورية والرسمية الهجينة يختلف اعتماداً على المكان، كما كانت الحال أيضاً بالنسبة إلى آليات التنسيق والتسميات المعتمدة، فكانت هناك “مديرية أمن” في الزاوية أو “غرفة أمنية مشتركة” في بنغازي، على سبيل المثال.
جاء تشكيل اللجنة الأمنية العليا استجابة معقولة لواقع مابعد الانتفاضة في ليبيا، إلا أن الثوار رفضوا الخضوع إلى أي إشراف أو رقابة عليها من وزارة الداخلية، وهي الجهة التي كانت اللجنة تابعة لها اسمياً. ومع ذلك، فقد اضطلعت اللجنة بالمهام الأساسية في مجال إنفاذ القانون والنظام. شملت هذه المهام في بعض المناطق، وفقاً لفريدريك ويري، “منع المخدرات وحراسة المدارس والمستشفيات وحتى صيانة الشوارع”، في حين تطورت الميليشيات المحلية في مناطق أخرى “إلى كيانات طفيلية خطيرة ومفترسة، تسعى إلى تحقيق أجندات إجرامية وسياسية وعقائدية في الوقت نفسه”.10
فشل السلطات الانتقالية ومؤسّسات الدولة في ليبيا في تأكيد سيطرتها الفعلية على قطاع الأمن ككل، ناهيك عن فشلها في التخطيط لذلك، كان جلياً في الأرقام المتعلقة بمجموع أفراد قطاع الأمن. في البداية، كان المقصود أن تصل اللجنة الأمنية العليا إلى قوة قوامها 25 ألف فرد. ولكن، بفضل سيطرتها على أكبر قدر من الأموال والأسلحة والمعدات، أصبح لديها 70 ألف مقاتل ثوري سابق على جدول رواتبها بحلول نيسان/أبريل 2012. وازداد عدد أفراد اللجنة إلى 149 ألفاً بحلول آب/أغسطس، و162 ألفاً بحلول كانون الأول/ديسمبر، وهو الموعد النهائي المحدَّد أصلاً لتفكيك اللجنة، على الرغم من أن وزارة الداخلية واللجنة الأمنية العليا ادّعتا أن العدد الفعلي للأفراد العاملين لم يزد كثيراً عن 60 ألفاً.11
أدّت الصراعات السياسية الداخلية إلى تفاقم الوضع بشدّة، وحالت دون إجراء التعديلات الضرورية في مسار العملية. وقد تجلّى ذلك في أوائل العام 2013 عندما اقترحت حكومة علي زيدان، الذي كان قد عُيِّن رئيساً للوزراء في تشرين الأول/أكتوبر السابق، إنشاء حرس وطني، وهو قوة أمن هجينة جديدة، لاستيعاب المقاتلين الثوريين السابقين والاضطلاع بواجبات إنفاذ القانون والنظام. وعلى الرغم من أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا اعتمدت الفكرة باعتبارها تطويراً لإصلاح قطاع الأمن، فإنها نشأت في الواقع عن كتيبة شهداء ثورة 17 فبراير المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وعن الميليشيات التابعة للجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة برئاسة خالد الشريف، الذي كانت الميليشيا التابعة له تسمى في العام 2011 “الحرس الوطني”.12 وفي مواجهة معارضة شديدة من جناح تحالف القوى الوطنية في المؤتمر الوطني العام، الذي كان ينظر إلى الحرس الوطني باعتباره مركز قوة إسلامي محتمل على غرار قوات حماية نظام القذافي السابقة، تم التخلّي عن المشروع في أوائل تموز/يوليو.
إضافة إلى ذلك، عزّز كبار المسؤولين ديناميات الخلل الوظيفي في قطاع الأمن عبر التحالف مع بعض الميليشيات كوسيلة لتعزيز مواقعهم داخل الحكومة. على سبيل المثال، أنشأ نوري علي أبو سهمين، الذي أصبح رئيساً للمؤتمر الوطني العام في حزيران/يونيو 2013، “غرفة عمليات ثوار ليبيا” بعد بضعة أشهر، كمظلّة هيكلية شاملة، للميليشيات الإسلامية أساساً، للاضطلاع بمهام حفظ النظام في طرابلس، علماً أنها لم تدم طويلاً.
وبالمثل، أنشأت الميليشيات الثورية المحلّية في شرق ليبيا “جهاز الأمن الوقائي” باعتباره جهازاً لمكافحة التجسّس، مهمّته مطاردة أنصار القذافي في أواخر العام 2011. وأصبح الجهاز، الذي يتمتّع بحكم الأمر الواقع بصفة رسمية على الرغم من عدم وجود أساس قانوني له، تحت إشراف وزارة الدفاع، الأمر الذي زاد من إرباك تسلسل القيادة داخل قطاع الأمن. وحدث عكس ذلك عندما رفضت بعض وحدات اللجنة الأمنية العليا أوامر الحكومة بحلّها في أيار/مايو 2013، وتم بدل ذلك تحويلها إلى “قوة التدخل السريع” التي تخضع إلى الإشراف الاسمي لوزارة الداخلية.
علاوةً على ذلك، تعاقدت الحكومة مع الميليشيات المحلية للقيام بمهام أمنية لم تعد الجهات الرسمية قادرة على تأديتها. وعندما أظهر “حرس المنشآت النفطية” عجزه عن حماية الحقول والمنشآت النفطية في جنوب غرب ليبيا، على سبيل المثال، تم التعاقد مع الميليشيات المحلية للقيام بهذه المهمة. وقد دفع ذلك شركات النفط العالمية إلى الشكوى من أنها أصبحت “رهينة لهذه الميليشيات – مهما كانت التسمية، فإنها وسيلة ابتزاز الخاوة”، على حدّ تعبير أحد المحللين.13 وبالمثل، أوكلت الغرفة الأمنية المشتركة، التي شكلتها الحكومة لتنسيق الأجهزة الأمنية الرسمية في بنغازي في صيف العام 2013، عمليات الشرطة فعليّاً إلى الميليشيات، بما فيها الجماعة الجهادية “أنصار الشريعة”.14
وعلى العموم، عكست هذه الحالات نمطاً يقوم من خلاله المقاتلون الثوريون بالانضمام جماعياً إلى الأجهزة الأمنية الرسمية أو الاستيلاء عليها، وثم إعادة إنتاج الهياكل القيادية لميليشياتهم وعلاقاتهم الشخصية في داخل تلك الأجهزة الرسمية، والحصول في كثير من الحالات على راتبين. وقد تكشّفت قوتهم عندما هدّدت وزارة الداخلية بوقف رواتب رجال الميليشيات السابقين الذين رفضوا الاندماج في الشرطة الرسمية في كانون الأول/ديسمبر 2012، لتتراجع إزاء احتجاجاتهم العنيفة. في تشرين الأول/أكتوبر 2013، تمت زيادة رواتب الشرطة (والجيش) على نحو يفوق رواتب الميليشيات التي تموّلها الدولة بهدف زيادة جاذبيتها، إلا أن الحكومة تراجعت مرة أخرى بعد أن قامت بمحاولة ثانية لوقف رواتب الميليشيات في كانون الثاني/يناير 2014 في وجه الاحتجاجات العنيفة.
التخلّص من السمين والغث
تسبّب عداء الجماعات الثورية المسلحة المتنفِّذة تجاه عناصر النظام القديم المتبقية داخل إدارات الدولة وقطاع الأمن في حدوث مشاكل كبيرة. فقد طالب الثوار باستبعاد كافة المسؤولين في الدولة ممن لديهم أي ارتباط سابق بنظام القذافي من قطاع الأمن. ونتج عن ذلك التخلّص من سمين قطاع الأمن مع غثّ عناصر النظام القديم، وشكّل ذلك تضحية بالخبرة الفنية وبمن لديهم القدرة على المساعدة المهنية في استنباط الرؤى طويلة الأمد والاضطلاع بمهام التخطيط وبناء القدرات، والذين فشلت الهياكل الثورية بعد الانتفاضة في توفير بديل عملي لهم. وعندما أصبحت الهياكل الموازية التي يسيطر عليها المعسكر الثوري الجديد قائمة، أصبح إصلاح قطاع الأمن أكثر صعوبة.
تبيّن أن إحياء وتطوير إنفاذ القانون أصبح مستحيلاً في ظل هذه الظروف. كانت الشرطة النظامية قد تلاشت إلى حدّ كبير بحلول أواخر العام 2011، غير أن الجزء الأكبر من الجهود الدولية ركّز على تدريب قوات الدرك الجديدة التي سيعهد إليها بمهام حفظ النظام العام والحماية وتتبع وزارة الدفاع. كان هناك قدر قليل من الاستثمار المشابِه في أجهزة الشرطة أو الأمن الداخلي، والتي بلغت نسبة التغيب فيها بين 20 و40 في المئة بعد سنة واحدة من بدء المرحلة الانتقالية.15 وقد امتصّت اللجنة الأمنية العليا جهاز الشرطة إلى حدٍّ كبير، حيث ادّعى أحد قادتها أن 32 ألفاً من أفراد الشرطة البالغين 88 ألفاً في عهد القذافي انضموا إلى اللجنة الأمنية العليا، وهو مايمثّل الجزء الأكبر من قوتها التنفيذية العاملة.16 على العكس من ذلك، وجد الكثير من المقاتلين الثوريين السابقين الذين تلقّوا تدريبا للاندماج في الشرطة – وتراوحت أعدادهم بين 20 و26 ألفاً بحلول شباط/فبراير 2014 وفقاً لمصدرين موثوقين17 – أن الثقافة المؤسّسية للشرطة غريبة فتركوها.
بالمقابل، نجحت عملية إعادة التأهيل والدمج في الشرطة أكثر في المناطق والمدن التي عانت نزوحاً أقلّ خلال النزاع في العام 2011، وخاصة في المناطق التي كانت لنظام القذافي فيها جذور اجتماعية عميقة سابقاً، والتي بقي فيها الموظفون من عهد القذافي متمسكين بوظائفهم ومناصبهم. في واقع الأمر، شكّل وجود بقايا ضباط النظام القديم تحدّياً خطيراً في جميع المجالات. ففي نيسان/أبريل 2012، تحدث عمر الخضراوي، الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب وزير الداخلية، مسلطاً الضوء على “ضرورة استكمال واستبدال الشرطة بدماء جديدة من الثوار”، ولكن في واقع الأمر، بقي الموظفون من عهد القذافي يتغلغلون في قطاع الأمن، وخاصة في المراتب العليا.18 وقد أدّى ذلك إلى تغذية التصور في المعسكر الثوري بأن المجلس الوطني الانتقالي، ومن بعده المؤتمر الوطني العام، يفضّلان توظيف عناصر النظام القديم بهدف حرمان الثوار من فرص التوظيف في القطاع الأمني.
أسفر ذلك عن استمرار الضغط المناهض للنظام القديم، الذي بلغ ذروته في إقرار “قانون العزل السياسي” في أيار/مايو 2013، والذي منع مسؤولي النظام السابق من تولّي المناصب العامة لمدة عشر سنوات. كان من بين الممنوعين من تولّي المناصب نتيجة القانون سياسيون مخضرمون مثل رئيس تحالف القوى الوطنية محمود جبريل، الذي كان يمثّل شخصية استقطابية بالنسبة إلى مَن لم ينتموا إلى المعسكر الثوري ولم يؤيّدوا سماسرة السلطة الجدد الذين خرجوا من صفوفه.
خلافاً لقانون اجتثاث البعث في العراق، لم يصرف قانون التطهير في ليبيا كل أفراد قطاع الأمن السابق من الخدمة، غير أن رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا طارق متري قال بصراحة إن “العديد من معايير الاستبعاد تعسّفية وبعيدة الأثر وغامضة أحياناً، ومن المرجّح أنها تنتهك الحقوق المدنية والسياسية لأعداد كبيرة من الأفراد”.19 جادل خبراء آخرون بأن الصفة الشاملة للقانون” تهدّد إعادة الإعمار في ليبيا في فترة مابعد الحرب … وتحطّم التماسك الاجتماعي في البلاد، [و] تمحو الذاكرة المؤسّسية للدولة”.20
من بين من تأثّروا أيضاً بقانون العزل السياسي قائدا الشرطة السابقين عاشور شويل ومحمد الشيخ، اللذان خلف أحدهما الآخر في منصب وزير الداخلية بين تشرين الأول/أكتوبر 2012 وآب/أغسطس 2013. في بداية تعيينه في منتصف العام 2013، لخّص الشيخ رؤيته بشأن إعادة بناء قطاع الأمن، والتي تمثّلت بالحفاظ على المؤسّسات القائمة لتجنّب حدوث فراغ أمني، وتفعليها بعقيدة أمنية وطنية بعيدة عن الروابط المناطقية أو الشخصية، وعدم اللجوء إلى أجهزة لاتتمتّع بالمهنية.21 كان لابدّ لمثل هذا النهج أن يعمّق شكوك المعسكر الثوري. استقال الشيخ بعد ثلاثة أشهر فقط أمضاها في المنصب، مشيراً إلى تدخّل المؤتمر الوطني العام والحكومة

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب