الرئيسيةالاخبارتاريخ التهديدات التركية بغزو سورية

تاريخ التهديدات التركية بغزو سورية

فهرس
لا يبدو أن ثمة أحداً، ربما حتى الحكومة في أنقرة نفسها، يمتلك رؤية واضحة عما ستكون عليه نهاية اللعبة التركية في سورية. وسرعان ما نُفيت التقارير الأخيرة التي تحدثت عن اتفاق الولايات المتحدة وتركيا على إقامة “منطقة آمنة” على طول الحدود التركية، بينما أصبحت مصطلحات من نوع “منطقة عازلة” و”منطقة أمنية” تحوم الآن في المكان. وفي حين تبدو أنقرة حريصة على إقامة منطقة من نوع ما في سورية، فقد تكون هذه لحظة مناسبة لمراجعة تاريخ تركيا الخاص بتهديداتها بغزو جارتها الجنوبية -وتأمل المدى الذي عملت فيه تلك التهديدات لصالح تركيا.
في مرات عدة، أبرزها في العامين 1937 و1998، اكتشفت الحكومة التركية إلى أي مدى يمكن أن يكون عرض بعض العضلات العسكرية فعالاً على حدودها الجنوبية، من دون إطلاق غزو كامل فعلياً. وفي الحقيقة، ربما يساعد النجاح الذي أحرزته تركيا من خلال حالات عدم الغزو السابقة، في جعل نهج مماثل يبدو جذاباً بالنسبة لصناع القرار في أنقرة، الذين يحاولون تقرير ما يجب أن يفعلوه اليوم. ومع ذلك، فإن مراجعة هذا التاريخ تشير أيضاً إلى أن القعقعة في اتجاه سورية، في غياب استراتيجية سياسية أو دبلوماسية متماسكة للمنطقة، ستفشل في تزويد تركيا بالأمن والاستقرار الدائمين.
يمكن تعقب جذور علاقات تركيا الكارثية بسورية إلى محافظة هاتاي؛ المنطقة الجميلة التي كانت معروفة أكثر ما يكون بتاريخها المسيحي ومطبخها الرائع قبل الحرب الأهلية السورية. وفي أعقاب هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، تم وضع المحافظة، التي كانت معروفة حينذاك باسم سنجق (لواء) الإسنكدرون، تحت السيطرة الفرنسية كجزء من الانتداب الفرنسي في سورية. وبعد أن أسس أتاتورك الجمهورية التركية الحديثة في العام 1932، أصبح “تحرير” هاتاي مسألة كرامة وطنية وشخصية. وعندما توقفت المفاوضات الثنائية بشأن مصير ذلك الإقليم في باريس في العام 1936، ركب أتاتورك القطار متجهاً إلى الحدود السورية، وهدد بأن “يستقيل ويقود الجيش إلى داخل اللواء بنفسه إذا لم يتم تقرير مصيره بطريقة متوافقة مع حفظ كرامة تركيا”. كما قدمت حكومته أيضاً دعماً سرياً لمقاتلي حرب العصابات من القوميين الأتراك الذين كانوا يخططون للتمرد ضد الفرنسيين. ثم في العام 1937، كما هو مفصل في كتاب سارة شيلد الممتاز “الطرابيش في النهر”، فإن أتاتورك “خرج إلى الطريق مرة أخرى لإثبات إلحاح المطلب التركي”. وفي المدن والقواعد العسكرية على طول الحدود، تفقد الرئيس جنوده، آملاً بأن يترك الفرنسيين بلا أي شكوك حول استعداده لتسوية القضية بالقوة.
انتهت المعركة ضد الانتداب الفرنسي في سورية عشية الحرب العالمية الثانية، عندما استجابت فرنسا، وقد أصبح موقفها الاستراتيجي في أوروبا يزداد يأساً باطراد لمطالب تركيا وأعادت هاتاي إلى السيطرة التركية. وقد ضمن مزيج من الدبلوماسية الصبورة وعرض جيد التوقيت للقوة لتركيا الحصول على محافظة جديدة قيمة، والتي كسبت الحكومة ولاء سكانها بالتدريج على مدى العقود العديدة التالية. وفي حقيقة الأمر، كان الثمن الوحيد الذي دفعته أنقره لحيازتها هذا الإقليم هو نصف قرن من العداء السوري.
استمر السوريون في المطالبة بهاتاي، مما أفضى إلى ظهور مشكلات خلال كامل حقبة الحرب الباردة. ولم يساعد القوميون الأكراد في إصلاح الأمور في الخمسينيات، عندما ردوا على المطالب السورية بالإقليم باقتراح أنهم ربما لا يمانعون في حيازة محافظة حلب السورية المجاورة، أيضاً. (يعرض رسم كرتوني من تلك الفترة حلب وهي تجهز علماً لتقدمه مهراً لتركيا، بينما ينظر شكل كاريكاتوري خام يمثل سورية إلى المشهد بغضب). وساعدت التوترات التركية-السورية خلال تلك الفترة في الدفع بدمشق باتجاه الاتحاد السوفياتي، ممهدة بذلك الطريق لتهديد آخر بغزو تركي. فعندما بدا أن دمشق تنجرف بعيداً داخل المدار السوفياتي في العام 1957، اقترحت الحكومة التركية أن بإمكان عملية عسكرية تركية تأمين نظام سوري أكثر وداً. وقد اعترض الدبلوماسيون الأميركيون على الخطة، موضحين أنهم بينما ينظرون بإعجاب إلى الحماسة التركية المناهضة للشيوعية، فإنهم ليسوا في حاجة إلى استعداء العالم العربي بغزو صريح، في حين يستطيعون الاستمرار بالتآمر المتكتم لصنع الانقلابات بدلاً من ذلك.
لكن السياسة التركية نجحت في استعداء الدول العربية على أي حال. فبحلول التسعينيات، أفضى الاحتكاك المستمر مع سورية -الذي توسع ليضم نزاعاً على حصص الدولتين من مياه نهر الفرات- إلى الدفع بالرئيس السوري في ذلك الحين، حافظ الأسد، إلى الشروع في دعم حزب العمال الكردستاني؛ التنظيم القومي الكردي الذي يشن حرباً ضد الدولة التركية. وزود الأسد حزب العمال الكردستاني بالتدريب والسلاح كطريقة للضغط على جيش تركيا الأكثر قوة، كما سمح لقائد حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، بالإقامة في دمشق. وفي نهاية المطاف، تبين أن الأسد غير قادر على انتزاع تنازلات من تركيا إلى حد كبير، لكنه اقترب في النهاية أكثر من أي من أسلافه من استدراج غزو تركي حقيقي لبلاده. وفي العام 1998، احتشد الجيش التركي مرة أخرى على الحدود السورية، مطالباً بأن تكف دمشق عن دعمها لحزب العمال الكردستاني. واعترافاً منه بجدية التهديد، امتثل الأسد وأخرج الثوار الأكراد من بلده. (بعد وقت قصير من طرده من دمشق، أُسر أوجلان على يد وحدة من القوات التركية الخاصة في كينيا بمساعدة من الاستخبارات الأميركية).
لو كانت تركيا قد بنت على نجاحها عن طريق السعي إلى حل سلمي للمسألة الكردية، فإن أسر أوجلان كان يمكن أن يشكل حدثاً تحويلياً. وبدلاً من ذلك، تم إهدار الفرصة للتوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض. وفي السجن، أعرب أوجلان عن استعداده للتعاون حديثاً، بل وأدرك العديدون في الجيش التركي أنه لا يمكن تدمير حزب العمال الكردستاني أبداً بالقوة وحدها. وعلى مدى العقد الماضي، بذل حزب العدالة والتنمية جهوداً غير مسبوقة لصنع السلام مع حزب العمال الكردستاني، لكنه لم يكن ملتزماً أبداً أو شجاعاً بما يكفي ليحرز النجاح. واللفتات الجريئة، مثل تقديم المزيد من الحقوق الثقافية الكردية، تناوبت (بموافقة أميركية) مع الهجمات الجوية والبرية على قواعد حزب العمال الكردستاني في العراق، مثل تلك التي شُنت في الأسبوع قبل الماضي.
يبقى من غير الواضح بالضبط ما هي التدابير التي ستكون تركيا مستعدة لاتخاذها من أجل الإبقاء على “المنطقة الآمنة” التي تقترحها آمنة. وحتى الآن، أثبت الجيش التركي أنه صوت الاعتدال في تركيا، في حين تبدو الحكومة مستعدة لتأمل اتخاذ إجراءات أكثر ميلاً إلى سمات الغزو، إن لم يكن غزواً واسع النطاق. ويعطي التاريخ لتركيا أسساً للشعور بالقلق إزاء إنشاء ملاذ آمن لحزب العمال الكردستاني في سورية، بينما تقدم لها التطورات الأكثر حداثة سبباً كافياً للخوف من “الدولة الإسلامية”. (في الوقت نفسه، تبدو إعادة التماسك لنظام أسد عدائي أكثر احتمالاً بقليل في هذه الآونة من عودة انبعاث الانتداب الفرنسي).
في الثلاثينيات، كسبت تركيا إقليم هاتاي وخسرت سورية. وفي العام 1998، تمكنت من تهدئة حرب كانت أهلية وشيكة، والتي تهدد الآن بالاندلاع مع تجدد فورة الغضب. وإذا كانت أنقرة تأمل اليوم أن يتمكن مزيج من التهديدات والتدخل المحدود في حل أكثر مشكلاتها إلحاحاً في سورية، فيحتمل كثيراً أن تكون على حق. ولكن القوة العسكرية إذا أثبتت فعالية في إحباط المكاسب الكردية أو الجهادية، فإنها أثبتت تاريخياً أنها غير قادرة على تحقيق ما استعصى طويلاً على تركيا: ضمان حدود جنوبية مستقرة وآمنة.

نِك دانفورث – (فورين بوليسي)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: A Short History of Turkish Threats to Invade Syria
ala.zeineh@alghad.jo
@alaeddin1963
Facebook TwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظ

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب