أقلام واراءزوايا

الصراع على مصر…بقلم: جميل مطر

فهرس
الأجواء في الشرق الأوسط ملبّدة بضباب كثيف ويكتنفها غموض شديد، والأعصاب، أعصاب رجال الحكم والإعلاميين والعسكريين، مشدودة إلى أقصى مداها، ومراكز التفكير في الخارج متأهبة كعادتها ومتألقة على غير عادتها، في انتظار تحوّلات أكثر إثارة في شبكة العلاقات الإقليمية.
برغم ذلك أشعر بموجة تفاؤل غريب تعكسها تعليقات بعض أقرب الأصدقاء في مصر وخارجها. لا يزالون بتفاؤلهم أقلية بسيطة بين صناع الرأي، ولكن عددهم مرشح للزيادة ونفوذهم قابل للتوسع. هؤلاء مقتنعون بأنه في دول بعينها في المنطقة يزداد يوماً بعد يوم تأثير القوى الداعية إلى الفهم والتفاهم. يدرك هذا البعض المتفائل في الوقت نفسه أن عناصر التطرّف ودعاة العدمية يزدادون عدداً وعدة ومالاً، ولكنه يعود ليؤكد زيادة وعي المسؤولين بخطورة ما يمكن أن تؤول إليه الحال في الشرق الأوسط في ظل استمرار خطاب التطرف وخطاب المذاهب. ازداد الوعي على مختلف المستويات بالتهديد الذي يمثله استمرار التدخلات الأجنبية في منطقة مشتعلة، وبفداحة ما ندفعه حالياً وفي المستقبل ثمناً لانسياق بعض حكومات الشرق الأوسط وراء قوى التشدد أو استخدامها لتحقيق انتصارات إعلامية وسياسية قصيرة المدى. من هذه القوى تلك المجموعات التي تضغط في الداخل على الحاكم وشعبه معاً، ومنها القوى المخيفة التي تحتشد في الخارج استعداداً لتدمير جديد أشدّ عمقاً وأوسع مجالاً.
أفهم دواعي التفاؤل المتسلل عبر قنوات هادئة تطلب الاستقرار وتستعدّ للانطلاق نحو أوضاع أفضل لشعوبها تمنع انفجارها أو تؤجله، ونحو مكانة يحترمها العالم. أفهم هذه الدواعي، ولكنّي أفهم أيضاً حرص المتطرفين هنا وهناك على الاستفادة من كل الفرص الممكنة لتعميق ما يعتقدون أنه بوادر صراع محتمل وطويل الأمد وباهظ التكلفة بين السعودية وإيران. بين هؤلاء المتطرفين داخل الدولتين يوجد من دون شك مَن يفكر في ضرورة أن يركز الصراع في أحد جوانبه على مصر، فتصبح مصر موضوعاً أساسياً يتصدّر موضوعات الصراع بين الدولتين. أمل هؤلاء، في الرياض كما في طهران وربما داخل مصر ذاتها، إحباط مساعي تيار الاعتدال والتعقل في مواقع القرار في الدولتين، والضغط بكل الوسائل الممكنة على الرأي العام المصري ليضغط بدوره على صانع السياسة المصرية ليقبل أن تكون مصر موضوع صراع. أمل هؤلاء أن ينتهي الشدّ والجذب بمصر وقد أصبحت حليفاً لقوى متشدّدة هنا ضد قوى متشددة هناك.
لا يدرك الساعون لتوريط مصر في صراعات المذهبيين والمتشددين، أو ربما لا يشغلهم، الثمن الذي ستدفعه مصر نتيجة هذا التوريط. لا يدركون وربما أيضاً لا يشغلهم المدى الذي يمكن أن تصل إليه الفوضى الإقليمية لو انضمّت مصر عضوياً إلى أحد هذه الصراعات. داخلياً سوف تشهد مصر حتماً انفجار تناقضات جديدة تضاف إلى قائمة التناقضات التي أدت إلى ثورة «الربيع» وماتزال بدون حلّ. من ناحية أخرى، يرجّح، بل ربما يتأكد من التجارب السابقة، أن انضمام مصر لصراع من هذا النوع يمكن أن يؤدي إلى توسيع رقعته، إقليمياً وعالمياً، وهو الأمر الذي لا يتمناه حاكم عاقل ورشيد في المنطقة، وأعتقد أن القوى الحاكمة في مصر لا تتمنى لمصر أو المنطقة هذا المصير. رأينا بالفعل كيف أن وضعاً خلناه مستقراً في شبكة العلاقات الخليجية اهتزّ بمجرد أن بدأت تتبلور بوادر احتدام الصراع عليها بين الطرفين الأكبر في الإقليم. نعلم الآن أن هذا الصراع إذا احتدم فلن يقتصر على منطقة حدودها عند إيران والسعودية ومصر، بل سيمتد إن آجلاً أو عاجلاً ليشمل إسرائيل وتركيا والعراق وسوريا ولبنان وبلاد الأكراد.
البديل لخيار أن تكون مصر موضوعاً لصراع بين الدولتين الخليجيتين الأكبر، السعودية وإيران، هو أن تكون مصر مقراً ومنشطاً ومديراً للحوار بينهما في حال استقر الأمر والقرار لدعاة الحوار. أقول هذا، والأمل يقوى، في أن القيادة السياسية المصرية ستكون مرحبة بهذا الخيار. أظن، وظني في محله، أن إشارات غير قليلة انطلقت من ناحية القاهرة تدعم أملي وتجدد تفاؤلي. أعرف أيضاً أن مصر كانت، ربما عادت، أرضاً خصبة لحوارات إقليمية عديدة، التزمت خلالها قيادتها ما أمكنها الحرص على المصالح القومية، ورافضة في مواقف كثيرة الخلط بين سياسات المغامرة من جهة وسياسات الدفاع عن الأمن القومي من جهة أخرى. في مرات معدودة وقعت حكومات مصرية في الخطأ وارتكبت جرم الخلط ودفعت الثمن جروحاً غائرة ترفض أن تندمل. أخطأ حكام مصر حين شجعوا على امتداد عقود عديدة فكرة أن تلعب مصر دور «المسهّل» لقوى أخرى في الإقليم ولقوى من خارجه، وهو الدور الذي انتهى بمصر والمصريين نحو كارثة تحققت، ولم نتمكن بعد التخلص من آثارها.
الآن أجازف فأتنبّأ بأن المملكة السعودية أقرب إلى أن تختار الحوار سياسة مستقرة لها. هناك إشارات لا يراها إلا من اقترب بعض الشيء من تطور الخطاب السياسي والإعلامي السعودي خلال سنوات عديدة، أنقل هنا عن أحد هؤلاء المتخصصين في الشأن السعودي اقتناعه بوجود رغبة حقيقية في تفادي الانزلاق على طريق الحرب والصراع والتطرف، وبخاصة بعدما اتضح أن سلوك هذا الطريق حقق ضرراً للمملكة ولمكانتها الدولية ولـ «مجلس» التعاون أكثر من أي نفع يحاول المتطرفون إبرازه والترويج له.
على الناحية الأخرى أجازف أيضاً. ففي اعتقادي الشخصي أن إيران خرجت من مفاوضاتها الناجحة مع قوى الغرب، وكما توقع بعض الواقعيين من المحللين العرب، أقل استعداداً لممارسة التشدد في تنفيذ أهدافها وسياساتها الدولية، وكذلك الإقليمية. لن يكون الإعلان عن الرغبة في اختيار الحوار والمفاوضات الإقليمية مجرد تكتيك سياسي، فالفرصة الراهنة بكل آفاقها اللامحدودة لتحسين مكانة إيران الإقليمية والدولية لن تتكرر. بل لعل إيران الآن وقد صارت أكثر ثقة بالنفس والقدرات من أي وقت مضى، أوفر قدرة على المراهنة على فرص نجاح حوار إقليمي. أجازف مرة أخرى فأعبر عن توقعي أن تكون مصر أحد أهم خيارات إيران كموقع للحوار الإقليمي وسند له.
أعتقد أن مصر الآن ربما تكون مستعدة، لأن تدعم خيار الحوار، تدعمه لأسباب قومية ووطنية وواقعية خالصة، وتدعمه أيضاً على ضوء مضمون خطاب وزير الخارجية الإيرانية الذي اختيرت «الشروق» المصرية لنشره. لا يمكن إنكار أو تجاهل حقيقة أنه لدى مصر أفكار كثيرة متداولة، أبرزها بحسب علمي، الحرص الشديد على توجيه الحوار في اتجاه التوافق العام على اختيار أنماط جديدة للتحالفات الإقليمية، تحالفات تعتمد على المصالح وعلى التجارة ونقل التكنولوجيا والخبرات العلمية وتطوير مصادر الطاقة، وترفض الاعتماد على أسس مذهبية أو عسكرية أو على أسس الارتباط بتحالفات من خارج الإقليم.
أمامنا فرصة هائلة نثبت من خلالها وربما للمرة الأولى خلال قرن أو أكثر، أننا أمم قادرة على تسوية خلافاتها بالحوار، ورافضة لإقامة تحالفات يديرها دعاة التشدد والتطرف. أمم عاقدة العزم على لمّ الصفوف ونبذ أسباب الشقاق. الفرصة الراهنة لن تتكرر وأمام القيادة المصرية واجب استثمارها لمصلحة السلام والأمن في الإقليم والرفاهة لشعوبه. يبدأ أداء هذا الواجب بخطوة لا عودة عنها، خطوة الإعلان عن رفضها الحاسم لأي دعوة للمشاركة في لعبة الصراع على مصر.
عن «الشروق» المصرية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى