الرئيسيةالاخبارالقدس الشرقية.. قلب الفلسطينيين العاطفي الذي يفيض باليأس

القدس الشرقية.. قلب الفلسطينيين العاطفي الذي يفيض باليأس

index
القدس- القدس الشرقية، التي شكلت القلب العاطفي للحياة الفلسطينية طويلاً، هي التي تجسد الآن الروح المشتعلة للسخط الفلسطيني.
لا يقتصر الأمر على أن معظم الشبان الصغار المشتبه بتنفيذهم موجة هذا الشهر من الهجمات بالسكاكين، جاؤوا من داخل حدود مدينة القدس، مثل الطالبة الجامعية -18 عاماً- التي هدم الإسرائيليون بيت عائلتها بعد أن قالت الشرطة إنها طعنت رجلاً يهودياً من الخلف.
إنه يتعلق أيضاً بحقيقة أن حيها الذي يقطنه 18.000 نسمة، صور باهر، هو أيضاً موطن لأشخاص مثل فؤاد أبو حامد، رجل الأعمال الناجح الذي يدين موجة العنف، لكنه يتقاسم مشاعر الإحباط والاغتراب نفسها التي تكمن خلف هذه الانتفاضة الجديدة.
السيد أبو حامد، 44 عاماً، هو محاضِر في الجامعة العبرية، والذي يدير عيادتين أيضاً في النظام الصحي الإسرائيلي، ويعيش في منزل مريح وسط تشابك التلال المكتظة بساكنيها في صور باهر. ويعرض المشهد من شرفة منزله الجيوب اليهودية مترامية الأطراف، والتي قال إنها “بُنيت على أرضنا”، والجدار الإسرائيلي القبيح الذي نُصب لكي يفصل صور باهر عن الضفة الغربية المحتلة.
وفي هذه الأيام، يستطيع أبو حامد أيضاً أن يشاهد الجنود الإسرائيليين الذين أغلقوا مخارج اثنين من الأحياء، وأقاموا نقطة عسكرية لتفتيش السيارات عند المخرج الثالث، على نحو يجعل الانفصال النفسي للمدينة أكثر واقعية.
يقول السيد أبو حامد: “لديك الكثير من الأدلة هنا على أنك لا تعامَل كإنسان. المشكلة هي السياسة، لأنك تشعر دئماً، كفلسطيني هنا، أنهم يريدون أن يُخرجوك من المدينة، ودائماً تكون لديك الكثير من المشكلات التي لا تسمح لك بأن تشعر بأنك جزء من المدينة. إنه قتل من الداخل، يجري كل الوقت”.
في القدس الشرقية، يتميز الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بأنه الأكثر شخصية والأكثر عمقاً على الإطلاق. بالنسبة لليهود الإسرائيليين، يشكل اندلاع موجة الهجمات التي ينفذها فلسطينيون والتي تبدو عشوائية، تحدياً محيراً يعصب احتواؤه، وتذكيراً بالمعضلة البنيوية في رؤيتهم لقدس موحدة تكون عاصمة لهم وحدهم.
وبالنسبة للكثيرين مما يقارب 320.000 مواطن عربي يعيشون في المدينة، فإن العنف هو نتيجة لسنوات من الشعور الذي يشبه تجربة أولاد الزوج السابق، سواء من جهة تعامل سلطات المدينة أو السلطة الفلسطينية التي يقع مقرها الرئيس في الضفة الغربية، والتي يُحظر عليها العمل في القدس. إنهم يشعرون بأنهم غير مرغوب بهم، أو بأنهم ليسوا جزءا مما يحدث هنا.
المؤسسات المدنية والثقافية رحلت منذ سنوات إلى مدينة رام الله في الضفة الغربية. وفي القدس الشرقية العربية، ثمة القليل جداً من الغرف الصفية، والكثير جداً من التسرب من المدارس. ومن الصعب الحصول هنا على تصريح لتوسيع منزل؛ في حين هدمت السلطات نحو 98 مبنى غير قانوني في العام الماضي. ويعيش ثلاثة أرباع السكان تحت خط الفقر، وفق المعايير السارية في إسرائيل.
يشكل هؤلاء الفلسطينيون زواراً دائمين للموقع الديني المقدس المتنازع عليه في المدينة القديمة؛ حيث ساعدت المخاوف من استيلاء الإسرائيليين على المكان في قدح شرارة انفجار العنف الأخير. وهم يتكلمون العبرية، على عكس مواطنيهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعني إقامتهم أنهم يستطيعون العمل والتنقل في كل مناطق إسرائيل كما يفعل المواطنون -وهو نفسه ما يزودهم بنظرة قريبة ويومية إلى كل ما لا يملكون. وحتى مع أنهم يستفيدون من الاقتصاد الإسرائيلي القوي، فإن الكثيرين منهم يشعرون بالحنق وهم يملؤون خزانات السيارات بالبنزين أو يملأون الرفوف بالسلع لأقرانهم من اليهود الميسورين.
يقول ساري نسيبة، الرئيس السابق لجامعة القدس: “من ناحية، نعم، لديك وصول مفتوح إلى المجتمع الإسرائيلي -ومن الناحية الأخرى، تتوفر لك أيضاً معرفة أكثر عن التمييز الذي يُمارس ضدك. القضايا الرئيسية التي تتماهى معها كفلسطيني ومسلم، وكرامتك واحترامك لنفسك، وضعك، دورك، هذه المسائل كلها دائماً في حالة صراع مستمر وشامل”.
لم تبدأ الزيادة في أعداد الأعمال العدائية بدزينتين من الهجمات التي قتلت سبعة من اليهود الإسرائيليين، خمسة منهم من القدس، منذ 1 تشرين الأول (أكتوبر). (قتل 16 على الأقل من الفلسطينيين المشتبه بتنفيذهم للهجمات بالرصاص على يد الإسرائيليين، بمن فيهم أربعة يوم السبت، إلى جانب أكثر من 20 فلسطينياً آخرين قُتلوا في اشتباكات مع قوات الأمن الإسرائيلية). في الحقيقة، كانت القدس الشرقية منطقة ساخنة منذ تموز (يوليو) 2014، عندما اختطف متطرفون يهود وقتلوا محمد أبو خير -16 عاماً من حي شعفاط. وتتحدث الشرطة عن 1.594 حادثة رشق بالحجارة في القدس الشرقية على مدى الأشهر الثلاثة التي تلت ذلك، صعوداً من 1.016 حادثة مشابهة خلال 10 أشهر من العام 2013؛ وقد تم اعتقال أكثر من 700 شخص بتهم القيام بأعمال شغب في القدس خلال تلك الفترة من العام 2014. وقالت الشرطة إنها اعتقلت 380 شخصاً في الفترة ما بين 13 أيلول (سبتمبر) و15 تشرين الأول (أكتوبر) من هذا العام، 171 منهم من القُصَّر.
يلقي يهودا يميني، الذي أمضى 15 عاماً في العمل مع جهاز الأمن الإسرائيلي الداخلي “شين بيت” في الضفة الغربية، يلقي بالمسؤولية على “التحريض السام” الذي كانت تمتلئ به نصوص الكتب المدرسية في المدارس المحلية إلى ما قبل بضع سنوات. ويقول يميني: “إنك تحصل على جيل ترعرع مع رسائل تقول له إن اليهودي هو شخص جاء ليلحق بنا الأذى، وأنه شخص خطير على ديننا. وحتى أولئك الذين يُعرفون أنفسهم بأنهم علمانيون، ينطوون على الكثير من الدوافع الدينية. هناك تناقض بين إسرائيل الحديثة الدينامية التي يرونها، وبين الرواية عن إسرائيل الشريرة التي لن تحقق النجاح”.
ليست القدس الشرقية العربية مكاناً واحداً، وإنما هي سلسلة من نحو دزينتين من المناطق المنفصلة. هناك قرى معزولة مثل صور باهر، وجبل المكبر والعيسوية، حيث نادراً ما يغامر الإسرائيليون بالذهاب، لكن هناك أيضاً بعض المناطق الراقية نسبياً، والتي يمكن لليهود الوصول إليها، مثل بيت حنينا، حيث يقطن العاملون في الإغاثة والدبلوماسيون، وحيث يتقاطر الإسرائيليون من أجل الحمص. وهناك مخيم شعفاط للاجئين، المكان المضطرب الذي يعاني من آفة المخدرات، وهو واحدة من مناطق عدة تعد رسمياً جزءا من القدس، لكنها تُركت على جانب الضفة الغربية من الجدار الإسمنتي. وهناك “المدينة القديمة” نفسها، حيث أصبحت الشوارع المرصوفة بالحصى فارغة بشكل مخيف منذ بدء حوادث الطعن.
استولت إسرائيل على كل ذلك من الأردن في حرب العام 1967، وقامت بتوسيع حدود القدس لتصبح مساحتها 27 ميلاً، صاعدة من 2.3 ميل. وقد رفضت الأمم المتحدة الضم الإسرائيلي الذي يجري في المدينة، كما ينظر معظم العالم إلى هذه المنطقة على أنها محتلة. واليوم، يعيش نحو 200.000 من اليهود خارج حدود إسرائيل الأصلية، معظمهم في إطار عمليات التطوير الجديدة -المستوطنات التي تعد غير قانونية على نطاق واسع- مثل تلك التي يستطيع السيد أبو حامد رؤيتها من شرفة منزله، 2.000 مستوطنة متناثرة وسط الجبوب الفلسطينية.
يزعم القادة الإسرائيليون أن هذا الامتداد كله هو عاصمتهم الموحدة غير القابلة للتقسيم. وينظر الفلسطينون إلى القدس الشرقية على أنها عاصمة دولتهم المستقبلية. وتتصور خرائط الطريق الدولية للسلام سيطرة فلسطينية على المناطق العربية، وسيطرة إسرائيلية على المناطق اليهودية، مع ترتيبات خاصة للمدينة القديمة ومحيطها.
يقول رأفت صب لبن، 27 عاماً، والذي يعيش في الحي المسلم من المدينة القديمة، إن الفلسطينيين في القدس “لديهم نوع من الشعور بالفصام”.
“إنك تعيش بين الإسرائيليين، ويفترض أنك مقيم تنطبق عليه القوانين نفسها، لكنك ترى فعلياً أنها لا تطبق بالتساوي”. وكان انخفاض وضع القدس مدفوعاً، بالعديد من الطرق، باتفاقيات أوسلو التي أنشأت السلطة الفلسطينية في التسعينيات. فمنذئذٍ، أصبحت مدينة رام الله، مقر الحكومة المؤقتة، هي القلب النابض للمجتمع الفلسطيني: أصبح ناشطو النقابات التجارية يفتحون المتاجر هناك، بينما تغلق معارض القدس متعددة الطوابق ومقاهيها في شارع صلاح الدين أبوابها.
ويقول السيد نسيبة بأسى: “في القدس الآن، تمتلئ حياة الليل مع الخفافيش”.
يقول زكريا القاق، الأستاذ في جامعة القدس، والذي يتعقب جذوره في القدس قبل 1.400 سنة، إن رام الله أهملت المدينة؛ حيث يستشهد القادة بها هناك باعتبارها “رمزاً”، لكنهم لا يفعلون شيئاً لحل مشاكلها اليومية.
ويضيف القاق: “كلماتهم لا تتحول إلى أفعال. إن المجتمع في حالة فوضى، داخلياً، إنهم يتقاتلون بعضهم بعضاً، ليس هناك قانون ولا نظام”. وقال إن التظاهرت “غير مقصورة على الاحتجاج ضد الإسرائيليين”.
سبعة إسرائيليين قتلوا وجُرح العشرات في أكثر من 20 هجوماً عنيفاً نفذها مهاجمون فلسطينيون منذ بداية الشهر. ويتفاخر رئيس بلدية القدس، نير بركات، بأنه صنع استثمارات غير مسبوقة في القدس الشرقية: 800 غرفة صفية جديدة؛ 130 مليون دولار أنفقها على البنية التحتية، و1.8 مليون دولار لإنشاء مركز اجتماعي في صور باهر.
وجد استطلاع أجراه مركز فلسطيني لاستطلاعات الرأي في حزيران (يونيو) أن 61 % من الفلسطينيين في القدس يؤيدون “الكفاح المسلح” ضد إسرائيل. ومع ذلك، قال 52 % إنهم يفضلون أن يكونوا مواطنين في إسرائيل بحقوق متساوية على أن يكونوا مواطنين في دولة فلسطينية، وهي نسبة صعدت من الثلث في العام 2010.
رسمياً، تعرض إسرائيل الجنسية على كل فلسطيني مقيم في القدس، لكن نسبة قليلة منهم تتقدم للحصول عليها. والآن، وكجزء من حملة القمع الإسرائيلية، يتخذ وزير الداخلية خطوة نادرة بإلغاء إقامة الطالبة الجامعية من صور باهر و16 آخرين من المهاجمين المزعومين -بالإضافة إلى شطب مواطنة شخصين آخرين. وسيظل بإمكان هؤلاء العيش في المدينة، لكنهم سيفقدون مزايا الرفاه الاجتماعي، وسوف يحتاجون إلى تجديد تأشيرات إقامتهم كل بعضة أشهر.
يشعر الفلسطينيون بالغضب لأن السلطات الإسرائيلية لم تفكر بإيقاع مثل هذا العقاب على اليهود الثلاثة الذين يُحاكمون حتى الآن بتهمة القتل المروع لمحمد أبو خضير، الذي قاموا بحرقه حياً في العام الماضي. كما لم تقم السلطات بوضع نقاط تفتيش عسكرية في أحيائهم.
في صور باهر، يقول السكان إن طابور السيارات في المخرج الوحيد المتبقي امتد صباح يوم الخميس الماضي على طول مئات الياردات. ويقول موسى دبش، 44 عاماً، والذي يدير شركة للحافلات السياحية، إن الجنود قاموا بتفتيشه تحت قميصه وبين ساقيه.
ويقول دبش: “لو أنني قلت كلمة واحدة، لاتهموني بمحاولة طعنهم. سألت الجنود الذين فتشوني: “لماذا تفعلون هذا؟”. قالوا لي: “لأنك إرهابي””.
وقال السيد أبو حامد أيضاً إنه تعرض للتأخير. لكن شكاواه أكثر أساسية من مجرد المضايقات على نقطة تفتيش مؤقتة.
وكان زوجان وابناهما قد ماتا في حريق في العام الماضي، كما قال، لأنه تم إرسال عربات الإطفاء إلى صور باهر من حي فلسطيني بعيد آخر بدلاً من إرسالها من المراكز الموجودة في الأحياء اليهودية الأقرب. وكان قد تقدم بالتماس للمحكمة الإسرائيلية العليا في العام 1999 للمطالبة بإنشاء مدرسة للبنات في صور باهر، وكسب الالتماس، لكنه يقول إن الحي يحتاج الآن إلى 20 مدرسة، وليس مجرد المدارس الثلاث عشرة الموجودة حالياً. وأسفل الطريق، تفيض حاويات القمامة بمحتوياتها، وهو مشهد لا يرى مثيلاً له أبداً عندما يذهب لدفع الضرائب في الجانب الآخر من البلدة.
نعم، يستطيع السيد أبو حامد وجيرانه أن يطيروا من مطار إسرائيلي، وهي ميزة حُرم منها مواطنوهم الذين يعيشون في الضفة الغربية وغزة. لكنه قال إنه لا يمكنه أن يمر مطلقاً عبر الأمن “من دون بكاء”، لأن بطاقة هويته التابعة للجامعة العبرية “لا تعني شيئاً -فأنا فلسطيني في نهاية المطاف.
“.
جودي رودورين* – (نيويورك تايمز)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
*أسهم إريت بازنر غارشوفيتس، وإيزابيل كريشنر، وسعيد الغزالي في إعداد هذا التقرير.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: East Jerusalem, Bubbling Over With Despair
ala.zeineh@alghad.jo

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب