الرئيسيةالاخبارلماذا ترتفع الأسوار العرقية في الشرق الأوسط؟

لماذا ترتفع الأسوار العرقية في الشرق الأوسط؟

index
لو أنك ذهبت في رحلة إلى الشرق الأوسط قبل جيلين، لكنتَ قد اندهشت من نسيجه الفريد بتنوعه العرقي والديني والثقافي. كانت شرائح كبيرة من السكان اليهود والمسيحيين تلعب أدواراً بارزة في كل من طهران وبغداد والقاهرة. وعاش الأكراد والعرب والدروز والأتراك واليهود، وطوائف متنافسة من كافة الأديان الإبراهيمية، كتفاً إلى كتف -ليس في سلام مثالي تماماً، وإنما في مناخ غامر من التسامح المستقر بشكل عام.
ولو أنك عبرت البحر الأبيض المتوسط خلال تلك السنوات في منتصف القرن الماضي، لوجدت أوروبا على الطرف النقيض من هذه التعددية. كانت العسكرة والقومية اللتان وسمتا ذلك القرن قد جعلتا بلداناً كانت متعددة الأعراق واللغات في السابق، بما فيها فرنسا وألمانيا، أكثر تجانساً بكثير. ثم جاءت المذابح والمحرقة، وأعقبتها عمليات الترحيل العرقية الجماعية والمسيرات الجبرية في نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي أعقبتها الحدود المغلقة: ولحقبة وجيزة حزينة، اتخذت أسطورة البلد وحيد العرق، التي ولدت فقط في القرن التاسع عشر، شكلاً شبه واقعي في أوروبا المنهكة.
الآن في العام 2015، أصبحنا نشهد تحولاً مذهلاً عن هذا النمط، حيث يستمر الغرب في أن يكون أكثر تعددية وتنوعاً، بينما يتراجع الشرق الأوسط متحولاً إلى مجموعة مجزأة من الدول والمناطق المتجانسة عرقياً ودينياً. في الأيام الأخيرة، أصبح هذا الاتجاه واضحاً بشكل مؤلم بعد فوز حزب رجب طيب إردوغان بأغلبية في انتخابات تركيا الوطنية الثانية لهذا العام، والتي أقيمت مؤخراً. وفي هذه الانتخابات شاهدنا بلده، والمنطقة من حولها، وهما يشرعان في التمزق والتحول إلى شذرات أحادية اللون.
في الانتخابات التركية الأولى التي جرت في حزيران (يونيو) الماضي، تم تجريد السيد إردوغان من الأغلبية على يد حزب الشعوب الديمقراطي الذي يهيمن عليه الأكراد. وفي الرد على ذلك، شن حملة من التقسيم العرقي القاسي، والخوف والقمع، مقوضاً المكاسب التي كان قد صنعها قبل عقد سابق في اتجاه جعل تركيا تعترف بهويتها متعددة الأعراق (بما في ذلك إضفاء الشرعية على اللغة الكردية والأحزاب الكردية، مثل حزب الشعوب الديمقراطي).
لكن أي أمل في أن ذلك كان مجرد حيلة لضمان إعادة انتخابه هذا الأسبوع، عندما صعّد السيد إردوغان حملة قصفه ضد المسلحين الأكراد، منهياً بذلك الهدنة القائمة، ومتعهداً بـ”تصفية” هؤلاء المسلحين. ولا يعني هذا فقط ترجيح استمرار تصاعد النزعة التركية-العرقية الشوفينية، وإنما يعني أيضاً ترك الأكراد مع القليل من الخيارات سوى القتال من أجل الحصول على منطقة مستقلة لهم في العراق وسورية.
لا يشكل تقسيم العراق وسورية إلى مناطق كردية وشيعية وسنية هدفاً رسمياً لتحالف الولايات المتحدة وروسيا وإيران وأوروبا والسعودية الذي تشكل كيفما اتفق لمحاربة مجموعة “الدولة الإسلامية”، وهو ما شرعت هذه الجهات في التفاوض عليه مؤخراً في فيينا. ويبدو أن النتائج المفضلة هي خلق دولة مستقرة ورسم نوعٍ من الخط المنقط الذي يتعقب تحولاً ما إلى نوع من النظام الجديد. لكن الأصوات التي تدعو إلى التقسيم العرقي، في داخل الولايات المتحدة وأوروبا، تصبح أعلى. وكذلك حال القوى التي تجعل ذلك أكثر احتمالاً. ومن خلال مساهماتها العسكرية المحدودة، تعتمد الكثير من البلدان على الأكراد للاضطلاع بالجزء الأكبر من القتال (وهو المكان الذي توجهت إليه مساهمة كندا العسكرية الصغيرة إلى حد كبير). وبطبيعة الحال، يتوقع الأكراد أن يكافأوا على ذلك. وسوف يكون من الصعب الإبقاء على سورية ما بعد الحرب والدكتاتورية متماسكة معاً.
في العراق المجاور، فقد النظام المفروض أميركا والذي يقوده الشيعة دعم معظم السكان السنة والأكراد، وينظر الكثيرون إلى العراق على أنه يصبح فيدرالية فضفاضة مكونة من ثلاث مناطق عرقية، بعاصمة اسمية. وفي الوقت نفسه، استثنت الحكومة الإسرائيلية اليمينية، أو غرّبت السكان العرب الذين يشكلون خُمس سكان البلد، إلى حد أن الكثيرين منهم لم يعودوا يعتبرون أنفسهم مواطنين إسرائيليين.
وفي مصر، وكما لاحظ شادي حميد من معهد بروكينغز في تقرير أخير، قام نظام عبد الفتاح السيسي الذي فرضه الجيش باستئصال جماعة الإخوان المسلمين (ودفعها إلى التطرف)، باستخدام نفس نوع القوانين والتشريعات الإسلامية ونفس رجال الدين -وتعامل مع الأقليات بالقدر نفسه تقريباً من التغريب والقمع. ولن يعود المسيحيون واليهود الذين هربوا من مصر إلى هناك في أي وقت قريب. ربما يكون هدف الولايات المتحدة وروسيا هو حماية الحدود والطغاة الذين أبقوا على المنطقة مستقرة لعقود خلت، بكلفة تمكين أسوأ أنواع الاقتصادات أداء وأسوأ سجلات حقوق الإنسان في العالم. لكن هذه النتائج تبدو محكومة بحتمية مفاقمة المشكلة فحسب. إذا كانت الخيارات الوحيدة التي نريد أن ندعمها ونساعدها هي إما إدامة الدكتاتوريات عتيقة الطراز، أو عملية تمزيق غاضبة تحول المنطقة إلى معتزلات وجيوب عرقية مغلقة، فإننا إنما نحرم بذلك مواطني الشرق الأوسط بالضبط من نوع التعددية الذي سمح لمجتمعاتنا الغربية بأن تزدهر.
‏ala.zeineh@alghad.jo

دوغ ساوندرز – (غلوب أند ميل)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
>
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why the ethnic walls are rising in the Mideast

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب