الاخبارشؤون فلسطينية

عمالنا بعد النكسة: أيدي عاملة رخيصة بشروط عمل مجحفة

index

 

غزة – وفا- محمد أبو فياض- سارعت إسرائيل غداة احتلالها باقي الأرض الفلسطينية بعد حرب حزيران-يونيو 1967 “النكسة”، إلى فتح أسواقها أمام العمالة الفلسطينية دون قيود، ما شجع العديد من صغار السن على ترك التعليم والالتحاق بسوق العمل الإسرائيلية، وأصبحت الأرض الفلسطينية مصدرا أساسيا للأيدي العاملة الرخيصة في الاقتصاد الإسرائيلي.

ويتفق حقوقيون فلسطينيون وإسرائيليون، على أن سلطات الاحتلال الاسرائيلي حولت المواطنين في قطاع غزة والضفة الغربية الى أيدٍ عاملة رخيصة بعد النكسة. حيث أخذ اتجاه العمالة الفلسطينية نحو العمل في سوق العمل الإسرائيلية ينمو بشكل متسارع منذ عام 1970، وذلك أمام السياسة الإسرائيلية التي أدت إلى ضرب وتحجيم القطاعات الإنتاجية الفلسطينية، وإضعاف قدرة الاقتصاد الفلسطيني على خلق فرص عمل لاستيعاب العمالة الفلسطينية المتزايدة.

وهنا يوضح مدير وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، خليل شاهين: التحق العمال الفلسطينيون بسوق العمل الإسرائيلية ضمن شروط عمل سيئة ومجحفة، حيث تم تخصيص الأعمال الشاقة (العمل الأسود) التي تحتاج إلى جهد جسدي للعمال الفلسطينيين، إضافة لذلك برز التمييز واضحا في الأجور مقارنة مع العمال الإسرائيليين في العمل المماثل، حيث تقاضى الفلسطينيون أجرا أقل بنسبة كبيرة من نظرائهم الإسرائيليين.

ويقول: كرست سلطات الاحتلال مسألة التمييز في الحقوق الاجتماعية للعمال الفلسطينيين، حيث تقتطع نسبة من أجورهم تساوي نفس النسبة المقتطعة من أجور العمال الإسرائيليين، لكن دون أن تعود تلك الاستقطاعات على العمال الفلسطينيين بأي نوع من الخدمات في حال البطالة أو الشيخوخة أو العجز، في حين تعود على العمال الإسرائيليين بفوائد وخدمات متنوعة. فضلا عن ذلك منعت النقابات العربية من حق الدفاع عن العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل، الأمر الذي يشكل انتهاكا لحق التنظيم النقابي.

ويضيف: بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر عام 1987 تعرضت العمالة الفلسطينية العاملة في السوق الإسرائيلية لعدة إجراءات استهدفت الحد منها، فبدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بفرض قيود وإجراءات تعسفية بحق العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل، بحيث أصبح يتم تفتيشهم بشكل استفزازي، ويتعرضون للإذلال والإهانة على الحواجز الإسرائيلية، وفي بعض الأحيان يتعرضون للضرب المبرح دون سبب من قبل الجنود الإسرائيليين.

ويبين: في أيار 1989 فرضت سلطات الاحتلال إجراءً جديدا يلزم العمال الفلسطينيين وأي شخص فلسطيني يريد الدخول إلى إسرائيل التزود ببطاقة ممغنطة يسمح لصاحبها الدخول إلى إسرائيل شرط ألا يكون من نشطاء الانتفاضة، وأدى هذا الإجراء إلى حرمان آلاف العمال الفلسطينيين من مزاولة أعمالهم في إسرائيل كالسابق.

ويذكر: خلال حرب الخليج في العام 1991، صعدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي من إجراءاتها تجاه العمال الفلسطينيين، وبدأت باستخدام سياسة إحلال العمالة الأجنبية؛ فقامت بالاستغناء عن عدد كبير من العمال الفلسطينيين لديها واستقدام عمال أجانب بدلا منهم، ما أدى إلى فقدان العديد منهم لأماكن عملهم في إسرائيل، الأمر الذي ساهم في ارتفاع معدلات البطالة واتساع نطاق الفقر في فلسطين.

ويتابع: فرضت سلطات الاحتلال إجراء آخر يقضي بحصول العمال الفلسطينيين على تصاريح للعمل في إسرائيل إضافة للبطاقة الممغنطة. ولا يمنح  العامل هذا التصريح إلا بعد الحصول على براءة ذمة من الجهات الأمنية والضرائبية، إضافة لذلك اشترطت أن يكون العامل مسجلا في مكتب العمل الإسرائيلي، وأن يكون هناك طلب خطي من صاحب العمل الإسرائيلي. ونتيجة لهذه الإجراءات أصبح يتعين على العامل الفلسطيني أمام كل حاجز إسرائيلي إبراز البطاقات الثلاث التي بحوزته: بطاقة الهوية الشخصية، البطاقة الممغنطة، وتصريح العمل، ونتج عن هذا الإجراء حرمان آلاف أخرى من العمال الفلسطينيين من الالتحاق بأعمالهم داخل إسرائيل.

ويقول: قبل الانتفاضة الأولى كان ثمة 420 ألف عامل منظم وغير منظم من الضفة والقطاع يعملون في إسرائيل، وبعد عام 1991 تقلص عدد العمال جراء إحلال عمال أجانب مكانهم وتقلص عدد عمال غزة وبلغ قبل عام  2002 نحو  24800 عامل، إضافة إلى نحو  10  آلاف عامل في المنطقة الصناعية في “ايرز” شمال القطاع، مضافا إليهم عمال المستوطنات، حسب أرقام المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان وقتها.

ويضيف: “يتميز عدد العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل بعدم الثبات والاستقرار، وذلك لأسباب سياسية تحددها الحكومة الإسرائيلية من خلال تحكمها في عدد التصاريح، ومن خلال فرض سياسة الإغلاق الشامل على الأرض الفلسطينية من فترة لأخرى، وما يتضمنه ذلك من حرمان للعمال من الالتحاق بأعمالهم داخل إسرائيل، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة”. وعلى ضوء ذلك تعيش شريحة كبيرة من الأسر الفلسطينية أوضاعا قلقة من حيث عدم ثبات مصدر الدخل وغياب الأمن الوظيفي.

ويتابع: علاوة على ذلك، يتعرض العمال الفلسطينيون العاملون في إسرائيل، والمستوفون لكافة الشروط الإسرائيلية، لصنوف من العذاب وإساءة المعاملة ابتداءً من مشكلة الحصول على التصريح، ومرورا بالتفتيش المذل والمهين على الحواجز، ووصولا إلى ظروف وشروط العمل غير الإنسانية، وانتهاء بالأجر الزهيد ومصادرة الحقوق الاجتماعية. وأسوأ ما في الأمر التنكيل الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق العمال الفلسطينيين على الحواجز والمعابر الإسرائيلية خلال رحلة الذهاب والإياب من وإلى العمل، والذي يصل حد الضرب والاعتداء الجسدي، والاعتقال وإطلاق النار في بعض الحالات، إضافة إلى الانتظار في طوابير طويلة على المعابر ونقاط التفتيش، وتحديدا على معبر “إيرز”.

ويبين شاهين: يبدأ يوم العمل بالنسبة للعامل الفلسطيني من الساعة الواحدة أو الثانية فجرا، ويستمر حتى السادسة أو السابعة مساء، أي ما يقارب 14 ساعة يوميا.

ويؤكد أن ضباط أجهزة الأمن الإسرائيلية، استغلوا حاجة العمال الفلسطينيين للعمل سعيا لابتزازهم وتشغيلهم كعملاء للمخابرات الإسرائيلية، حيث تقوم باستدعاء عدد من العمال الفلسطينيين أثناء توجههم لتجديد البطاقة الممغنطة أو تصريح العمل، أو أثناء توجههم للعمل أو عودتهم منه. ويتم احتجاز العمال في زنازين خاصة، ويقوم ضباط أجهزة الأمن الإسرائيلية بالتحقيق معهم للحصول على معلومات حول نشاط بعض الأحزاب الفلسطينية في مناطق سكناهم، وتتم مساومتهم إما بالتعامل مع جهاز المخابرات الإسرائيلي كعملاء، أو يتم سحب التصاريح التي بحوزتهم، وبالتالي حرمانهم من حقهم في العمل.

يذكر أنه مع اندلاع انتفاضة الأقصى بتاريخ 29/9/2000 أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض الحصار الشامل على الأرض الفلسطينية المحتلة، وشكل قطاع العمالة أكثر القطاعات تضررا جراء الإغلاق الإسرائيلي المفروض منذ اندلاع انتفاضة الأقصى.

ولعل أهم ما يتركه الإغلاق على العمال الفلسطينيين كتأثير واضح ومباشر، يتمثل في ارتفاع معدلات البطالة إلى أرقام قياسية في صفوفهم.

على ذلك طالب وزير العمل مأمون أبو شهلا، في 11-4-2016، منظمة العمل الدولية بإرسال بعثة تقصي حقائق تضم محاسبين وقانونين، للاطلاع على سجلات وزارة المالية في اسرائيل لتحديد دقيق لأموال العمال الفلسطينيين ودفعها لأصحابها، والتي تقدر بـ8 مليارات دولار. وذلك خلال كلمة دولة فلسطين في الدورة الـ 43 لمنظمة العمل العربية المنعقدة في القاهرة.

وطالب أبو شهلا المؤتمر باتخاذ القرارات والإجراءات لكي يصبح برنامج عمل لمنظمة العمل العربية ولتحقيق مطالبنا: وهي حقوق عمالنا في اسرائيل والتي تبلغ بسبب التراكم منذ العام 1970 حتى الان أكثر من 8 مليارات دولار ترفض إسرائيل الإفصاح عنها او دفعها لأصحابها، ومعالجة مشكلتي الفقر والبطالة في فلسطين  لتثبيت الفلسطيني على أرضة.

وأشار إلى أن بعثة منظمة العمل الدولية الى فلسطين، تظهر في 14 تقريرا الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق عمالنا داخل أراضي 48، وتبين جميعها فداحة الإجراءات الإسرائيلية المتمثلة في سوء التعامل، والغطرسة والإهانات، والإذلال وتشغيل الأطفال، وسرقة جزء كبير من الأجور من قبل السماسرة الذين تبعثهم اسرائيل للتنصل من مسؤولياتها تجاه عمالنا، مطالبا لجنة خاصة لمراقبة نتائج هذه التقارير ووضع الآليات والإجراءات لوقف الانتهاكات الإسرائيلية.

وفي هذا الإطار، بحث وزير العمل مأمون أبو شهلا في 4-5-2016 مع مدير عام جمعية عنوان العامل، علاء الخطيب، الإطار القانوني لملاحقة إسرائيل لاسترداد الأموال التي نهبتها من العمال الفلسطينيين على مدار أكثر من أربعين عاما، والتي تقدر بمليارات الشواقل، ولم تقم بإعادتها للعمال أو ورثتهم، أو لأي جهة فلسطينية، بحجة أنه لا يوجد هناك صندوق ضمان اجتماعي للعمال في مناطق السلطة الفلسطينية على غرار صندوق الضمان الاجتماعي الإسرائيلي.

وقال أبو شهلا، إن الوزارة ستذهب لأبعد الحدود الممكنة، وبالأطر القانونية، لاستعادة تلك الأموال المستحقة لأصحابها، ولن تسمح بأن تستمر دولة الاحتلال بسرقة أموال وعرق وجهد عمالنا دون حسيب ولا رقيب، أو التصرف بهذه الأموال وكأنها دولة فوق القانون، مطالبا جمعية عنوان العامل بتجهيز دراسة قانونية ومحاسبية دقيقة من أجل معرفة حجم تلك الأموال، والآلية القانونية لاستردادها وتحويلها لأصحابها كما نص عليه القانون.

أما مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة ” بتسيلم”، فقد قال في تقرير سابق له تحت عنوان “العمال الفلسطينيون داخل إسرائيل”: إنه وفقا للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، فان دولة إسرائيل ملزمة بضمان المعيشة لسكان الأراضي المحتلة الفلسطينية الخاضعة لسيطرتها الفعلية، كما أن عليها أن تضمن لهم حقوقهم في العمل والاستمتاع بمستوى حياة لائق. يزيد سريان هذا الواجب أيضا على ضوء حقيقة أنه ومنذ بدء الاحتلال، عملت إسرائيل بشكل مقصود على منع تبلور اقتصاد فلسطيني مستقل ولعبت دورا بالمساهمة في نشوء الضائقة الاقتصادية الصعبة الموجودة اليوم في الضفة الغربية وفي قطاع غزة.

وأضاف: بدلاً من المساعدة في إصلاح هذا الظلم الذي سببته، فان إسرائيل تعمل اليوم، مثلما عملت في السابق، بنهج يحرم الجماهير الغفيرة من الفلسطينيين من ممارسة حقهم في العمل وكسب الرزق. كثيرة هي الحالات التي يقع فيها العمال الفلسطينيون الذين يدخلون إلى إسرائيل فريسة للاستغلال من قبل مشغليهم كما أنهم يقابلون بالمعاملة الفظة والتنكيل من قبل رجال الشرطة والجنود.

وبين انه منذ بدء الاحتلال وحتى بدء العملية السياسة (“عملية أوسلو”) في سنة 1993، تولت إسرائيل إدارة السياسة الاقتصادية في الأراضي المحتلة بصورة حصرية. في تلك السنوات، انتهجت إسرائيل سياسة عدم التطوير الموجهة. وفي إطار هذه السياسة امتنعت إسرائيل عن الاستثمار في تطوير اقتصاد فلسطيني مستقل وشجعت الفلسطينيين على الانخراط في سوق العمل الإسرائيلي. بهذا الشكل، تحولت المدخولات من العمل داخل إسرائيل إلى عامل مركزي في الإنتاج القومي الفلسطيني. عندما أوشكت هذه الحقبة على الانتهاء، عمل في إسرائيل حوالي 115.0000 عامل فلسطيني وقد هبطت نسبة البطالة في الأراضي المحتلة إلى ما دون نسبة %5. هؤلاء العمال الذين شكلوا آنذاك ثلث الأيدي العاملة في الأراضي المحتلة، أعالوا مئات الآلاف من المتعلقين بهم (ذويهم).

وتابع التقرير: حتى بعد تأسيس السلطة الفلسطينية ونقل جزء من الصلاحيات في مجال السياسة الاقتصادية لها، لم يتطور اقتصاد فلسطيني مستقل ومتين. إذ أن إسرائيل احتفظت لنفسها بصلاحيات مركزية تمكنها من مواصلة بسط سيطرتها على الاقتصاد الفلسطيني. بمرور السنين وعلى وجه التحديد منذ اندلاع الانتفاضة الثانية وتصاعد النضال العنيف ضد الاحتلال، فرضت إسرائيل قيودا صارمة على حرية حركة الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة ومنعت السلطة من الوصول إلى مصادر تمويل حيوية. وقد أدت هذه الخطوات إلى تدهور الاقتصاد الفلسطيني إلى الحضيض. وقد أدى الحرمان الذي نجم عن ذلك إلى زيادة تعلق الفلسطينيين بالمدخولات الواردة من العمل في إسرائيل وذلك لعدم توفر الموارد لدى الاقتصاد الفلسطيني لتوفير المعيشة اللائقة لكافة سكان الأراضي المحتلة. وأنه على الرغم من حقيقة تعلق الكثير من الفلسطينيين بالعمل في إسرائيل من اجل معيشتهم، فإن هذا لم يردع إسرائيل عن فرض إغلاق محكم على الأراضي المحتلة.

وأورد التقرير أنه في آذار 1993، فرضت إسرائيل الإغلاق الشامل على الأراضي المحتلة “حتى إشعار آخر”. لم تتم إزالة هذا الإغلاق الشامل مطلقا. بناءا على سياسة الإغلاق، فرض على الفلسطينيين عدم الدخول إلى إسرائيل بدون الحصول على تصاريح بذلك. بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، أصبح الإغلاق محكما أكثر. ردا على العنف الذي اندلع في تلك الفترة، فرضت إسرائيل في 8-10-2000 الإغلاق المطلق على الأراضي المحتلة، على حرية الحركة للفلسطينيين بين الأراضي المحتلة وإسرائيل وبين الضفة الغربية وقطاع غزة والتي حظرت بشكل قاطع تقريبا على مدار بضعة أشهر. في نهاية المطاف، تم إزالة الإغلاق المطلق، غير أن الإغلاق العام مفروض منذ ذلك الوقت وحتى اليوم بصرامة غير مسبوقة ومن حين إلى آخر تعود إسرائيل لفرض الإغلاق المطلق مرة أخرى.

وجاء في التقرير “كثيرا ما يستغل المشغلون الإسرائيليون ضائقة العمال الفلسطينيين، وخاصة العمال الذين لا يملكون تصاريح للتواجد في إسرائيل، ويقومون بتشغيلهم مقابل أجر زهيد وبظروف صعبة من خلال حرمانهم من الحقوق التي يستحقونها حسب القانون”.

ـ

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق