ثقافة وادبزوايا

موتى«سامح خضر» لا ينتحرون لكنهم يعودون للحياة .. بقلم :فاتنة الغرة

19r005

لا بد لي من الاعتراف بداية بأنني دخلت عالم رواية «الموتى لا ينتحرون» أول مرة متربصة بها، في محاولة للوقوف على صوت الشخصية الرئيسية «حياة»، دخلت على مهل لأرى إلى أي مدى استطاع الكاتب المقاربة بين ذاته وصوت الأنثى الذي قد يغرى الآخرين ببساطة تناوله، إلا أنني فوجئت وأنا أقرأ العمل للمرة الثانية وأتتبع الخط الدرامي والحوار الداخلي الذي أوقفني للحظات كثيرة عن القراءة بهذه القدرة، فكيف يمكن لكاتب أن يتلبس صوت الأنثى إلى هذا الحد الذي أنساني خلال مراحل الرواية جنس الكاتب، وهنا تظهر براعته وشغفه بشخصيته التي جعلته كما أظن يغوص عميقا داخله لالتقاط صوت الأنثى الموجود طبيعيا داخل كل رجل، مثلما يوجد بالمقابل صوت ذكر داخل كل أنثى. واظن أن الكاتب هنا أخرج هذا الصوت ووضعه أمامه على الطاولة عاقدا اتفاقية معه تقتضي بأن يتحدث عن تجربة مغرقة في القدم وتاريخ من القهر والغضب، لا يعينه فيها غير تجارب من نساء استطاع أن يأخذ منهن الخطوط العريضة للشخصية المركزية للرواية، ومن ثم منحها لذاك الصوت الأنثوي داخله لتنطق «حياة» كما قرأناها في الرواية.
والحقيقة أنني لم أر أن سامح خضر يناقش هنا قضية سفاح القربى، كما أثير في قراءات عدة، ولكن ما قرأته كان عملاً يتناول الصراع الأزلي مع الطغيان والظلم في أوضح شكل تمثّل في «حياة»، تلك البنت اليتيمة التي لا عائل لها ولا سند، أي أنها تمثل هنا نموذج الضعف في أكثر صورة إثارة للشفقة، فهي طفلة ويتيمة وجميلة ولا حول لها ولا قوة، وهي في بدايات تفتحها على أنوثتها، وفي المقابل نجد السلطة المطلقة التي يمثلها الجاني هنا وهو الجد، فهو ليس فقط جد العائلة وصاحب السلطة المطلقة فيها، إنما هو سيد القرية بلا منازع وهذا ما يضفي عليه حصانة لا يقف أمامها أي شيء.
رواية «الموتى لا ينتحرون» رواية القهر والاغتصاب الروحي والمعنوي والمادي، وقد برع الكاتب في إضافة عناصر تدعم طرفي القصة، فمن جانب «حياة» نجد أمها التي وقعت أيضا فريسة لهذه السلطة، التي صارت تنظر لابنتها على أنها غريمتها ومنافستها في الحظوة برضى الجد، وبالتالي سلطته المطلقة، حتى إن لم ترض عن هذا الدور، إلا أنه كان يمنحها مساحة من القوة المستعادة بعد رحيل زوجها، ومن جهة أخرى عدم وجود سند ذكوري آخر لدعم الطفلة التي استبيح عرضها تماما في اليوم الذي كانت فيه صديقتها المقربة تزف إلى زوجها، مفارقة تزيد شعورنا بالتعاطف مع مظلومية «حياة» التي لم يغتصب منها شرفها وإنما حلمها بأن تكون فتاة مثل بنات جيلها، كما اغتصب منها وطنها وبيتها حينما أُجبرت على مغادرة القرية وإلا فالموت في انتظارها.
في الطرف الآخر من الرواية يظهر لنا «إياد» ذلك المقاتل الذي يحمل على كتفيه تاريخا من الخيبات والخسارات الكبيرة والانتصارات الصغيرة، ممتلئا بالحلم الرومانسي القديم عن فلسطين والعودة إليها، لتظهر أمامه «حياة» وتعيد إليه إحساس المقاتل الذي وجد أخيرا قضية يناضل من أجلها، فلم تكن «حياة» هنا مجرد امرأة بالنسبة لإياد، انما هي معادل موضوعي للقضية التي تركها خلفه حينما اضطر إلى مغادرة لبنان، وكانت هي الرهان على نضاله، ومن أجلها دخل صراعا مع ذاته الذكورية، ذلك الصراع الذي كان يضع من جهة ماضيها الملوث – حتى إن لم يكن بإرادتها- ومن جهة أخرى روح الفروسية التي كلّلها حبه لها لينتصر للضحية من خلالها، وكأنه هنا يسعى لكسب حرب تعوضه خساراته السابقة.
لغة الرواية دقيقة ومحددة كما كانت فصول الرواية قصيرة ومكثفة، فلم يغرق الكاتب في العمل في استعراض لغة معملية أو جاهزة، إنما انتصر للاختصار والبعد عن الاسترسال الذي لا لزوم له، والذي برز من خلال التوصيفات المختصرة والحوارات الحاسمة والشخصيات واضحة المعالم، غير أنه وقع في بعض المناطق في الرواية في فخ رومانسية اللغة التي شوشت متعتي في بعض الأحيان، رغم أنها لم تستمر طويلا، وفي الجهة المقابلة نرى أن الكاتب ثقف نفسه جيدا في التفاصيل النفسية لشخصيات العمل، خاصة حينما دخلت المعالجة النفسية خطوط الرواية، حيث أقنعني الكاتب هنا أيضا أنني اتعامل مع معالجة نفسية لا ترتكن للعبارات المستهلكة في الأعمال التلفزيونية أو السينمائية، فقد كــانت هــنــا طبيبة نفسية من لحم ودم.
شخصيات الرواية الرئيسية كلها بلا استثناء كانت تحمل خطوطا واضحة المعالم لدرجة تستطيع معها أن ترى الشخصية تتحرك أمامك، وهذا يأتي تبعا لوجهة نظري من اهتمام الكاتب بالتفاصيل الدقيقة التي قد لا تلفت انتباه كثير من الناس، خاصة في وصفه لشخصية الجد والأم مثلما كان وصفه لحياة وإياد، وعلى الرغم من أن «شروق» المرأة السورية صديقة «حياة» وصلة الوصل بينها وبين «اياد» منذ البداية، لم تأخذ حقها تماما في العمل، إلا أن ملامحها كانت حاضرة وبقوة رغم صغر مساحتها في العمل، وهو الأمر الذي كنت أتمنى لو أشبعني الكاتب فيه، «شروق» شخصية غنية كانت تستحق فرد مساحة أكبر لها في الرواية، فأهمية دورها فيه لا يقل تأثيرا عن دور «حياة» و»إياد»، خاصة في تلك الفقرة التي تناول فيها الكاتب قصة «شروق» مع ابنها الذي فقدته في لحظة غاشمة، وذلك الحوار الغني الذي وقفت أمامه طويلا وجرى من طرف شروق وحدها في مواجهة السلطة الأكبر بالنسبة لها وهي القس، ممثل الله في الكنيسة لنعود بهذا المقطع إلى جوهر الرواية الأساسي وهو ذلك القهر المقبل من سلطة عليا تمتلك بيدها كل شيء أمام مخلوق ضعيف لا يجد جدارا يستند إليه، وإن وجده سوف يتركه يوما مثلما فعل زوج «شروق» بعد وفاة ابنهما حين تركها تواجه ألمها وحدها وغادرها حاملا ضعفه وعدم قدرته على مواساتها، وأظن أن الكاتب هنا خشي أن تفلت الرواية من قبضته ولذلك لم يسترسل في حياة «شروق» أكثر فشخصيتها قد تأخذ العمل إلى مناطق أخرى ربما تضيعه بتفاصيل قد لا يمتلكها الكاتب على وجه الدقة مثلما كان الحال في بقية شخصيات العمل.
ربما أكثر ما آلمني في هذه الرواية هو النهاية التي حاول الكاتب من خلالها أن ينتصر لمظلومية المقهور إلا أن العُرف انتصر كالعادة، ولم تعد الحقوق لأصحابها، ولم يكتف الكاتب بهذا القدر إنما جاءت الجملة الختامية قاصمة ظهر للقارئ حينما سألت «حياة» أمها بعد عودتها للقرية عن اختها سناء كي تعطيها هديتها فكانت الإجابة أن «سناء لقيناها مقتولة عند البير يما»، عبارة تلخص تاريخ القهر كله ولا تحتاج لتفسيرات حول كيفية وسبب موتها، حيث يكفي أن تكون قد قتلت بهذا الشكل لنخمن الأسباب، وقد شكّلت كلمة «يما» التي ختم بها الإجابة والرواية معا ملخصا لتاريخ الوجع والقهر والعبودية في مجتمع لا يحكم إلا بقوانين خاصة به، لا تأخذ المرأة فيها مكانة أبعد من كونها ملكية خاصة لأهلها، وعامة لعادات هذا المجتمع وأعرافه.
لم يخف الكاتب منذ بداية الرواية خصوصية فلسطينية العمل بدءا من اللغة المحكية التي استخدمها في الحوارات، رغم أنه مزجها ببعض الفصحى أحيانا، ومرورا بخصائص المجتمع الفلسطيني والميرمية والزعتر وتفاصيل الحياة اليومية وانتهاء بالتجربة الفلسطينية المناضلة التي جاءت على لسان إياد أثناء استدعائه لذاكرته البعيدة، وقد استطاع الكاتب من خلال هذه العناصر المجتمعة أن يضمن لروايته موقعا خاصا في المشهد الفلسطيني، كما رأيتها من خلال هذه القراءة السريعة للرواية، خاصة أن هذا المشهد يمتلئ بالشعر أكثر من الرواية، إلا أن خصوصية هذا العمل تجعله يفتح دربا جديدا للكتاب الشباب الجدد، حيث تعتبر «الموتى لا ينتحرون» العمل الروائي الثاني للكاتب بعد روايته الأولى «يعدو بساق واحدة»، وقد أوضح في «الموتى لا ينتحرون» فلسفته ورؤيته للحياة من أول جملة افتتح فيها الرواية حيث يقول، «العقل لا يشغل نفسه بأسئلة المصير، فالقدر يتولاها» وقد تولى هو من خلال هذا العمل طرح رؤاه الفلسفية والاجتماعية ربما في محاولة للتصالح ولو على الورق بين الموروث الذكوري المحمول على كتفيه وبين قناعاته بأن الغفران طريقنا للتصالح مع ذواتنا، وهذا ما جعلني أرى في هذا العمل جانبا مشرقا في المشهد الروائي الفلسطيني وفي مسيرة الكاتب التي سيتحتم عليه العمل جاهدا للتخلص من توابع شخصياته والانعتاق منها في الأعمال المقبلة.

٭ شاعرة وإعلامية فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى