الرئيسيةزواياثقافة وادبمنامات العرب للعرب!

منامات العرب للعرب!

b52e2a15-3604-43b3-adc6-a588c47faef3

 

 

كانت الناصرية زمن الأحلام الكبيرة، القومية العربية والانتماء العضوي للعالم الإسلامي. لكن الدين غلب على هذه الانجازات فتحققت خارج المجتمع المدني.

الأحلام ليست حكراً على مجموعة أو عصر، إلا أن هناك شروطا لها حتى لا تكون مجرد أضغاث أو حملا فكريا كاذبا… «التحرر، الدولة المدنية، الوحدة» كانت أحلاماً ولم تتحقق في زمان الوعي الفكري والثقافي والنضالي، وبوجود أسماء مفكرين وعقول مهمة عاصرت الفكرة وأضاءتها، وانتهجت التنوير، فهل يحق لنا أن نحلم ونسأل من سرق هذه المفردات الكبيرة؟
المشكلة الأولى اننا في الوطن العربي لا نفهم المصطلحات، ولو أدركنا معناها هناك من يغير مضمونها بقوة السياسة أو الدين، أو طريقة التطبيق بحيث تتناسب مع أفراد ومجموعات حزبية وإثنية وطائفية وعشائرية مسيطرة. وللأسف الجميع شارك في إجهاضها، فلم تخضع أحلام التحرر والعدالة الاجتماعية يوماً للتطبيق، إذ لم تخرج عن حيز الحلم الواعي، حتى الثورات التي قامت وحققت نجاحاً نسبياً لم تكن بداية أو أساساً لتحقيق مناماتنا الوحدوية والتحررية.
لعل ثورة 1952 التي قادها جمال عبد الناصر نتيجة القهر الداخلي الذي عاناه الشعب المصري على يد التسلط الملكي ولتحرير الشعب من الاحتلال الاستعماري البريطاني، أهم نقاط التحول في تاريخ مصر وأهم حركات تحرر الأمة، فلقد قامت على ثلاثة محاور أهمها القومية العربية، لكن لا يمكن أن نغفل المحورين الآخرين ألا وهما الانتماء العضوي للكيان الأفريقي، والانتماء الديني للعالم الإسلامي، والذي بدوره ضاعف عدد المساجد في مصر من أحد عشر ألف مسجد قبل ثورة يوليو، إلى واحدٍ وعشرين ألف مسجد عام 1970؛ أي في فترة حكم لم تتجاوز عقدين من الزمن، تم بناء عشرة آلاف مسجد وهو ما يعادل عدد المساجد التي بنيت في مصر منذ الفتح الإسلامي حتى بداية هذه (الثورة)، إضافة إلى إلزام طلاب المدارس بمادة التربية الدينية كمادة إجبارية يتوقف عليها النجاح والرسوب.
لا ننكر أهمية الثورة الناصرية، لكن لا يمكننا إغفال ما نجم عنها، لا سيما أنها من أهم حركات التحرر في العصر الحديث. وهنا لا بد من الإشارة لتكريس العقلية الدينية التي تعتمد مبدأ التسليم والخضوع بدل العقلية العلمية التحليلية، في الوقت الذي ننشد فيه مجتمعات أقل تطرفاً وأكثر تنوعاً ثقافياً وتعدداً سياسياً.
لنعترف أن بناء دولة مدنية أو علمانية بنظام اشتراكي أو رأسمالي، يميني أو يساري لم يؤهلنا لأحلام كبيرة، حيث تتشابه أقطار العالم العربي رغم التباين البسيط بينها، فالكل يحصد زرع الأمس: دول غارقة في الطغيان والقبلية، مجتمعات غاب عنها مفكروها، أحزاب تبحث عن مكتسبات، لا مساواة في الحقوق، شعارات نظرية، والبقاء للأقوى والحكم للأكثرية المذهبية لا السياسية، فكفاءة الفرد تتأتى من مكانته العشائرية وانتمائه العائلي ودينه وعرقه.
تهميش وطغيان، وأخيرا ثورات فوضوية مالت إلى الجامع بدلاً من المتحف، وحلقات الدين بدلاً من الجامعة، فكيف نستطيع تحقيق دولة مدنية والتحدث عن أحلامنا عنها والمجتمع العربي مقسّمٌ إلى طبقات؟ حتى الدراسات وبحوث التحرر تُطبع على نفقة آل فلان والشيخ علان وطبقة الأشراف وأصحاب النفوذ ورؤوس الأموال القائمة على الديكتاتورية والاستبداد؟ الأحرى أن نسأل من استبدل التعليم بالإرهاب، وغيّب العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في مجتمعات لا تكفل حرية الرأي والتعبير لكل أفرادها. فمن غير الممكن أن نعيش في عصر الاضطهاد الطائفي والحروب الدينية والفتاوى السياسية، ونتشدق بعناوين ومصطلحات كبيرة. ألم نُكَفِّر المفكرين ( فرج فودة، نصر حامد أبو زيد، سيد القمني) واتهمنا أدونيس بطائفته؟ وقبلنا بفتاوى مضرجة بالدم بدل الحبر ممن اعتبرناهم علماء مسلمين أمثال القرضاوي وغيره؟
هل تعيش الأحلام الكبيرة في واقع غير متوازن من فقر واستبداد ومذهبية؟ وأحسب أن العرب باتوا مذعورين تائهين بين النظريات الكبيرة والتطبيق الفاشل. شعوب تلهث وراء الحرية، لكن للأسف لم نخرج بعد عن كوننا «ظاهرة صوتية» كما أطلق علينا القصيمي في زمن بات فيه كل شيء خرافي!

لؤي ماجد سليمان – السفير
(كاتب سوري)

 

المادة السابقة
المقالة القادمة
مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب