لم يعد ما يجري مجرد جولة تصعيد عابرة، بل تحوّل إلى حرب مفتوحة تتدحرج بسرعة نحو إشعال الشرق الأوسط برمّته، بعد العدوان الإسرائيلي–الأميركي على “الجمهورية الإسلامية” في إيران، وما أعقبه من تفاعلات عسكرية وسياسية متسارعة، فالمنطقة العربية اليوم تقف أمام أخطر منعطف منذ عقود، إذ لم يعد الصراع محصوراً بجغرافيا محددة، بل بات يتخذ طابعاً إقليمياً شاملاً، تتقاطع فيه الحسابات الاستراتيجية مع رهانات الهيمنة وإعادة رسم خرائط النفوذ.
الحدث الأخطر تمثّل في الإعلان عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني، وهو تطور غير مسبوق في بنية النظام السياسي الإيراني، ومن شأنه أن يفتح الباب أمام مرحلة شديدة التعقيد داخلياً وخارجياً، فغياب رأس الهرم في لحظة حرب يضاعف احتمالات الانزلاق إلى خيارات أكثر حدة، سواء بدافع الردع أو تثبيت الشرعية الداخلية، كما أن هذا التطور يرفع مستوى التوتر بين القوى الإقليمية المنخرطة مباشرة أو بالوكالة، ويضع المنطقة على حافة انفجار واسع.
الردود الإيرانية لم تتأخر، وجاءت محسوبة من حيث الرسالة، لكنها مفتوحة على احتمالات تصعيد أكبر، وفي المقابل، تراهن حكومة الاحتلال الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو على توسيع المعركة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب موازين الردع، بينما تبدو الإدارة الأميركية شريكاً مباشراً في مسار المواجهة، سواء عبر المشاركة والدعم العسكري أو الغطاء السياسي.
النتائج الأولية للحرب تتجاوز الميدان العسكري، فأسواق الطاقة تهتز، والملاحة البحرية في الخليج والبحر الأحمر مهددة، والاقتصادات العربية الهشة تواجه ضغوطاً إضافية، أما الشعوب، فهي مرة أخرى من يدفع الثمن: مزيد من الفقر، ومزيد من النزوح، ومزيد من الاستقطاب الطائفي والسياسي.
انعكاسات هذه الحرب على القضية الفلسطينية بالغة الخطورة، وتصعيد الصراع الإقليمي سيعيد ترتيب أولويات الدول العربية، وقد يؤدي إلى تراجع الدعم الدولي للقضية الفلسطينية في ظل الانشغال بالأمن الإقليمي، مع ما يترتب على ذلك من ضغوط على الشعب الفلسطيني والنظام السياسي الفلسطيني وتهديد لمشاريع التهدئة والحلول السياسية، كما أن احتمالات زيادة التدخلات الإقليمية والدولية في فلسطين ترتفع، ما يجعل مستقبل المنطقة أكثر هشاشة ويزيد من احتمالات تصاعد النزاعات على طول الجغرافيا العربية، ويجب التأكيد على أن استهداف أي دولة عربية أو المساس بسيادتها الوطنية وسلامة مواطنيها مرفوض بشكل كامل، مهما كانت الأسباب، لأنه يمس الأمن والاستقرار الإقليميين ويضاعف المخاطر على شعوبنا.
السؤال الجوهري اليوم: هل تتوافر إرادة دولية حقيقية لجم هذه الحرب؟ حتى اللحظة، تبدو المواقف الدولية منقسمة بين دعوات خجولة للتهدئة ومواقف منحازة تغذي الصراع، ومجلس الأمن عاجز بفعل التناقضات بين القوى الكبرى، والاتحاد الأوروبي يتحرك ببطء، فيما تسعى قوى دولية أخرى إلى استثمار الأزمة لتعزيز مواقعها التفاوضية، ولا نرى مؤشرات حاسمة على ضغط جدي يفرض وقفاً فورياً لإطلاق النار أو يفتح مساراً سياسياً ملزماً.
إن استمرار العدوان وتوسيع رقعته لن يقود إلا إلى مزيد من الفوضى وتفكيك الدول، وسيضع المنطقة أمام عقود جديدة من عدم الاستقرار، والمطلوب اليوم موقف دولي واضح يوقف آلة الحرب، ويعيد الاعتبار للقانون الدولي، ويمنع تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة تصفية حسابات بين القوى الكبرى.
في غياب ذلك، سنكون أمام مرحلة تتكرس فيها شريعة القوة، ويتراجع فيها منطق السياسة، لتدخل المنطقة زمناً مفتوحاً على كل الاحتمالات، من حرب إقليمية شاملة إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ بالقوة، وبين هذا وذاك، تبقى شعوبنا الحلقة الأضعف، فيما تتقدم مشاريع الهيمنة على حساب الأمن والاستقرار والعدالة، ويزداد خطر أن تتحول القضية الفلسطينية العادلة إلى ضحية إضافية في صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.
حافة الانفجار … بقلم : محمد علوش
النضال الشعبي بغزة : تشارك فى الاعتصام والتضامن الاسبوعي مع الأسرى والأفطار الجماعي الذي نظمته نقابة الصحفيين

غزة/شاركت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في قطاع غزة فى الاعتصام الأسبوعي والوقفة التضامنية مع الأسرى في سجون الاحتلال والتى تنظمها لجنة الأسرى للقوى الوطنية والاسلامية بقطاع غزة وأهالي الأسرى امام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي بغزة
بحضور محمود الزق عضو المكتب السياسي للجبهة والرفيق ناهض شبات عضو لجنة الأسرى للقوى الوطنية ومشاركة اهالى الأسرى والشخصيات الوطنية.
وذلك لدعم صمود الأسرى في وجه سياسات القمع والتنكيل التى تقوم بها حكومة الأحتلال ومصلحة السجون الأسرائيلية بحق الأسرى من انتهاكات داخل السجون .
مطالبين الضغط على المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته القانونية والأنسانية من أجل الافراج عن الأسرى من سجون الاحتلال.

كما شاركت الجبهة بغزة فى الافطار الجماعي الذي نظمته نقابة الصحفيين الفلسطينيين بغزة للصحفيين والصحفيات بالتعاون مع جمعية البركة الجزائرية في الإفطار الجماعي، وذلك في مقر مركز التضامن الإعلامي – ساحة مركز رشاد الشوا الثقافي، بمدينة غزة.
جبهة النضال تسجل رسميا قائمتها الانتخابية لبلدية دير البلح
دير البلح: قامت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني اليوم بالتوجه لمقر لجنة الانتخابات المركزية في دائرة دير البلح الانتخابية لتسجيل قائمتها الانتخابية حسب الأصول والقوانين المعمول بها لخوض انتخابات البلدية.
وقد أطلقت الجبهة على قائمتها الانتخابية في دير البلح اسم ” السلام والبناء”، حيث ضمت القائمة كوكبة من الشخصيات الوطنية والكفاءات العلمية والمهنية، وحرصت على تمثيل المرأة والشباب، وكافة القطاعات والمكونات المجتمعية، لتعبر القائمة عن مواطني دير البلح الذين يتطلعون لنهضة وتطور مدينتهم، وتحسين الخدمات المقدمة لهم، وإيجاد حلول جدية للمشكلات والتحديات التي واجهتهم خلال الفترة الماضية.
وقالت الجبهة إن أهمية الانتخابات البلدية لهذه الدورة تأتي كونها جاءت بعد حرمان وتعطيل لإجرائها لأكثر من عشرين عاما بسبب الانقسام وسياسة سلطة الأمر الواقع في غزة، وتزداد أهمية أجراءها أكثر الٱن بعد حرب الإبادة التي تعرض لها شعبنا، وما خلفته من ٱثار ونتائج كارثية على كافة المستويات، وهو ما يتطلب خطة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار وتنمية غزة للتخفيف من معاناة وٱلام أبناء شعبنا وتثبيتهم في أرضهم.
ودعت الجبهة كافة أبناء شعبنا في دير البلح إلى المشاركة الفاعلة في الانتخابات وممارسة دورهم وحقهم الديمقراطي الذي كفله لهم القانون والدستور باختيار ممثليهم، وشددت الجبهة على أن المشاركة في الانتخابات حق وواجب، وهي السبيل للتطور والتقدم والنهوض بمجمل الأوضاع التي يعيشها سكان المدينة.
جبهة النضال الشعبي الفلسطيني تعزّي الحزب الشيوعي العراقي بوفاة حميد مجيد موسى
رام الله: بعث د. أحمد مجدلاني، الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، برقية تعزية إلى الرفيق رائد فهمي، سكرتير اللجنة المركزية لـ الحزب الشيوعي العراقي، بوفاة القائد الشيوعي والمناضل الوطني والأممي الكبير حميد مجيد موسى (أبو داود)، السكرتير السابق للجنة المركزية للحزب، الذي رحل بعد مسيرة نضالية طويلة حافلة بالعطاء والتضحيات.
وأكد مجدلاني، باسمه وباسم أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية للجبهة، أن الفقيد شكّل أحد أبرز أعمدة الحركة الوطنية والديمقراطية في العراق، وأسهم بدور محوري في تعزيز حضور الحزب وثباته في أدقّ المراحل وأصعبها، متمسكاً بخيار الديمقراطية والتجديد، ومدافعاً صلباً عن قضايا الكادحين وحقوق الشعب العراقي في الحرية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية.
وأشار إلى أن رحيل موسى يمثّل خسارة كبيرة، ليس للحزب الشيوعي العراقي فحسب، بل للحركة التقدمية العربية والأممية، التي عرفت فيه قائداً متواضعاً ثابتاً على مبادئه، عميق الإيمان بعدالة قضية شعبه، وفياً لرفاقه، سخياً في عطائه.
كما توجّهت الجبهة بخالص العزاء إلى عائلة الفقيد ورفيقة دربه وأبنائه وأحبائه، وإلى جميع رفاقه وأصدقائه ومحبيه، مؤكدةً تضامنها الكامل مع الحزب الشيوعي العراقي في هذا المصاب الجلل.
وختمت الجبهة بيانها بالتأكيد على أن ذكرى الراحل وإرثه النضالي سيبقيان حاضرين في وجدان المناضلين من أجل الحرية والتقدم، داعيةً لشعب العراق الشقيق بدوام التقدم والحرية.
ثمن انهيار السلطة الفلسطينية
بقلم: جاكي خوجي /أجرى وزير مالية السلطة الفلسطينية، الإثنين الماضي، مقابلة مع صحيفة فلسطينية. تحدث الوزير، اصطفان سلامة، باستطراد. وكالمعتاد كان قلقاً. الموضوع المركزي في المقابلة كان الوضع المهزوز للسلطة الفلسطينية. فقد قال سلامة انه يحوم فوق السلطة هذه الأيام تهديد وجودي.
أقواله ليست بلا أساس: صرّح وزراء في حكومة إسرائيل مرات عديدة بأنه ينبغي إسقاط السلطة. هم لا يقولون، بل يفعلون أيضا. من ناحية مالية، السلطة متعلقة بشكل حاسم بإسرائيل، وهذه تمنع عنها عشرات في المئة من ميزانيتها.
“تتطلع إسرائيل إلى تدمير الاقتصاد الفلسطيني وجعله متعلقاً بها تماماً”، شدد الوزير الفلسطيني. “في الفترة الأخيرة كان الهدف الواضح هو منظومة البنوك الفلسطينية، العمود الفقري للاقتصاد. فعندما يضربون البنوك الفلسطينية فإنهم عملياً يلعبون بالنار. لقد تجاوزوا كل الخطوط الحمراء وبالتالي فإن الازمة التي نعيشها ليست عابرة أو مؤقتة بل ذات طابع وجودي. التهديد الوجودي الذي نقف أمامه هو حقيقة قائمة، وليس خيالاً او مبالغة”.
الديون تبلغ 15 مليار دولار
تكبدت حكومات إسرائيل عناء إضعاف السلطة الفلسطينية. كانت الأسباب دوماً سياسية. فكثيرون في اليمين يريدون إزالة السلطة لأجل إحلال سيادة إسرائيل على كامل أراضي الضفة الغربية. وأثبتت تصريحات وزير المالية الفلسطيني بأن هذا الجهد نجح. فقد روى بان ديون السلطة بلغت في نهاية 2025 مستوى غير مسبوق بمبلغ 15 مليار دولار. قسم كبير منها ينبع من تأخير أموال المقاصة من قبل إسرائيل ومن 430 دعوى قضائية إسرائيلية بقيمة نحو 45 مليار شيقل، تشكل على حد قوله وسيلة ضغط على السلطة. فالسلطة بحاجة الى مليار شيقل في الشهر كي تبقى على قيد الحياة. منها نحو 750 مليوناً مخصصة لدفع الرواتب. هذه المبالغ في معظمها تؤخر في القدس، وهذا يزيد العجز في الميزانية.
“المنظومة البنكية هي خط الدفاع الأخير الذي يمنع الانهيار”، أشار سلامة. “حقيقة ان السلطة لا تزال قائمة معجزة، وهي تأتي بفضل جهد مشترك من البنوك، القطاع الخاص، الموظفين، وأبناء عائلاتهم”.
كيف سيبدو الواقع اذا ما بُشرنا ذات صباح بأن السلطة الفلسطينية انهارت ولم تعد قائمة؟ تصوروا انه لا توجد حكومة. ولا توجد قيادة. ولا يوجد أمن، ولا يوجد عنوان. هكذا الى هذا الحد او ذاك سيبدو هذا. السلطة الفلسطينية هي رب العمل الأكبر في الضفة. على طاولتها يجلس أكثر من 80 ألف من أصحاب الرواتب، موظفون، معلمون، أطباء وخبراء مختلفون. تشغل أجهزة الامن نحو 30 ألفاً آخرين. صحيح ان رواتب كل هؤلاء تضررت بالتدريج في السنوات الأخيرة لكن الضياع التام لمصدر رزقهم سيوقع كارثة على الاقتصاد الفلسطيني. دفعة واحدة سيتحول نحو 100 ألف رجل وامرأة الى مستقبل مجهول.
لا تزال للسلطة أهمية سياسية بالنسبة لابناء شعبها. رغم ضعفها فهي لا تزال الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني ومفوضه في الساحة الدولية. هي صلتهم وممثلهم لدى شعوب العالم. كشعب يكافح في سبيل الاستقلال والحقوق يحتاج الفلسطينيون جدا الى الدعم الدولي. هذه الحاجة تلبيها السلطة بل وأحياناً سجلت إنجازات. فقد ورطت إسرائيل في المحكمة في لاهاي. وقبل ذلك حظيت بأغلبية مبهرة في الأمم المتحدة (138 دولة ومنذئذ أضيفت 19 أخرى) لفكرة الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية. بفضل هذا التأييد، قُبلت في مكانة دولة بمكانة مراقب في المنظمة الدولية.
وبالنسبة لنا؟ في أوساط قيادة المستوطنين يوجد تأييد واسع لفكرة اسقاط السلطة، والسبب مفهوم. حسب رأيهم تقع “بلاد إسرائيل” بين البحر المتوسط ونهر الأردن، وفي داخلها لا مكان لكيان سياسي غير إسرائيل. وبذلك فانهم يتناسون التنسيق الأمني معها. هذه الاتصالات، التي هي في معظمها سرية، هي انجاز إسرائيلي بعيد الأثر. تتحول “فتح” من عدو “إجرامي” الى شريك مركزي في بلورة الامن القومي.
العيش على الحراب؟
اذا زالت السلطة، فان إسرائيل هي التي ستكون مطالبة بإدارة المناطق الواسعة خلف الخط الأخضر، المدن والقرى ومخيمات اللاجئين. سيتعين عليها ان تهتم بجهاز التعليم الفلسطيني، رخص البناء، المواصلات، تعيين موظفين من بينهم. كما أنه سيتعين عليها أن تحمي بعناية شديدة أكبر السكان الإسرائيليين. وعلى أي حال فانه ستثور مقاومة مسلحة بل حادة، وسيكون مطلوبا جنود في كل زاوية، كما ستسقط ضحايا.
من حق الدولة الا تعظم قوة جارتها. من حقنا أيضا أن نفكر بان السلطة هي أم كل الخطايا ويجب مكافحتها. لكن لا ينبغي إيهام الجمهور ومن الواجب ان نروي له ما هي اثمان الخطوة بعيدة الأثر بهذا القدر مثل انهيارها. هذا ليس فقط ضعضعة للاستقرار في “يهودا” و”السامرة”، بل ضياع الامن الشخصي والتورط مع الاسرة الدولية.
تخفي مسألة استمرار وجود السلطة قضية واسعة كان الإسرائيليون يميلون دوما للهروب منها. فهل نريد أن نحكمهم؟ كيف نرى جيراننا العرب وأي دولة نورثها نحن للأجيال القادمة؟ يقول كثيرون انه من بين كل الإمكانيات السلبية، أفضلها جميعها العيش على الحراب. ذات مرة رأيت في ذلك خيارا. اما اليوم فلم أعد واثقا. تعرف هذه الحراب أيضا كيف تشق الطريق الى الجسد لينزف حتى الموت. قبل سنتين ونصف كنا قريبين من ذلك.
عن “معاريف”
الشرق الأوسط.. على حافة الحرب الشاملة .. بقلم : محمد مصطفى أبو شامة
أمد/ نحن أمام لحظة ستعيد تشكيل الشرق الأوسط لسنوات قادمة، فليست كل الحروب قادرة على تغيير الخرائط، لكن بعضها تفتح الباب لإعادة رسمها بالكامل. ما يجرى اليوم لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل بالسؤال الأهم: أى نظام إقليمى سيخرج من تحت هذا الرماد؟
إن استمرار التصعيد العسكرى يعنى أن المنطقة تجاوزت مرحلة «قواعد الاشتباك» التى حكمت السنوات الماضية وانتقلت إلى مرحلة «الحرب الشاملة». فالمواجهة بين إيران وإسرائيل كانت تُدار عبر حروب ظل ووكلاء وضربات محدودة تُبقى النار تحت السيطرة. أما انخراط الولايات المتحدة بشكل مباشر فى تبادل عسكرى مفتوح، فيرفع مستوى الصراع إلى سقف مختلف، ويكسر أحد أهم المحظورات التى كانت تضبط إيقاع التوتر.
أول ارتدادات هذا التحول ستظهر فى الخليج. المنطقة مرشحة لتصبح بؤرة توتر مزمنة، سواء عبر تهديد الملاحة أو عبر احتمالات استهداف البنية النفطية. أى اضطراب فى مضيق هرمز لن يبقى شأناً محلياً، بل سيتحول فوراً إلى صدمة فى أسواق الطاقة العالمية، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية تتجاوز أطراف الحرب نفسها. هكذا تنتقل المعركة من الميدان العسكرى إلى الاقتصاد الدولى.
سياسياً، نحن أمام مرحلة استقطاب حاد. العواصم العربية ستجد نفسها مضطرة إلى إعادة حساباتها بدقة شديدة، بين حماية أمنها الوطنى وتفادى الانزلاق إلى صراع مفتوح. مثل هذه الحروب نادراً ما تبقى محصورة بين طرفين؛ طبيعتها تميل إلى التمدد، خصوصاً عندما تتعدد الجبهات وتتشابك المصالح.
القلق الأكبر لا يتعلق فقط باليوم التالى للمعركة، بل بالمرحلة التى تعقبها. فالتاريخ يُظهر أن ما بعد السلاح غالباً ما يكون أكثر تعقيداً من لحظة إطلاقه. إعادة ترتيب موازين القوى، وترميم الاقتصاد، وإدارة الخسائر السياسية، كلها ملفات قد تكون أشد وطأة من المواجهة ذاتها.
احتمال الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة يظل قائماً. الحروب الكبرى لا تُعلن دائماً بقرار واعٍ، بل قد تندلع نتيجة فقدان السيطرة على التصعيد. إذا بقيت العمليات ضمن حدود الردع المتبادل، فقد نشهد جولات قاسية لكنها محدودة زمنياً. أما إذا اتسعت دائرة الضربات، أو سقطت أعداد كبيرة من المدنيين، أو دخلت أطراف إقليمية بثقلها الكامل، فإن مسار الأحداث قد يتجاوز قدرة صانعى القرار على ضبطه.
الخطر الحقيقى يكمن فى تعدد الساحات. اشتعال جبهة لبنان بالتوازى مع العراق أو اليمن يعنى أننا أمام شبكة صراع تمتد من شرق المتوسط إلى الخليج والبحر الأحمر. عندها تصبح الحرب إقليمية بحكم الجغرافيا، حتى وإن لم يُرفع هذا الوصف رسمياً.
ومع ذلك، تدرك الأطراف الثلاثة كلفة المواجهة الشاملة. إيران تعلم أن بنيتها التحتية ستكون هدفاً مباشراً، وإسرائيل تدرك هشاشة عمقها أمام الصواريخ، والولايات المتحدة لا تبدو راغبة فى غرق طويل فى الشرق الأوسط وهى تعيد ترتيب أولوياتها العالمية. لهذا تبقى نافذة الاحتواء مفتوحة، وإن كانت ضيقة ومحكومة بحسابات شديدة الحساسية.
إذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف، فإن خريطة النفوذ ستخضع لإعادة صياغة. قد يؤدى الضغط العسكرى والاقتصادى إلى إضعاف إيران وتقليص قدرتها على الحركة الإقليمية، ما يمنح واشنطن وحلفاءها مساحة أوسع لفرض ترتيبات أمنية جديدة. وفى المقابل، إذا نجحت طهران فى امتصاص الضربة وفرض كلفة مرتفعة على خصومها، فقد تخرج بصورة قوة ردع أكثر صلابة، قادرة على تثبيت موقعها فى معادلة الإقليم. وهناك احتمال ثالث، أكثر تعقيداً، يتمثل فى استخدام الحرب مدخلاً لإعادة هندسة شاملة للنظام الإقليمى فى سياق «نظام عالمى جديد» يتشكل عبر تحالفات وتسويات كبرى تتجاوز ساحة القتال نفسها.
القضية الفلسطينية ستكون بدورها فى قلب التأثيرات. إما أن يتراجع حضورها الدولى بفعل انشغال العالم بالمواجهة الكبرى، أو تتحول إلى ورقة ضغط إضافية ضمن سياق الصراع الأشمل. فى الحالتين، الأرض هى التى تدفع الثمن.
أما مصر، فرغم بُعدها عن خط المواجهة المباشر، فإنها ليست بعيدة عن تداعياته. ارتفاع أسعار النفط يضغط على الموازنة ويغذى التضخم، وأى اضطراب فى سلاسل الإمداد العالمية ينعكس على تكلفة السلع الأساسية. قناة السويس تمثل نقطة حساسة فى هذه المعادلة؛ فإذا امتد التوتر إلى البحر الأحمر أو باب المندب، قد تتأثر حركة الملاحة وإيرادات القناة. والسياحة، بطبيعتها شديدة الحساسية للصورة الذهنية، قد تواجه تباطؤاً مؤقتاً إذا ترسخت صورة الإقليم كمنطقة حرب مفتوحة.
سعر العملة فى النهاية هو مرآة لكل هذه العوامل. تراجُع إيرادات القناة أو السياحة، مع ارتفاع فاتورة الطاقة، يضع سوق الصرف تحت ضغط إضافى. أما إذا ظل التصعيد محدوداً واستمرت مصادر العملة الصعبة فى التدفق، فقد يبقى التأثير فى حدود يمكن احتواؤها.
فى المحصلة، ما يجرى ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار لقدرة المنطقة على تحمُّل زمن طويل من عدم اليقين. الخليج يواجه معادلة الثروة فى ظل الخطر، ومصر تختبر صلابة توازنها الاقتصادى فى بيئة إقليمية مضطربة. الفارق لن يصنعه حدث عابر، بل مدة الأزمة واتساعها؛ فكلما طالت الحرب، تحولت آثارها من صدمة مؤقتة إلى تحولات عميقة فى بنية الإقليم واقتصاداته.
الوطن المصرية
السيادة الوطنية في زمن الرقمنة .. بقلم :د. يوسف الحسن
أمد/ ارتبطت «السيادة الوطنية»، بمفهومها القانوني والسياسي والفعلي، بوجود الدولة الحديثة، وشكلت إحدى أهم خصائصها وسماتها، خاصة حينما صارت نظرية السيادة ركناً أساسياً في القانون الدولي والمواثيق الأممية، وبما يضمن استقلال الدولة الوطنية وشخصيتها القانونية وبقاءها متماسكة، وذات سلطة تحكم وتشرِّع، وتدير شؤونها وتمثل مصالح ومطالب المواطنين وتحافظ على إقليمها ومياهها ومجالها الوطني، ودون تدخل خارجي.
لكن دلالات مفهوم «السيادة الوطنية» ظلت في أغلب الأحيان ملتبسة خاصة في ظل نظام دولي يعاني اضطراباً بين حين وآخر، وأقرب للمفهوم النظري منه إلى المفهوم المادي، حيث فقدت الكثرة من دول العالم، خاصة في العالم الثالث (الجنوب)، سيادتها، بفعل «التبعية» والتدخلات الخارجية، وتداعيات العولمة والحروب الأهلية وأزمات الحكم والافتقار لعناصر القوة الاستراتيجية للدولة الوطنية… إلخ.
دول كثيرة، في عالم اليوم، تتمتع ب «السيادة القانونية» لكنها تفتقر إلى السيادة السياسية، بفعل عوامل عدة من بينها التغير في موازين القوى الدولية، وأنشطة كثيفة لعولمة تكنولوجية وثقافية واقتصادية عابرة للحدود، وتنامي ظواهر ما يسمى بالاعتماد الدولي المتبادل، واتفاقيات دولية يصعب التنصل من الالتزام بها، فضلاً عن متغيرات جذرية في المشهد الدولي تؤثر في مبدأ السيادة، ولصالح دول كبرى وقوى عظمى، ونظم دولية رقابية أسهمت في ما يمكن تسميته «تدويل السيادة».
عالم اليوم يشهد تحولات غير مسبوقة، على رأسها تغيرات في النظام الدولي، الذي كان قائماً على الحقوق والقواعد (رغم أنه كان غير كامل حتى في أفضل أيامه) والذي لم يعد موجوداً، كما يقول معظم قادة أوروبا الغربية وكندا في هذه الأيام.
في ظل هذه التحولات المتسارعة، وثورات التقانة المتقدمة التي تتداخل مع الاقتصاد والسياسة والأمن الوطني، تواجه سردية «السيادة» منعطفاً كبيراً، وتصدعات وصراعات متعددة التوجهات، «ليبراليات» ترى في «السيادة» قيماً وحقوقاً، و«سلطويات» ترى فيها تميزاً، وأيديولوجيات أخرى ترى أن «السيادة» في عصرها الحديث تتجاوز مسائل الأرض والموارد والسيادة السياسية، إلى السيادة الاقتصادية و«شبكات» حياة المجتمع وحركة الحكومات، «ومن يهيمن على السوق».
نعم، السيادة في عصر ما بعد الحداثة هي سيادة رقمية، وهي الموضوع المحوري الذي كان مطروحاً في القمة العالمية الماضية للحكومات، التي عقدت في الإمارات.
وهي «سيادة» تشكل أساساً للأمن الوطني، ومضمونها البيانات والبنى التحتية الرقمية التي تدار من خلالها الخدمات الحكومية وتخزن فيها الأسرار الصناعية والاقتصادية، وتبنى عليها نماذج الذكاء الاصطناعي وكل طبقات الاقتصاد.
دول متقدمة تعمل، بجهد وبتسارع ملحوظ، على بناء «سيادة رقمية»، منها دولة الإمارات العربية المتحدة: منصات رقمية عملاقة، قدرات ضخمة لبنى تحتية رقمية، تمكّن الدولة الوطنية من فرض سيطرتها الكاملة والمنظمة على فضائها المعلوماتي والتقاني، بما يحقق السيادة في تحولات ما بعد الحداثة، ويعزز قدرة الدولة الوطنية على التحكم، بشكل مستقل، في البنى التحتية الرقمية، والبيانات وصنع القرار.
نعم، هو عالم يتغير بتسارع جارف، وب«سيادة وطنية» تتبدل أدواتها ومفاهيمها، وتتقدم فيها قدراتها باتجاه حماية «عقلها الاستراتيجي» من الانكشاف والتدخل الخارجي، وبنموذج حوكمة متقدمة ورشيدة، وسعي حثيث وجاد لبناء نظام دولي جديد قائم على حقوق وقواعد، وليس على منطق القوة والهيمنة.
عن الخليج الإماراتية
حرب إسقاط النظام .. ولكن ..! الكاتب: أكرم عطا الله
اشتعلت الحرب التي كانت متوقعة لمن يعرفون الإستراتيجيات الإسرائيلية الكبرى وخصوصاً عندما يقف على رأسها شخص مثل بنيامين نتنياهو، فهو لم يتوقف طوال حياته عن التحريض ضد إيران في الإعلام والمؤسسات الدولية وخطابه السنوي في الأمم المتحدة وهو يحمل وسائل إيضاح للرؤساء مثل مدرس يشرح لتلاميذه عن خطورة النظام الإيراني على التاريخ.
قبل شهر ونصف عندما كان المتظاهرون الإيرانيون يملؤون الشوارع تم اتخاذ قرار الحرب، لكن عمق الحسابات حينها وكانت إسرائيلية بامتياز كان يقول إن ما هو موجود في المنطقة من قوة أميركية تكفي لضربة أو ضربات لكنها لا تكفي لحرب كبيرة تسقط النظام وتحقيق الحلم التاريخي لرئيس وزراء إسرائيل الذي يعتبر أن الله استدعاه «لإنقاذ الهيكل الثالث من التدمير».
لم يكن أي من المتابعين يعتقد أن هذه الحرب التي بدأت في غزة لن تنتهي في طهران، ففي أول مكالمة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبنيامين نتنياهو في أول الحرب قال نتنياهو عن السابع من أكتوبر: «هذه الضربة جاءتنا من إيران، وإيران ستدفع الثمن».
كان الأمر مجرد وقت بالنسبة لإسرائيل التي ذهبت للحرب في حزيران الماضي لكنها اكتشفت أنها لم تكن جاهزة بما يكفي سواء بمنظومة الدفاعات الجوية التي لم تستطع منع الصواريخ الإيرانية من الوصول لأماكن حساسة، أو لحاجتها لهدنة لجهة نقل أصول استراتيجية وقد انتهت من ذلك مستفيدة من ثغرات حرب حزيران.
لم يكن أي من المتخصصين في الشأن الإسرائيلي يعتقد بأن المفاوضات التي تديرها واشنطن مع طهران ستؤدي إلى اتفاق يُبقي النظام في إيران ويرفع عنه الحصار ويتسبب بالإفراج عن مليارات مجمدة، فهذا يعتبر هزيمة كبيرة لإسرائيل التي عملت لسنوات طويلة على تحريض العالم على الإطاحة بالنظام بعد أن فشل الحصار الطويل في تحقيق ذلك.
ولم تكن الزيارة الخاطفة والمفاجئة التي قام بها بنيامين نتنياهو إلى واشنطن قبل ثلاثة أسابيع سوى لمواصلة التنسيق وقطع الطريق على أي اتفاق والاطلاع على خطط الحرب.
لقد هيأ السابع من أكتوبر كل المُناخات اللازمة لإسرائيل لتحقيق حلمها والذهاب إلى واحد من مستحيلات المنطقة بإشعال حرب بهذا الحجم.
فقد أقنعت العالم بأن السابع من أكتوبر تم بتخطيط وتمويل وإشراف إيراني وبدأت تتحرك باسم الضربة التي تلقتها بعد أن نفد في السنوات الأخيرة رصيد استخدام الهولوكوست النازي ليتوفر لها رصيد جدي يسمح لها بضرب ما تشاء ومن تشاء دون اعتراض من العالم.
ولسوء حظ المحور الذي تقوده طهران كان أيضاً من تداعيات السابع من أكتوبر كما جاء في تقرير للحزب الديمقراطي الأميركي بأن واحداً من أهم أسباب سقوط مرشحة الديمقراطيين كان حرب غزة ليكون من إحدى نتائج الضربة التي بدأتها حماس فوز ترامب الذي يعتبر الذراع الضاربة لنتنياهو ليحقق له تلك الإستراتيجيات الكبرى.
وقد تم تصنيف إيران منذ عقود كخطر وجودي وهذا النوع من الأخطار لا بد من إزالته.
وفي لحظة تاريخية نضجت فيها كل الظروف اللازمة التي لن تتكرر ولا يمكن تفويتها كان من الطبيعي أن تكون الحرب السيناريو الوحيد.
هذا عام الانتخابات الكلية في إسرائيل والنصفية في الولايات المتحدة، وكل من الشريكين لديهما ذعر كبير من الخسارة التي تلوح في الأفق، فخسارة ترامب تعني بدء مجلس الشيوخ بعملية عزل ترامب، ففوز الديمقراطيين مع العدد المتزايد من الجمهوريين المصاب بالخزي من قضايا أبستين ومن أداء الرئيس.
أما بالنسبة لنتنياهو فهو يعني ربما السجن مع إنهاء حياته السياسية محملاً بعار السابع من أكتوبر وهو الذي كان يريد دخول التاريخ كبطل وفي هذا ما يزيد من مصلحة الثنائي بالذهاب بعيداً إلى الحد الذي يحلم نتنياهو بخطف المرشد الإيراني ومحاكمته في تل أبيب كورقة ذهبية يذهب بها للانتخابات، وترامب يعتقد أن في ذلك ما يقنع المواطن الأميركي والممول من اللوبي اليهودي بجدارة الاستفتاء الانتخابي لصالح ترامب.
واضح أن الحرب بدأت كبيرة منذ ساعاتها الأولى، فالضربات على إيران غطت مساحة الدولة، وكل قيادات الدولة كانت هدفاً لها مدنية وعسكرية، وعلى الجانب الآخر وسعت إيران ضرباتها لتشمل عواصم عربية وسط استغراب المراقبين من الإسراع باستباحة عواصم محايدة قامت بدور عربات إطفاء خلال الأسابيع الماضية تسارع طهران بكسب عدائها، لكن الأمر يعكس أننا أمام حرب صعبة، فمن ناحية إيران هي حرب الدفاع عن الوجود «وجود النظام» وأن هناك قراراً نهائياً بالقضاء عليه لذا سيدافع عن نفسه بكل الطرق وبكل الوسائل حتى النهاية وبلا خطوط حمراء، وبالنسبة لنتنياهو هي الحرب التي لا يمكن التراجع عنها دون إسقاط النظام ومن هنا تكمن صعوبتها بأن معادلتها صفرية، وليس من المتوقع أن نشهد وقفاً قريباً أو اتفاقاً يمكن أن يوقفها فالأمر تجاوز ذلك والبداية ليست متواضعة.
كعادته كان ترامب في خطابه الأول واضحاً بالطلب من شعب إيران الاستعداد لتسلم الدولة، أي أن هدف الحرب هو إسقاط النظام في تلك البلاد المترامية.
ولكن الأمر ليس بتلك السهولة فالإسلاميون لا يستسلمون «تجربة غزة نموذجاً» والضربات الجوية لا تسقط نظاماً ومساحة الدولة ذات المليون وستمائة وخمسين ألف كيلومتر أكبر من اجتياحها، وليس هناك سوى المراهنة على الشارع الإيراني فهل هذا السيناريو مضمون نجاحه قبل انتخابات الثنائي؟.
عن صحيفة الايام
بوصلة تائهة .. بقلم :محمد علوش
في اللحظات المفصلية تنكشف الخطابات، وتختبر صدقية المواقف بعيداً عن البلاغة العالية والشعارات الجاهزة، وما نشهده اليوم من تصريحات صادرة عن بعض قيادات حركة “فتح”، تتضمّن إطراءً وإشادةً بحركة “حماس”، يطرح أسئلة مشروعة حول طبيعة هذا التحوّل المفاجئ، وحول الدوافع الكامنة خلفه في هذه اللحظة المنكشفة من تاريخ القضية الفلسطينية.
لسنوات طويلة، لم يكن الخلاف بين الحركتين تفصيلاً عابراً، بل انقساماً عميقاً ترك أثره السياسي والاجتماعي في الجغرافيا الفلسطينية، وألقى بظلاله الثقيلة على المشروع الوطني برمّته، وقد تبادلت القيادات الاتهامات، وتراكم خطاب التخوين والتشكيك، حتى بدا المشهد وكأنه صراع سرديّات، لا مجرد اختلاف برامج، فما الذي تغيّر اليوم حتى نسمع نبرة مغايرة تصل أحياناً إلى حدود الإشادة غير المشروطة؟
ليست المشكلة في الدعوة إلى الوحدة الوطنية؛ فهي ضرورة ملحّة وهدف جامع لا خلاف عليه، غير أنّ الإشكال يكمن في الانتقال الفجّ من خطاب إلى نقيضه من دون مراجعة نقدية صريحة، أو مصارحة للرأي العام بأخطاء الماضي، فعندما تتحوّل السياسة إلى محاولة لتبييض الصفحات عبر عبارات المديح العاطفي، فإنها تفقد اتساقها، وتبدو أقرب إلى مناورة ظرفية منها إلى قناعة راسخة.
إن ضياع البوصلة لا يظهر فقط في تبدّل النبرة، بل في غياب رؤية واضحة لكيفية إدارة التباينات داخل البيت الفلسطيني، فالوحدة الوطنية لا تبنى على المجاملات، ولا تصان بعبارات الثناء المتأخرة، بل تقوم على برنامج وطني جامع، وشراكة حقيقية في القرار، واعتراف متبادل بالأخطاء، أمّا التخبط في المواقف والآراء فيضعف ثقة الشارع، ويعمّق فجوة الإحباط بين المواطن والقيادة.
اللحظة الراهنة لحظة مكاشفة لا تحتمل التجميل، فالشعب الفلسطيني، الذي دفع أثمان الانقسام من قوته اليومي ومستقبله السياسي، لا يبحث عن خطاب متقلّب، بل عن وضوح في الرؤية وثبات في الموقف، وإنّ الإشادة بحركة كانت، حتى الأمس القريب، تحمّل مسؤولية الإخفاقات، من دون تفسير مقنع لهذا التحوّل، توحي بارتباك أكثر مما تعكس نضجاً سياسياً.
ليست القضية في من يمدح من، بل في صدقية المشروع الوطني ذاته، فالتاريخ لا يمحى بالتصريحات، ولا يعاد تشكيله بعبارات الإطراء، والمطلوب اليوم مراجعة جادّة تعترف بالمسؤوليات، وتؤسّس لخطاب سياسي متماسك لا يتبدّل بتبدّل الرياح، وعندها فقط يمكن القول إن البوصلة عادت إلى اتجاهها الصحيح، وإن الوحدة ستبقى خياراً استراتيجياً لا تكتيكاً عابراً.
نادي الأسير: أكثر من 100 حالة اعتقال في الضفة منذ بداية شهر رمضان

رام الله -PNN- اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، منذ بداية شهر رمضان المبارك، أكثر من 100 مواطن من الضفة، بينهم سيدات وأطفال، إضافة إلى أسرى سابقين.
وأوضح نادي الأسير، في بيان صدر عنه اليوم الأحد، أن حملات الاعتقال هذه تأتي تزامنا مع إعلان الاحتلال عن رفع وتيرة عمليات الاعتقال مع بداية شهر رمضان، وقد شكّلت هجمات المستعمرين مؤخراً الغطاء الأساسي لتنفيذ عمليات اعتقال واسعة في الضفة.
وأشار إلى أن عمليات الاعتقال توزعت على غالبية محافظات الضفة، بما فيها القدس، التي تشهد عمليات اعتقال واسعة في شهر رمضان تنتهي في غالبيتها بالإبعاد عن المسجد الأقصى، وإلى جانب ذلك يواصل الاحتلال من التصعيد في عمليات التحقيق الميداني، في إطار عمليات انتقام جماعية استهدفت فئات المجتمع الفلسطيني كافة، والتي طالت الآلاف منذ بدء الإبادة الجماعية، علماً أن عمليات التنكيل التي ترافق عمليات التحقيق الميداني لا تقل بمستواها عن عمليات التنكيل والتعذيب التي ترافق عمليات الاعتقال الفعلي.
وتطرّق إلى جملة من الجرائم والانتهاكات التي ترافق عمليات الاعتقال بشكل ثابت، ومنها: الاعتداء بالضرب المبرح، وعمليات الإرهاب المنظمة بحق المعتقلين وعائلاتهم، إلى جانب التخريب والتدمير الواسع في منازل المواطنين، ومصادرة المركبات والأموال والمصاغ الذهبي، فضلًا عن تدمير البنى التحتية، وهدم منازل عائلات الأسرى، واستخدام أفراد من عائلاتهم كرهائن، واستخدام معتقلين كدروع بشرية، وتنفيذ عمليات إعدام ميداني.
ونوه إلى أن الاحتلال يستغل الاعتقالات كغطاء لتوسيع الاستعمار في الضفة، بمساندة من المستعمرين الذين يشكلون في هذه المرحلة الأداة الأهم لفرض واقع جديد في الضفة، تحديداً بعد القرارات الساعية إلى ضم الضفة.
وأكد نادي الأسير مجددًا أن كل جرائم الاحتلال الراهنة تشكّل امتدادًا لنهج الاحتلال القائم منذ عقود طويلة لاستهداف الوجود الفلسطيني وفرض المزيد من أدوات القمع والسيطرة والرقابة، إلا أن المتغير الوحيد منذ بدء حرب الإبادة يتمثل في مستوى كثافة الجرائم، سواء الجرائم المرافقة لعمليات الاعتقال أو الجرائم بحق الأسرى داخل السجون والمعسكرات.
وشدد على أن سلطات الاحتلال ماضية في تنفيذ عمليات الاعتقال الممنهجة، التي تشكّل إحدى أبرز السياسات الثابتة تاريخياً والتي تنفذها يوميًا بحق المواطنين، حيث بلغ عدد حالات الاعتقال في الضفة بعد الإبادة نحو من (22 ألف) حالة اعتقال.














