
حكاية الحب المستحيل هذه ترويها إذاً الراوية الإسرائيلية ليات التي هي الكاتبة نفسها دوريت، أي من وجهة نظرها، جاعلة من الرسام الفلسطيني حلمي شخصية من الشخصيات ولو كانت رئيسة، ما يعني أن الفلسطيني مأسور بوجهة النظر هذه، المنحازة. ولئن بدت الكاتبة دوريت “ديموقراطية” وأمينة على بطلها أو حبيبها فهي لا تستطيع أن تفسح له حيزاً واسعاً من الحرية ليبدي آراءه الحقيقية في القضية الشائكة وليعبر عن مأسوية التجربة التي خاضها هو وشعبه منذ احتلال فلسطين حتى الآن. وقد يكون هو أجرأ في حبها بصفته الضحية التي لا يمكنها أن تنسى أنها ضحية، بينما هي التي تنتمي الى قبيلة الجزارين تظل أسيرة شعور بالذنب والخوف لوقوعها في حب شاب هو عدو لها. الضحية حرة أكثر من الجزار. الجزار مكبل بعقده وآثامه. لكنّ هذا لا يعني أن الراوية أو الروائية الإسرائيلية لم تقع حقاً في حب الشاب الفلسطيني في نيويورك أي في المغترب أو المنفى، وأنها حملت معها هذا الحب الى إسرائيل لتصاب هناك بحال من الاكتئاب شبه المرضي. في بلاد الاحتلال، لن يمكنها أن تتواصل مع حبيبها المقيم في فلسطين على رغم المسافة القصيرة التي تفصل بينهما: “الشهر المقبل في الصيف، يصبح حلمي في رام الله، وأنا غداً أسافر الى إسرائيل، تل ابيب. فقط سبعون كيلومتراً تفصل بيننا”. لكنّ هذه السبعين كيلومتراً مملوءة رعباً وقسوة وقتلاً وكراهية…
كانت الراوية ليات تخشى أن يفترسها حبها لحلمي، فهو افتراس الفلسطيني لها كإسرائيلية. الإنسان الذي فيها هو الذي يحب، هذا صحيح، لكنّ هذا الإنسان لا يمكنه إلا أن يكون إسرائيلياً، فكل ما من حوله وفي أعماقه يدعوه الى أن يكون إسرائيلياً: الذاكرة، اللاوعي، الوهم المنتصر، الأهل، العائلة، المجتمع… وفي إسرائيل دولة الاحتلال ممنوع الحب “المزدوج الجنسية” ولا يمكنه إلا أن يكون حباً عابراً وخارج حدود الاحتلال. وعلى رغم الحب العاصف أقامت الحبيبة الإسرائيلية جداراً في نفسها لتحمي نفسها من هذا الحب. تقول الروائية: “خطرت لي فكرة غريبة: هذه الصورة الجميلة والحية عنا كلينا، ستبقى محفورة في هذه المرآة المضطربة والمهتزة. حتى بعد انفصالنا، عندما يسلك كل منا طريقه، ستبقى صورة لشخصين ليسا سوى طيفين”. وعندما عادا، غرق حلمي في بحر فلسطين. أما ليات التي وقعت في الاكتئاب فهي ما لبثت أن نهضت لتكتب عن انتصار اللاحب في زمن الكراهية الإسرائيلية.


