هل ما زال بين الفلسطينيين من يتحدث عن فضائل السابع من أكتوبر أم توقفت محاولات استيلاد وهم النصر من أم الهزائم؟. أظن أننا انتهينا من ذلك الجدل بعد النتائج التي تتجسد أمامنا في الإقليم الذي أشعلت غزة عود ثقابه لينتهي باستيلاء إسرائيل على أراضٍ جديدة في غزة وسورية ولبنان ويعتبرها نتنياهو حدوداً جديدة. وتلقت أطراف المحور ضربات بعضها مميت في غزة ولبنان وكذلك ايران وتلك المناطق تحتاج لسنوات طويلة لترميمها كي تعود كما كانت والأهم أن النهايات التي تتوقف عندها الحرب سواء أكان وقفاً دائماً أم مؤقتاً تعطي انطباعات بألا أحد سيفكر بضرب إسرائيل لاحقاً وتلك أكبر خسائر الحرب، فقدان قوة الردع.
قد يقال الكثير عما تعرضت له ايران كقائد للمحور «رغم فشل إسقاط النظام كما تحدد كهدف للحرب» لكن كلفة الحرب كما يقول الأميركيون أعادتها عقدين للوراء وعن الوضع الصعب لـ»حزب الله» أمام اتصالات تجريها لبنان مع إسرائيل وكونه وسلاحه مادة الحديث بعد بعض التغير في التوازنات الداخلية في غير صالحه اثر تمكُّن إسرائيل من اجتياح أراضٍ لبنانية، أما «حماس» في غزة فيجري الحديث مع ميلادينوف عن الشكل الذي سيسدل فيه الستار عليها وهي أمام خيارات صعبة إذا ما وافقت على الإزالة أو إذا ما أصرت على البقاء، فكلاهما مسار خاسر، إما أن تخسر ذاتها وتطوي تجربتها أو أن يعيش سكان القطاع في العصر الحجري، أي إما أن تضحي بنفسها أو تضحي بالغزيين بعد أن تسببت لهم بتدمير المدينة بفهمها القاصر للسياسة وتوازناتها واستعجالها على تحرير البلاد.
حديث نتنياهو عن الحدود الجديدة وخاصة ما يتعلق بالقطاع بعد سيطرة إسرائيل على 60% من الأراضي وإقامة خط فاصل عرف بالخط الأصفر، إنشاء عازل تحت أرضي لهذا الجدار يشي بتغير الجغرافيا، وهناك نقاش في إسرائيل حول التخلي عن خيار إزالة «حماس» وإبقائها تحكم كومة الركام لتكون سبباً لمنع الإعمار ومانعاً لاستئناف الحياة والتعليم وغيره وفي هذا سبب دائم لهجرة السكان من غزة. فلماذا تسارع إسرائيل لإيجاد حل للغزيين يعيد الحياة لغزة؟ فلتبقَ «حماس» وهو أفضل عقاب لها حين تقف على كومة الخراب تلاحق الناس على الضرائب واللباس وتبقى فقيرة عاجزة أمام السكان، وأيضاً هو عقاب للغزيين ووسيلة لاقتلاعهم من غزة.
الوضع مثالي لإسرائيل التي ليس لديها مصادفات عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، فهي تهندس كل التفاصيل وقد مرت أكثر من ستة أشهر على وقف الحرب وتَسلم إسرائيل لأسراها حتى آخر جثة لكنها تستمر بالتنكيل بالسكان دون الالتزام ببنود المرحلة الأولى قتلاً وتجويعاً والإشراف على وسائل التعذيب البيولوجية والإمعان بها من خلال منع أدوات مكافحتها. فغزة التي تراجعت عن عناوين الاهتمام بسبب حرب إقليمية كبرى لم تفارقها المأساة التي تتغير أشكالها لكنها تبقى وسائل تعذيب أنهت حلول الأرض بالنسبة للغزيين ولم يبقَ لهم سوى حلول السماء.
مع كل الوجع الذي أسمعه يومياً بالتواصل مع من تبقى من الأهل والأصدقاء، تتجسد صور مخيفة، خيام مهترئة تتحول مع دخول الصيف إلى أفران تحترق فيها أرواح البشر قبل أجسادهم، وتحاصرهم الأمراض التي تنال منهم مع ضعف بنية الأجساد بعد مجاعات طاحنة حولتهم إلى هياكل هزيلة. قال ابن عمي في واحدة من محاولات التواصل مع غزة، «لدغة الناموس تكبر وتصبح جرحاً يصل لخمسة سنتمترات» فلا مقاومة طبيعية تقدر عليها أجساد منهكة أو أُنهكت لسنوات ولا مضادات حيوية تدخل غزة. وهكذا يذوب البشر، يموتون وهم أحياء.
تنتشر الحشرات الموسمية: الذباب والبعوض والناموس، وحشرات تعيش على امتصاص دم الغزيين في أسوأ حرب بيولوجية تتوجها أنواع كبيرة من القوارض باتت تأكل الغزيين وتتغذى على لحومهم، تنهشهم أحياء. فالشهادات التي تُنقل من هناك مروعة عن التهامها للأطفال لدرجة امتناع النساء في الخيام عن النوم حتى لا تأكل القوارض أطفالهن، أما مرضى السكري فهم لا يشعرون بما قُضم من أطرافهم إلا حين يحسون بسائل على الأطراف يدركون بعدها أن هذا دم نتج عن قضم عدد من الأصابع. أهناك جحيم أكثر من هذا؟
يتحدث الغزيون عن نوع جديد مهجن من القوارض أكبر حجماً بحجم الأرانب وبكميات كبيرة تنتشر في شمال غزة «المنطقة المراد تفريغها نحو الجنوب»، متوحشة كأنها مدربة خصيصاً على أكل البشر، هجومية على غير عادة القوارض التي تهرب مع أقل حركة. وهنا تستدعي الذاكرة كيف أن البريطانيين الأوائل الذي ذهبوا لاحتلال أميركا استخدموا نقل الأمراض كوسيلة للقضاء عليهم، فقد نقلوا مرض الجدري في البطانيات الملوثة التي أخذوها هناك، فليست هناك مصادفات لدى إسرائيل التي تسمح بدخول شاحنات النوتيلا وتمنع سموم مكافحة الحشرات والقوارض. ما هذه المصادفة؟
منذ بداية الحرب، من كان يدرك النتائج مبكراً كان يطالب «حماس» بتقديم ما يلزم من تنازلات كي تتوقف إبادة لن يوقفها الإسرائيلي ولا العالم، فقط كان الأمر بيد «حماس» الطرف الضعيف الذي فتح معركة غير متوازنة. والآن أيضاً، يتكرر الأمر متعلقاً بحركة حماس التي يعني استمرارها وسلاحها مزيداً من السحق لغزة. هل تدرك ذلك أم تتجاهل كالعادة لمزيد من الكوارث؟.
عن صحيفة الايام





