في الحروب التقليدية، كانت السيطرة تُمارس عبر الجنود والحدود. في الحروب الحديثة، تُمارس عبر الشاشات. أما في الحالة الفلسطينية، فنحن أمام واقع أكثر تعقيداً: واقع يُدار جزئياً عن بُعد، حيث لا تقتصر أدوات التأثير على الأرض، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي الذي يحدد ما يُرى، وما يُحجب، وما يُضخّم.
لم يعد الصراع يدور فقط حول من يسيطر على الأرض، بل أيضاً حول من يسيطر على “الرواية الرقمية”. أي قصة تُروى؟ أي فيديو أو صورة تنتشر؟ أي صوت يصل إلى العالم؟ .
في هذا المستوى، لا يواجه الفلسطيني واقعاً مادياً فحسب، بل نظاماً غير مرئي يعيد ترتيب الحقيقة نفسها.
الخوارزميات كحدود جديدة
إذا كانت الحدود تُرسم يوماً بالجدران، فإنها اليوم تُرسم بالخوارزميات.
لم تعد منصات التواصل أدوات محايدة؛ بل بيئات تُنتج واقعاً خاصاً بها. ما يظهر أمامك ليس صدفة، بل نتيجة معادلات معقدة تحدد ما يجب أن تراه وما لا يجب.
حين يُقيَّد انتشار محتوى، أو تُهمَّش رواية، فإن الأثر لا يقل عن إغلاق معبر أو منع تنقل . الفرق الوحيد أن هذه السيطرة لا تُرى… ولا تُعلَن.
وهكذا تتشكل حدود جديدة حدود رقمية لا تمنعك من الكلام، لكنها تحدد من يسمعك.
اقتصاد الظهور
في العالم الرقمي، الظهور هو العملة.
ومن لا يظهر، كأنه لم يكن.
هنا يجد الفلسطيني نفسه أمام معادلة مزدوجة: أن يعيش الواقع، وأن يثبت وجوده داخل نظام رقمي لا يضمن له الظهور العادل.
تصبح المعاناة بحاجة إلى “قابلية للنشر”، والقضية بحاجة إلى “قابلية للانتشار”. وهنا يحدث التحول الأخطر من واقع يُعاش، إلى واقع يُعاد إنتاجه بما يتناسب مع شروط الخوارزمية.
إعادة تشكيل الوعي
الخطر لا يكمن فقط في تقييد المحتوى، بل في إعادة تشكيل وعي الجمهور العالمي. حين تُكرَّر رواية وتُهمَّش أخرى، يتكوّن الإدراك العام بناءً على ما هو متاح، لا على ما هو حقيقي.
بهذا المعنى، لا تُدار فلسطين فقط على الأرض، بل في عقول من يشاهدونها من الخارج. وما لا يُرى… لا يُحتسب ولا يدخل في الحسابات السياسية ولا في الضغط الدولي.
من المواجهة إلى التكيّف.
أمام هذا الواقع، لا يكتفي الأفراد بالمقاومة، بل يتجهون إلى التكيّف. يتعلمون كيف يكتبون بطريقة “قابلة للنشر”، كيف يختارون كلماتهم، كيف يتجنبون الحجب، وكيف يمررون الحقيقة عبر الفلاتر.
وهنا يظهر شكل جديد من الضغط ، ليس منع الكلام، بل إعادة تشكيله.
السؤال الجديد
إذا كان السؤال التقليدي: من يملك الأرض؟
فإن السؤال اليوم أصبح: من يملك ما نراه ونفهمه عن هذه الأرض؟
وهو سؤال لا يتعلق بالمكان فقط، بل بالمعنى.
ما بعد الأرض
فلسطين اليوم ليست قضية جغرافيا فقط، بل قضية إدراك.
المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الوعي، وعلى الرواية، وعلى القدرة على الوصول.
ربما لم تعد السيطرة الكاملة ممكنة في عالم مفتوح، لكن إعادة ترتيب ما يُرى وما يُخفى… كافية لإعادة تشكيل الواقع.
وفي هذا السياق، لا يكون التحدي فقط في الصمود على الأرض، بل في البقاء حاضرًا في الوعي.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية… ليس أن تُهزم، بل أن تختفي.
عن صحيفة الحياة الجديدة





