الثلاثاء, أبريل 21, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءمفارقتان صادمتان! ..بقلم :مهند عبد الحميد

مفارقتان صادمتان! ..بقلم :مهند عبد الحميد


مفارقة أولى: طلب مندوب إسرائيل دقيقة صمت على أرواح ضحايا المحرقة في اجتماع «اليونيسكو» الأخير . صمت الجميع ووقف معظمهم على استحياء وتردد. ثم جاء الرد من مندوبة كوبا التي قالت: أعتقد أن رئيس الجلسة هو الوحيد الذي له حق طلب الوقوف، وأرى أن مداخلة المندوب الإسرائيلي مجحفة وهو يحاول التلاعب بقرارات الهيئة، هذا غير مقبول. وأضافت: لسنا في سيرك سياسي، ووصفت ما تحدث به المندوب الإسرائيلي بكومة من التاريخ المزور، فضلاً عن اللغة غير اللائقة التي استخدمها. وختمت كلمتها بالقول: أطلب من السيد الرئيس، السماح لنا بدقيقة صمت على أرواح الفلسطينيين الذين قتلوا طوال السنوات الماضية. استجاب الجميع، وقفوا وصفقوا للمندوبة الكوبية وللفلسطينيين ضحايا الكولونيالية الإسرائيلية التي انتصرت لمبادئ ومعايير وقيم «اليونيسكو» التي تنتهك الآن أشد انتهاك من قبل حكومة نتنياهو وأصدقائها القدامى والجدد الذين يحاولون استبدالها بغطرسة القوة وفرض الوقائع الاستعمارية على الأرض.
قرار «اليونيسكو» الذي اعتمد مدينة الخليل والمسجد الإبراهيمي كجزء فلسطيني من التراث العالمي، قوبل برفض وتقريع إسرائيلي مدعم بعقوبات، اعتبره نتنياهو قراراً سخيفاً، وانهال وزراؤه على القرار ومنظمة «اليونيسكو» بأقذع العبارات وبالتهديد والوعيد. واتخذت حكومة نتنياهو قراراً بسحب الدعم الذي تقدمه لليونسكو. هكذا، تعاملت إسرائيل مرة بعد الألف باعتبارها دولة فوق القانون وبإمكانها أن تحتقر المؤسسات الدولية وتعاقبها وترفض قراراتها جملة وتفصيلاً. ثم حذت إدارة ترامب حذو إسرائيل في معاقبة «اليونيسكو» مرة أخرى.
كم كان موقف المندوبة الكوبية رائعاً وشجاعاً وهي تعيد الاعتبار لقيمة الانحياز لحقوق الشعوب ولتراث الحضارة الإنسانية، وهي تعيد الاعتبار لأهمية التصدي لقوى التوحش العالمي، وعدم الانكسار والاستخذاء أمام «هيلمانها». كان موقفاً ثورياً بنكهة آرنستو غيفارا الذي قاوم وثار من أجل حرية الشعوب المستعبدة والمضطهدة، وموقف بنكهة كاسترو الذي قاد ثورة شعبه وانتصر للشعوب المضطهدة في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، وبنكهة الشعب الكوبي الذي لم ينكسر أمام الحصار والضغوط والتدخلات والابتزاز.
إضاءة من قلب ظلام، وتحد في زمن العربدة وشريعة الغاب، وتفوق أخلاقي وإنساني في زمن التوحش الاقتصادي والسياسي، وروح معنوية وثابة في زمن يغص بالمرتعشين والخائفين. كل ذلك كَثّفَتهُ امرأة حرة في موقف تاريخي مشهود، ذلك أن كل محب للحرية والتحرر شعر بأن هذه المرأة تمثله، وتحفزه على فعل شيء.
مفارقة ثانية: اعتذر مندوب دولة عربية في «اليونيسكو» لنظيره الإسرائيلي لأنه لم يف بوعده في التصويت ضد قرار «اليونيسكو»، بسبب علنية التصويت، وكان يراهن على سرية التصويت. لكن أجواء المجلس المشحونة بعد خطاب مندوبة كوبا لم تسمح له بالتصويت لمصلحة إسرائيل. وجاء رد المندوب الإسرائيلي متفهماً ورافعاً الحرج عن نظيره العربي حين قال: اعتبر وكأنك صَوَّتَ ضد القرار».
من هي الدولة العربية التي ينتمي لها المندوب؟ هي قطعاً واحدة من بين أربع دول عربية ممثلة في مجلس «اليونيسكو» لهذه الدورة، وهي: الجزائر، العراق، الإمارات، قطر. للوهلة الأولى يمكن حذف دولتي الجزائر والعراق، اللتين لم يسبق لهما إقامة علاقة مع الاسرائيليين، وخاصة الجزائر التي تتبنى موقفاً واضحاً ضد إسرائيل، كذلك العراق المحسوبة على المحور الإيراني والذي يقدم خطاباً ضد إسرائيل. يبقى دولتان تربطهما علاقات رسمية وغير رسمية بإسرائيل هما قطر والإمارات.
لم يطرح الموقف على بساط البحث، ولم يثر عبر وسائل الإعلام الرسمية، ولم يجر الاعتراض أو الاحتجاج عليه أو المطالبة بالتحقيق ومحاسبة المندوب والدولة التي اتخذت ذلك الموقف، باعتباره موقفاً مخالفاً لميثاق الجامعة العربية، ولميثاق الأمم المتحدة، ولميثاق منظمة «اليونيسكو»، ولاتفاقية جنيف الرابعة، ولأخلاقيات عضوية «اليونيسكو».
رسمياً، كأن شيئاً لم يكن، فقط يجري تداوله عبر «فيسبوك» و»تويتر»، والمدونات. وجه الغرابة أن الطرف الوحيد الذي يقدم المعلومات هو إسرائيل فقط، وأصبح الحديث عن لقاءات وزيارات متبادلة بين مسؤولين عرب وإسرائيليين، وعن تبادل تجاري، وشراء دول عربية لتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات الإسرائيلية، وهبوط وإقلاع طائرات عربية في مطار اللد، وظهور سيارات عربية في تل أبيب أمراً متكرراً واعتيادياً لكنه غير معلن. هكذا يأتي التطبيع فوق العادة مع دولة الاحتلال بمعزل عن مواقف الأخيرة من تهويد مدينة القدس التي تخص العرب والمسلمين إضافة للفلسطينيين، وبمعزل عن المطالبة بوقف الاستيطان الذي يدمر حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وبمعزل عن تعميق وإدامة الاحتلال والسيطرة على شعب آخر. إذن نحن أمام تطبيع عربي رسمي مع دولة احتلال يترافق مع توافق غير معلن مع الحل الإسرائيلي العدمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بإذابة الحالة الفلسطينية في محيطها وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في التحرر من الاحتلال وتقرير مصيره بنفسه. وهذا يعني تقرير مصير الشعب نيابة عنه وفي إطار العلاقة الكولونيالية.
موقف المندوب العربي هو امتداد للمواقف غير المعلنة والمسربة التي تعبّر عن التقاء مصالح في مواجهة صعود إيران وتمدد نفوذها الإقليمي؟ ولكن من قال: إن إيران التي تفاهمت مع الغرب عبر «اتفاق 5+1»، لا تقبل التفاهم مع شركاء وحلفاء الغرب! إن تضخيم الخطر الإيراني يحتمل أنه يأتي من باب التبرير، تماماً كما كان تضخيم قوة وخطر «داعش» لتبرير إعادة بناء السيطرة الدولية والإقليمية على المنطقة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يأتي التطبيع العربي الإسرائيلي على حساب الشعب الفلسطيني؟ الإجابة المختصرة على هذا السؤال تأتي عبر مقاربة الحرب على الإرهاب التي كانت على حساب الشعوب العربية وضد طموحها في انتزاع الحرية والكرامة والخبز.
موقف المندوب العربي كان على النقيض من موقف المندوبة الكوبية، من زاوية الانحدار والسقوط السياسي والأخلاقي، ذلك الموقف الذي عزز الفرز بين موقف منحاز للتوحش والنهب والاحتلال والعنصرية والقهر، وموقف منحاز لتحرر الشعوب وحقوق الإنسان والعدالة. موقفان متنافران متضادان، ولا يهم جنسية وقومية وديانة الدولة أو النخبة أو الأفراد في الاصطفافين. يكفي التمييز بين عالم التوحش وعالم التحرر ، «فهنيئاً» للمندوب العربي الذي اختار عالمه، وتحيا المندوبة الكوبية التي انتصرت لعالمها .. عالمنا.
الايام

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب