الأربعاء, أبريل 22, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياثقافة وادب"كل هذا الهراء" لعز الدين شكري فشير .. حكايات سخرية وألم من...

“كل هذا الهراء” لعز الدين شكري فشير .. حكايات سخرية وألم من الميدان

الايام – بديعة زيدان:يصل إلى يد فيشر “يو إس بي” من عمر وأمل، هذه “الفلاشة”، كما يسميها البعض تحوي حكايات صوتية بصوت عمر وأمل، سجلاها أثناء إقامتهما مع بعض لمدة 24 ساعة في شقة الأخيرة، الخارجة من سجنها للتو قبل مغادرتها مصر عائدة إلى أميركا، بعد اعتقالها لعام، حيث تم الافراج عنها شريطة مغادرها مصر.
حكايات في 24 ساعة كان يتخللها علاقة حميمة بين الاثنين، وكان من الصعب على فشير، الذي قرر الاثنان إرسال الحكايات له لتوثيقها روائياً، تضمين تفاصيل هذه العلاقة بشكل صريح، خاصة “أنه لم يكن مر الكثير على الزج بالروائي الشاب أحمد ناجي في السجن، وذلك بسبب شعور البعض بأن روايته خدشت الحياء العام”.

ولكن فشير في روايته الجديدة “كل هذا الهراء”، خرج من هذا المأزق بشكل ساخر جداً، ومؤلم في نفس الوقت، فتحايل على كثير من الألفاظ بعبارة “الفعل الذي يحبس القضاة من يذكر اسمه”، أو “العضو الذي يحبس القضاة من يذكر اسمه”، لذلك كتب فشير في روايته: “نداء لأصحاب القلوب الضعيفة والأحاسيس الخلقية والدينية والوطنية المرهفة ألا يقرؤوا هذه الرواية”، مؤكداً أن “قراءة هذه الرواية ليست عملاً إجبارياً، بل اختيار من القارئ ومن ثم،
يتحمل القارئ مسؤولية أي خدوش أو أضرار قد تصيبه”.
أمل التي ولدت في شبرا ثم انتقلت العائلة للعيش في أميركا حين كانت في سن السادسة بعد تقاعد والدها الذي كان ضابطاً بالجيش .. في أميركا أنشأ الأب شركة للتجارة في المواد العسكرية.
أمل الشابة الأميركية التي لا تتحدث العربية كانت يشعرها المحيط بأنها ليست مواطنة أميركية خالصة، لا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر، ما فرض عليها سؤال الهوية، وأصابها بحالة من التوهان، لكنها التحقت بالعمل بمنظمة غير حكومية تعمل في مجال التنمية لتبدأ سفرها إلى بلاد إفريقية وآسيوية، بما تخلله من المشاركة في عشرات المشاريع التي تغير حياة الكثيرين. لكن موضوع الهوية لم يفارقها، وأخذ يزداد بداخلها إلى أن وصلت إلى مصر في أحداث ثورة 2010
لتشارك في الميدان جنباً إلى جنب مع الشباب المتظاهرين إلا أنها اعتقلت واتهمت بالمشاركة في المؤامرة الدولية لتقسيم مصر وإسقاط الدولة.
“كان الاتفاق بسحب جنسيتي المصرية ومغادرة البلاد مقابل الإفراج عني، ووافقت”.. تعترف.
أما عمر الذي ولد في باريس وماتت والدته فأخذه أبوه ليرافقه، ولكون الأب مطلوباً للأمن في مصر، فرّ إلى السودان، بادعاء عثوره على وظيفة هناك، ليتضح أن هذه الوظيفة كانت في شركة استثمارية تابعة لتنظيم القاعدة، قبل أن ينتقل إلى أفغانستان مع المقاتلين، تاركاً ابنه طفلاً يتربى في السودان مع بقية أطفال الجماعة.
في العام 2009 كان عمر قد بلغ الخامسة عشرة، وكان اشترك مع صبي آخر بتفجير مقر تنظيم القاعدة في السودان بمساعدة ضابط مصري زودهم بالمتفجرات، لكن الأمن السوداني اكتشف العملية قبل وقوعها، وحكموهما بالإعدام، إلا أن الخبر بلغ والده فحضر وانتزعه بالقوة وعاد به إلى مصر، فيما سجن الأب على خلفية نشاطه الإرهابي، ضمن “صفقة” مع ضابط كان عمل الأب في السابق سائقاً لديه.
ظل الأب في السجن لأن السجن الذي يقبع فيه لم يكن من بين السجون التي تم اقتحامها عقب سقوط نظام مبارك عام 2011، وحكم عليه بالسجن الفعلي لعشر سنوات.
وبالعودة لأمل ( 29 عاماً) وعمر ( 22 عاماً)، وحكايتهما معاً ليوم، قبل موعد سفر الأولى بناء على الاتفاق مع الأمن المصري، فقد قرر الاثنان البقاءمعاً وسرد حكايات عن الميدان والثورة ومصر وتسجيلها، وهذه لعبة من كاتب الرواية عز الدين شكري فشير لتظهر الرواية وكأنها مجموعة قصصية متصلة ومنفصلة في نفس الوقت، كلها ملتقطة من الميدان، ومن خلالها يرصد الكاتب الثورة المصرية والفترة الزمنية الممتدة من “يناير 2011” حتى يومنا هذا.
لكن لم ينجح فشير برأيي بتقديم مدخل جديد مقنع ومغاير في تقنية الرواية، لتبرير كيف وصلته حكايات أمل وعمر، فهو استعاض عن المخطوطات التي عثر عليهاروائيون سابقون في روايتهم، على اختلاف مستوياتها، بالـ”يو أس بي”، أو “الفلاشة”، وبالتالي لم يغير النمطية التي باتت تتكرر منذ سنوات، ولم يبدع في التحايل عليها وعلى القارئ بذكاء كما البعض وكان من أبرزهم سعود السنعوسي في “ساق البامبو”، فيما لم يفلح آخرون في الابتكار ضمن إطار هذه الحيلة، كحال فشير في هذه الرواية.
إحدى حكايات عمر التي يلقيها على مسامع أمل ، ويوثقها الـ”يو اس بي”، حكاية ثلاث شبان هم: محب، مهندس برمجيات مسيحي عضو “الألتراس” النادي الأهلي، ووائل، طالب جامعي مسلم من إمبابة، تامر صاحب شركة برمجيات أنهى دراسته الجامعية، ولكنه عضو أيضاً في “الألتراس” الأهلاوي.
وفي حكاية بعنوان “وائل ومحب وتامر يواجهون الطرف الثالث” يعرج فشير بداية على يوميات الأصدقاء الثلاثة في الميدان مع عائلاتهم ليشاركوا في كرنفال الحرية كما كانوا يسمونه، وهنا يسلط الكاتب الضوء على علاقة كل شاب بعائلته .. محب المرتبط بشكل كبير بأمه وأخته خاصة بعد وفاة والده، وعلاقة تامر بأهله وخطيبته آية، وغيرها.
لم يسرد لنا الكاتب هذه التفاصيل، وإنما أراد برأيي أن يكون لكل شهيد حكاية، وألا يكون مجرد رقم عابر.
بدأت حكاية الثلاثي في الثاني من شباط، يوم واقعة هجوم الجمال على الميدان،أو “معركة الجمل” كما يطلق عليها كثيرون، وكيف ساعد هؤلاء الثلاثة بعض الشخوص من النجاة من موت محقق تحت حوافر الجمال، وكيف نجوا بأنفسهم من الجمال ليعيشوا حادثة ثانية بعد تفاصيل كثيرة لمدة عام كامل كان يسير بوتيرة جيدة على مختلف المستويات إلى أن حدث ما حدث في إستاد “بور سعيد” في 2012، أو ما سميت بحادثة “الألتراس”.
استشهد وائل.. باغتته مجموعة من خمسة رجال مسلحين بـ”سنج” وأسلحة بيضاء أخرى، ضربوه وآخرين بشكل جنوني دون تدخل من الأمن الذي اختفى من الإستاد، بينما فتح محب الأبواب ليمنح فرصة حياة للآخرين بقتل دعساً بأقدام، فيما نجا تامر بكسور في كل أنحاء جسده.
كثيرة هي القصص وتأويلاتها في الرواية، بشخوصها المتغيرين، وكأنهم يرسمون بانوراما مصرية في زمن الثورة وما بعدها، وهو ما لا يمكن حصره في مراجعة كهذه، ولكن يمكن الإضاءة على تلك الحكاية التي جاءت بعنوان “بهاء وشريف يفرّان إلى نيويورك”، وهو المصير النهائي لاثنين من المثليين جنسياً، كان الجميع في الميدان ينظر إليهما كبطلين ضد الاستبداد لا فرق بينهما وبين غيرهم من الثوار، لكن سرعان ما تبدلت النظرات، هما اللذان جمعتهما حكاية عشق يرفضها مجتمع محافظ، تناسى نضالاتهما، وأصدر فتاوى اجتماعية بقتلهما، بعد أن تبرأت عنهما عائلتيهما وطردتهما، وتعرضا لهجوم من الجيران، قبل أن
ينجوا بمساعدة عناصر من الشرطة .. وقبل أن يصدر عليهما حكماً قضائياً، قرراالهرب إلى نيويورك، بعد أن اكتشفا سراب ما كانا يعتقدان فيه من أن الثورة ليست فقط ضد نظام بل هي ثورة حريات كاملة، قبل أن يدركا أنهما باتا متهمين بمعاداة الثورة التي كانا من أكثر أنصارها.
فشير، وربما تعمد ذلك، ذهب إلى البساطة في اللغة، بل والتقشف، فكانت الرواية أشبه بسرد تسجيلي توثيقي لوقائع ما احتوت عليه “الفلاشة”، بعيداً عن التصويرات المستحبة أحياناً .. حكايات ربما كانت واقعية، أو مبنية على الواقع في الميدان، أو هي من نسج خيال الكاتب، مع أنها يمكن أن تحدث .. في نهاية شكلت مجموع هذه الحكايات “كل هذا الهراء”.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب