واشنطن / نشر موقع مجلة “فورين بوليسي” الاميركية مقالا للمحلل الصحافي ستيفن وولت، تساءل فيه عما اذا كان قد حان الوقت لتوقف الولايات المتحدة مساعداتها الى كل من مصر واسرائيل. وقال انه يرى في سقوط حكم الاخوان المسلمين لمصر فرصة على الولايات المتحدة ان تنتهزها. اما كيف فانه شرح ذلك في مقال تحت عنوان صناعة شراب الليمون في الشرق الاوسط، هذا نصه:
احيانا ما تكون صناعة السياسة الذكية انتهازية الاتجاه. فليست هناك من حكومة تستطيع ان تتوقع كل لفتة وكل زاوية من زوايا السياسة العالمية، ويظل السؤال ما اذا كان بامكانها ان تقتنص اللحظة التي يصل فيها المرء وتتقدم فيها المصلحة الوطنية في ظروف جديدة ومفاجأة.
وهذا ما حصل في حالة اقصاء الاخوان المسلمين في مصر اخيرا عن السلطة. فكانت هذه فرصة للولايات المتحدة لان تفعل شيئا كان يجب ان تقوم به منذ زمن بعيد – الا وهو انهاء معوناتها العسكرية التي لا مبرر لها الى مصر واسرائيل. وكان الصحفيان روبرت رايت واندرو سوليفان قد اثار هذه القضية باساليب مختلفة على مدى الاسبوع الماضي، واريد هنا ان اغوص في اعماق الحلقة التي تربط بين برنامجي المعونات.
من حيث الاساس، فان المستوى الحالي للمعونة الاميركية الى مصر واسرائيل ليس الا رشوة يعود تاريخها الى العام 1979 عندما ابرمت اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية. فقد طالبت اسرائيل بالتزام طويل الامد من المعونات مقابل انسحابها من سيناء، التي احتلتها في حرب 1967. وحصلت مصر على الاموال مكافأة لابرامها معاهدة السلام والعودة الى كنف الغرب. واجرت الولايات المتحدة مجموعة اخرى من الالتزامات كجزء من هذه الصفقة، وظلت مكبلة بها منذ ذلك الوقت، وهو ما يجعل الاحداث الاخيرة توفر فرصة سانحة لاستعادة تحررها من العمل بموجبها.
ولنبدأ بمصر. فالقانون الاميركي يحظر على حكومة الولايات المتحدة توفير أي معونة الى حكومة تتولى السلطة نتيجة انقلاب عسكري. وما لم نتحايل بقوة الى اقصى حد على اللغة الانغليزية، فان هذا بالضبط هو ما حدث تماما في مصر. واذا كنت ممن يؤمنون باحكام القانون، فان على الولايات المتحدة ان تلغي برنامج المعونات.
وكان روبرت رايت قد قال في تغريدته في 8 تموز (يوليو) ان المنطق يقضي لتحويل برنامج المعونات العسكرية الحالي الى شيء اكثر فائدة، مثل المعونات الغذائية. ومصر ابعد ما تكون عن الحاجة الى مزيد من الالعاب المرتفعة الثمن للقادة العسكريين، مثل طائرات إف-22 او الدبابات او حتى ناقلات الجنود المدرعة. فليس هناك من يهدد بغزو مصر، ثم ان معظم هذه الاسلحة ليست ذات فائدة للمحافظة على النظام العام. غير ان ما تحتاج اليه مصر هو حكومة اكثر فاعلية واقل فسادا ونمو اقتصاي وانخفاض في اسعار المواد الغذائية ومصادر اكثر اعتمادا للمياه والطاقة ..الخ. وليس مزيدا من القوات العسكرية التقليدية المتطورة والمدربة تدريبا حسنا. والانقلاب فرصة لانهاء برنامج المعونة الذي تخطى حدود فوائده منذ زمن بعيد، وعلى الولايات المتحدة ان تنتهز هذه الفرصة.
والان ننتقل الى اسرائيل. في اللحظة الانية، فانه ليس هناك من سبب استراتيجي مقبول لان تستلم اسرائيل ما بين 3 و 4 بلايين دولار كمعونة اميركية كل عام (معظمها على اشكال مختلفة من المعونات العسكرية). فاسرائيل ليس دولة فقيرة، اذ ان دخل الفرد فيها يصل الى حوالي 30 ألف دولار في العام، وتصنف بين ثلاثين دولة على قمة ذلك المؤشر. واسرائيل ابعد ما تكون عن سلطة الجيش في المنطقة، وتفوقها الاقليمي سيزداد اذا اوقفت الولايات المتحدة دعم القوات المسلحة المصرية. ولا بد لنا ان نتذكر ان اسرائيل فازت في حروب 1948 و1956 و1967، وكل واحدة من هذه حدثت قبل تزويد الحكومة الاميركية لها بكميات كبيرة من المعونات العسكرية. وقامت مصر وسوريا بهجوم مفاجئ ناجح مذهل في تشرين الاول (اكتوبر) 1973، ومع ذلك فازت اسرائيل في هذه الحرب ايضا. وكان هذا في الايام الغابرة التي كانت الدول العربية عدوة اسرائيل تحصل على الكثير من المعونة من الاتحاد السوفياتي. لكن الدول المجاورة لاسرائيل هي اليوم اضعف كثيرا مما كانت عليه (انظر مثلا الى حال سوريا والعراق الان) كما ان اسرائيل تملك قوة الردع النهائية على شكل اكثر من مائة راس نووية. وقد ادرك الرئيس باراك اوباما خلال اول ولاية له، فان الولايات المتحدة لا تحصل على اي فائدة دبلوماسية من وراء تزويد اسرائيل بكل هذه الاموال. وفي النهاية يصح القول اليوم ان استمرار تدفق المعونة العسكرية الاميركية تبدو ضعيفة بشكل مضحك.
وهكذا فانه بدلا من المعونة العسكرية التي لا تحتاج اليها اسرائيل والتي لا تستخدم الا دعما غير مباشر للمستوطنات التي تعارضها الولايات المتحدة، فان على الولايات المتحدة ان تعرض على اسرائيل مبلغا معادلا من المعونة، بشرط ان توافق على استخدامها للبدء في ازالة المستوطنات في الضفة الغربية والسماح للفلسطينيين باقامة دولة قابلة للحياة على اراضيهم. وهذا يتفق مع الاهداف الاميركية المعلنة “لدولتين لشعبين”، كما ان هذه النقلة في السياسة يمكن في الحقيقة من ان تجعل نتنياهو وشركاه توجيه انتباه اشد لوزير الخارجية جون كيري في المرة القادمة عندما يقوم بزيارة المنطقة. (ولا اعتقد ان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيحصل على النقود لتنفيذ ذلك، ولكن هذه مسألة اخرى على اي حال).
وباختصار، فان احداث القاهرة فرصة ممتازة للتخلص من الصدقة لهاتين الدولتين، او تحويل المساعدة الاميركية الى شيء يمكن للشعبين ان يفيدا منه بالفعل. وهذه النقلة سيكون لها اثر مهم بالنسبة لصورة اميركا في المنطقة، بعد ان ظلت لسنوات تتلقى اللوم بانها تساند كثيرا التوسع الاسرائيلي وتدعم ايضا الدكتاتوريات العربية المكروهة.
لكننا جميعا ندرك ان ردا عقلانيا مثل هذا لا يبعد كثيرا عن ظهور الثلج على الاهرامات. فسياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الاوسط لا تنطلق وفق حسابات معقولة من المصلحة الوطنية او نتيجة الرغبة في ان تكون الولايات المتحدة اقوى واكثر امنا او اكثر ازدهارا. بل انها لا تنطلق على اساس الاعتبارات الاخلاقية، اخذين بعين الاعتبار ان الولايات المتحدة لا تزال توفر مساعدة سخية لحكومات ترتكب باستمرار انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان او تمنع الحقوق السياسية لملايين البشر. ولكنها عوضا عن ذك فانها تندفع على وجه العموم نتيجة السياسات المحلية، خاصة السلطة السياسية لأيباك وبقية وسائل الضغط الاسرائيلي. وهذا هو السبب في ان جملة “السياسة العقلانية للولايات المتحدة تجاه الشرق الاوسط” اصبحت من سقط الكلام. والنتيجة ان الولايات المتحدة ومختلف شعوب المنطقة يتحدثون مع انفسهم.




