بقلم: إيرن أورطال/ ومع ذلك، فإن قرار إسرائيل بشأن عدم استغلال ضعف القدرات العسكرية لـ “حزب الله” من أجل شنّ هجوم حاسم يعكس غياب رؤية حربية متكاملة في استراتيجيتها.
بدلاً من ذلك، اختارت إسرائيل الاكتفاء بتطهير البنية التحتية المادية في القرى الحدودية التي كان “حزب الله” أخلاها فعلاً، وحتى مع التميز الإسرائيلي في التكتيكات القتالية ضد “الإرهاب” والإنجازات الميدانية المهمة في الشمال لم يكن هذا كافياً لتعويض غياب استراتيجية عسكرية حربية متماسكة، أو القدرة على فرض حسم نهائي في المواجهة.
تكشف المواجهة المباشرة، التي تطورت خلال الحرب في الدوائر البعيدة، عن فجوة مشابهة، فقد أظهر سلاح الجو الإسرائيلي قدرات استثنائية، مدعوماً بالمنظومة الاستخباراتية الإسرائيلية المتقدمة، فتمكن من الوصول إلى أهداف في إيران واليمن، وحتى اختراق الدفاعات الجوية الإيرانية.
ومع ذلك، من الواضح أن الحرب اندلعت بينما كانت إسرائيل تفتقر إلى رؤية استراتيجية متكاملة ونهج عملي واضح. فعلى سبيل المثال، لم يكن للهجمات الإسرائيلية على الموانئ ومنشآت الطاقة في اليمن تأثير يُذكر في دوائر صُنع القرار لدى الحوثيين، ولم تؤدِّ إلى ردعهم، بل ربما ساهمت في تعزيز قوتهم ونفوذهم، وربما عائداتهم المالية.
أمّا قرار إيران بشأن مهاجمة إسرائيل بشكل مباشر مرتين، فيمكن تفسيره بأنه استعراض للثقة بالنفس، والتي ازدادت بسبب حالة الجمود والارتباك التي ميزت إدارة الحرب حتى أيلول 2024.
حتى بعد تدمير رادار S-300 الإيراني في نيسان، وسلسلة الضربات القاسية التي تلقاها “حزب الله” في أيلول ظنت إيران أنها قادرة على ردع إسرائيل ومنعها من شنّ هجوم على لبنان خلال تشرين الأول.
في الواقع، تجاوزت إيران استراتيجيتها التقليدية التي تقوم على إبقاء الحرب بعيدة عن أراضيها، عبر استغلال قوى الوكلاء، واتجهت إلى المواجهة المباشرة، وهو أمر لم يكن متوقعاً في الحسابات الإسرائيلية.
في المقابل، كانت الاستراتيجية الإسرائيلية إزاء الهجمات التي انطلقت من العراق هي التجاهل التام، وهو ما يعكس غياب خطة واضحة للتعامل مع تصاعُد التهديدات من هذه الجبهة.
ما هو التقييم الاستراتيجي الحالي لإسرائيل؟ هل أدّت إنجازات الحرب، فضلاً عن سقوط نظام الأسد في سورية، وصعود إدارة ترامب في الولايات المتحدة، إلى إزالة تهديد استراتيجية “الخنق” الإيرانية من إسرائيل؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد يكون في الإمكان العودة إلى اعتبار التنظيمات “الإرهابية” المحيطة بإسرائيل مجرد بقايا ضعيفة ومعزولة من الصراع العربي – الإسرائيلي، ونظراً إلى أن هذه التنظيمات تكبدت خسائر فادحة خلال الحرب، فإن إسرائيل استعادت مكانتها كقوة قادرة على خوض حرب استنزاف طويلة ضد حركات “التمرد” في غزة ولبنان.
ستركز هذه الاستراتيجية في السنوات القادمة على إنشاء مناطق عازلة على طول الحدود، إلى جانب حرب استنزاف مستمرة في المناطق الحدودية، أمّا في غزة، فسيتم استئناف العمليات العسكرية في أقرب وقت ممكن لاستكمال أهداف الحرب، حسبما تم تحديدها مسبقاً.
لكن اعتبار إيران أن الحرب ضد إسرائيل انتهت، هو طرح متفائل للغاية. من الأدق التقدير أن إيران وحلفاءها سيأخذون فترة توقُّف استراتيجية لاستيعاب دروس الحرب، وتحسين قدراتهم، والتكيف مع الواقع الجديد، بما في ذلك سقوط النظام السوري، وانتظار انحسار تأثير إدارة ترامب.
ومن الجدير بالذكر أن الإدارة الأميركية قد تضعف، فعلاً، خلال انتخابات منتصف الولاية، وهو ما قد يؤثر في توجهاتها وسياساتها الخارجية.
علاوة على ذلك، إن التطورات في سورية قرّبت إلى حدود إسرائيل نفوذ القوة النيو – إمبريالية الأُخرى في المنطقة: تركيا. فهي أيضاً قوة إقليمية تتبنى الإسلام السياسي، لكن في نسخته السّنية، وتُبدي عداءً تجاه إسرائيل.
من المتوقع أن تنافس إيران وتركيا بعضهما، وربما يصل الأمر إلى احتكاك استراتيجي حقيقي بينهما، لكن من غير المستبعد أن تتراكم التهديدات التي تشكلها كلٌّ منهما تجاه إسرائيل، بدلاً من أن تلغي إحداهما الأُخرى.
يجب أن تنظر إسرائيل في تقييمها الاستراتيجي إلى حرب “السيوف الحديدية” على أنها المرحلة الأولى في المواجهة مع التحالف الشيعي. كذلك، تغيرت البيئة الاستراتيجية في إسرائيل بشكل جذري، وينبغي أن تأخذ في الاعتبار تهديداً مزدوجاً يتمثل في كلٍّ من إيران وتركيا.
من المحتمل أن يكون الشرق الأوسط مجرد انعكاس للنيو – إمبريالية العالمية، في سياق ما يمكن تسميته الحرب الباردة الثانية.
وقد يؤدي الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين وروسيا إلى تأجيج التوترات في المنطقة، وليس بالضرورة بطريقة إيجابية، فقد يساهم في زعزعة استقرار التوازنات الإقليمية وتحفيز تحولات جيو استراتيجية غير متوقعة.
إذا تبنّينا هذا التصور للصورة الاستراتيجية يمكننا الإقرار بإنجازات الحرب: تمكّنا من صدّ الهجوم، ونعمل على استعادة المناطق التي أُخليت وإعادة تأهيلها، واستعدنا أسرانا، وأيضاً زعزعنا ثقة العدو الإيراني بنفسه، وقوّضنا معظم القدرات العسكرية لحركة “حماس” و”حزب الله” على حدودنا.
وفقاً للعقيدة العسكرية، فإن الهدف من الدفاع هو وقف المبادرة الهجومية للعدو، وكسب الوقت، وتهيئة الظروف للجولة المقبلة، وهي الهجوم.
لقد فاجأتنا حرب “السيوف الحديدية” لأنها اندلعت عندما كنا لا نزال نتصور أن المواجهة هي مجرد حرب ضد “الإرهاب”، في حين أن ما كان يُبنى خلف الحدود هو جيوش هجومية، بدعم من قوة إقليمية كبرى.
تحولت الحرب إلى معركة استنزاف بنيوية، بسبب قصور في الجاهزية الفكرية والعملية، وهو ما أدى إلى الحد من إنجازاتها في كلٍّ من الجنوب والشمال.
ومع ذلك، بفضل الشجاعة، والقدرة على الصمود، والتماسك الإسرائيلي الأساسي، وكذلك بفضل الاستخدام الإبداعي لتكتيكات مكافحة “الإرهاب” ضمن سياق حربي أوسع، يمكن اعتبار هذه الحرب مرحلة دفاعية تاريخية ناجحة.
يجب على إسرائيل الحفاظ على إنجازات الحرب، بقدر الإمكان، من خلال فرض نزع السلاح والالتزام بالاتفاقيات في الشمال، وكذلك في الجنوب، عندما يتم التوصل إليها.
إن فرض هذه الإجراءات لن يبطّئ فقط إعادة بناء التهديدات، بل سيوفر أيضاً مبرراً لتجديد العمليات العسكرية متى اختارت إسرائيل ذلك.
كلما نجحت إسرائيل في إبطاء تعاظُم قوة أعدائها – مع الإدراك التام أنه لا يمكن منع ذلك بالكامل – زاد عزل إيران، وأجبرها على استثمار موارد أكبر وأثمن في إعادة بناء نفوذها الإقليمي.
إن فرض إجراءات صارمة وحازمة يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية، إذا كنا نتعامل مع حرب تاريخية بين إيران وإسرائيل. لكن، يجب تجنُّب الانجرار إلى حرب استنزاف ضد حركات “التمرد” في غزة ولبنان، وربما حتى في سورية، إذ إن مثل هذه الحرب سيستنزف الطاقة الإسرائيلية، ويبطّئ عملية إعادة تأهيل الجيش الإسرائيلي وتطوير قدراته، ويمنح “محور المقاومة” زخماً متجدداً.
يجب استغلال فترة الهدوء الاستراتيجي والزخم الذي توفره الإدارة الأميركية الجديدة لإعادة إحياء الحملة المناهضة لإيران في المنطقة، وتشجيع القوى الإقليمية والغربية على دعم استئناف الحرب ضد الحوثيين في اليمن، بهدف إضعافهم وإسقاطهم.
خلال العام المقبل، أو العامين المقبلين، يجب على إسرائيل تطوير نظرية عسكرية وقدرات قتالية مناسبة للحرب الإيرانية – الإسرائيلية.
بمعنى أدق، يجب على الجيش الإسرائيلي بناء قوة قادرة على إزالة التهديدات العسكرية في غزة ولبنان، دون الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة.
لقد تمت مناقشة المتطلبات اللازمة لذلك في مناسبات عديدة سابقاً.
فيما يتعلق بالدوائر البعيدة، يجب أن تركز القوات الجوية والاستخبارات العسكرية والبحرية الإسرائيلية على تعطيل منظومات الإطلاق والهجمات الصاروخية المعادية، بالإضافة إلى القدرات السيبرانية والفضائية.
إن استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية وحده لا يكفي، لأن ضرب قدرات الإطلاق سيترك إيران ووكلاءها مكشوفين وضعفاء.
من المبكر تحديد مدى تأثير التوغل التركي المتزايد في المنطقة، لكن من المرجح أن يكون بعض الاتجاهات المذكورة أعلاه ذا صلة أيضاً في هذا السياق.
لقد أخطأت إسرائيل عندما اعتبرت نفسها قوة إقليمية آمنة لا تهددها مخاطر وجودية، إذ كشف هجوم السابع من تشرين الأول أنها ليست منيعة، ولا تملك قوة مطلقة.
والاتجاه المعاكس الحالي الذي يرى في الحرب فرصة “يجب الاستفادة منها بلا قيود”، هو انعكاس للخطأ الأساسي نفسه.
إسرائيل منخرطة في صراع طويل الأمد مع إيران، والاستنزاف الذاتي لا يشكل استراتيجية ناجحة في هذا السياق.
لطالما استندت العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى القوة الساحقة، وتجنّبت سباقات القدرة على التحمل الطويل.
بصرف النظر عن كيفية تعريف الوضع الاستراتيجي الحالي يجب على إسرائيل صقل استراتيجيتها وتركيزها بعناية.
عن “مركز بيغن –
السادات للدراسات الاستراتيجية”





