في العاصمة الصينية بكين، التي تعيش حالياً أجواء استقبال “الدورتين السنويتين”، توجهت عبر شارع تشانغآن الذي يربط شرق العاصمة بغربها نحو الحي الدبلوماسي، لحضور فعالية تضامنية مع الفلسطينيين نظمتها السفارة الفلسطينية لدى الصين وسط مشاركة دبلوماسيين وصحافيين مقيمين في الصين.
تحت عنوان “لن نرحل”، أكدت الفعالية على رفض الشعب الفلسطيني لأي محاولات للتهجير القسري وصموده في أرضه التاريخية، وذلك ردا على نية الإدارة الأميركية الجديدة فرض سيطرتها على قطاع غزة، الذي مزقته حرب دامت لأكثر من 15 شهراً.
في هذه الأيام، تهيمن أوكرانيا على عناوين الصحف العالمية، خاصة بعد مشادة كلامية غير متوقعة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، لكن يجب ألا ننسى أن القضية الفلسطينية تمر حالياً بواحدة من أخطر مراحلها مع نهاية المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، وعدم وجود اتفاق على بدء مفاوضات المرحلة الثانية أو خطة متفق عليها دولياً لإعادة إعمار غزة بعد الحرب.
بين آذار 2022 وأيلول 2023، أي قبل عملية طوفان الأقصى التي أطلقتها حماس ضد إسرائيل، زرت قطاع غزة 6 مرات كصحافي في وكالة شينخوا في الأراضي الفلسطينية. خلال تلك الزيارات، شهدت بأم عيني جراح سكانه الجسدية والنفسية وأكوام الأنقاض التي غطت مساحات واسعة، إلى جانب التحديات المستمرة في إعادة الإعمار.
في أيار 2022، بعد عام كامل على معركة “سيف القدس”، التقيت في غزة بفلسطيني يدعى أبو صفية، قال لي متحسراً “لم نحصل على أي مساعدات مالية لإعادة بناء منازلنا المدمرة واضطررنا للدفع من جيوبنا الخاصة، ولا تزال هناك مبان مدمرة منذ حرب 2014 لم يتم بناؤها بعد”.
من ناحية أخرى، فوجئت وانبهرت بجمال الشريط الساحلي الطويل لغزة والمناظر الخلابة المطلة على ساحل البحر الأبيض المتوسط. ربما لهذا السبب، عبّر ترامب عن رؤيته لغزة كـ “ريفييرا الشرق الأوسط” بعد إعادة تطويرها. ولكن، أساس هذا التطوير يجب أن يكون ملكية الشعب الفلسطيني لهذه الأرض وفقاً للقانون الدولي وعدم تهجيره من أرضه التاريخية.
لسوء الحظ، بعد انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، عاد السلام الهش ليواجه تحديات جديدة مع تأجيل مفاوضات المرحلة الثانية، وإعلان إسرائيل وقف دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وتزايد الضغوط من اليمين الإسرائيلي المتطرف لاستئناف القتال. كل هذه التطورات تهدد مستقبل هذه الأرض المنكوبة بمخاطر غير مسبوقة.
ولا يصعب علينا أن نستنتج أن الموقف الإسرائيلي المتشدد جاء نتيجة دعم الإدارة الأميركية، خاصة بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للبيت الأبيض قبل شهر ونيّف. وفي الفترة الأخيرة، قدم مبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف مقترحاً جديداً لمفاوضات المرحلة الثانية، لكن حماس رأت أنه يتعارض مع اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في كانون الثاني الماضي بوساطة قطرية ومصرية.
تصر حكومة نتنياهو على تحقيق أمن إسرائيل من خلال القضاء على حماس، لكن من يهتم بأمن الفلسطينيين؟ لقد أثبت التاريخ أن مواجهة العنف بالعنف لا يمكن أن تعالج الشواغل الأمنية لأي طرف، فنلاحظ زيادة في عمليات الدهس والطعن وإطلاق النار التي تستهدف الإسرائيليين في الضفة الغربية والقدس والمدن الإسرائيلية، مع استمرار العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وصولاً لتفجيرات الحافلات الأخيرة التي هزت المجتمع الإسرائيلي.
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب هو أمر يصب في صالح نتنياهو الذي يريد إطالة حياته السياسية وبقائه في السلطة، بدلاً من تحقيق الأمن المطلق عبر “الانتصار المطلق” على حماس والذي يبدو بأنه ما زال هدفاً بعيد المنال.
يكمن مستقبل قطاع غزة وبقية الأراضي الفلسطينية في العودة إلى مسار “حل الدولتين”، وهذا إجماع الغالبية العظمى من دول العالم. ورغم أن تحقيقه يبدو صعباً في ظل تدهور الوضع حالياً، لكن “كلما كان الوضع أكثر خطورة، زادت حاجة المجتمع الدولي إلى الوحدة والثبات على المبادئ”، كما قال السفير وانغ كه جيان في وزارة الخارجية الصينية خلال كلمته في الفعالية التضامنية.
لطالما أكدت الصين موقفها الثابت بشأن مستقبل غزة، القائم على مبدأ “الفلسطينيون يحكمون غزة” بعد الحرب. وفي اتصال هاتفي جرى مؤخراً، قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي لنظيره المصري بدر عبد العاطي إن “قطاع غزة جزء من الأراضي الفلسطينية، ويجب احترام إرادة الشعب الفلسطيني في أي ترتيب مستقبلي يتعلق به”.
وكان مندوب فلسطين الدائم في الأمم المتحدة رياض منصور قد قال خلال مقابلة مع وسائل إعلام صينية، إن فلسطين تقيّم عالياً علاقاتها مع الصين التي تنادي دائماً لإحلال السلام في الشرق الأوسط، مؤكداً أن الصين ليست لديها أجندات ذات طبيعة استعمارية أو ابتزازية لدول المنطقة، وهي بمثابة الصديق الأمثل للدول العربية في التعاطي مع المشاكل التي تواجهها والتعاون معها بشكل فعال لتخطيها.
وفي كلمة ألقاها أمام اجتماع مجلس الأمن الدولي بشأن قضية فلسطين في شباط الماضي، استشهد المفاوض الإسرائيلي الأسبق بعملية السلام دانيال ليفي بكلمة وزير الخارجية الصيني وانغ يي أثناء مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث قال: “في عالم اليوم المتعدد الأقطاب، يتعين علينا التمسك بالحقوق المتساوية والفرص المتساوية والقواعد المتساوية، وتجنب فتح صندوق باندورا لقانون الغاب، وتجنب اللعبة ذات المحصلة الصفرية والاستثنائية”.
وأضاف ليفي “تنطبق هذه الكلمات على الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي اليوم، وينبغي عليهما ألا يضحيا ببعضهما البعض، بل أن يتقاسما الحق في العيش في سلام وأمن وكرامة”.
—
* صحافي في وكالة أنباء “شينخوا” والمدير السابق لمكتب “شينخوا” لدى فلسطين
عن صحيفة الايام





