ما نمر به كشعب فلسطيني من آلام ومؤامرات ومحاولة اعادة فرض الوصاية على قضيتنا الوطنية وقرارنا المستقل، يرافقه على غير العادة حالة غربية من فقدان روح المبادرة الحزبية وكذلك المبادرات الشعبية، حيث تراجع الدور الحزبي كونه محركًا للتغيير والتعبير عن المجتمع وتحول الى مجرد منابر تردّد شعارات منتهية الصلاحية دون تقديم حلول جذرية مؤثرة على غير صعيد وبما فيها القضايا الحياتية التي تهم المواطن وتلامس همومه وتعزز صموده.
هناك من يعزو هذا التراجع الحزبي إلى أسباب ذاتية منها غياب الفكر النقدي لدى الاحزاب السياسية، وتراجع برامج التثقيف الوطني والحزبي، وعدم تشجيع روح المبادرة الداخلية للأعضاء والكادر، ما يؤدي إلى تفاقم البيروقراطية وسيادة الشعارات بدلاً من المشاريع الحقيقية وهذا يؤثر سلباً على الديناميكية للحياة الحزبية الداخلية بما في ذلك أداء الأحزاب ويجعلها تفقد بريقها وجاذبيتها.
إن انتظام الحياة الداخلية الديمقراطية للأحزاب وتجديد روحها وضخ دماء جديدة باستمرار في عروقها التنظيمية يعيد بث روح المبادرة الحزبية، فالمنطق السليم، الذي يساهم في تطوير الحزب ، ويعزز الممارسة الديمقراطية بين هيئاته القيادية والقاعدية ويحافظ على وحدة الحزب وسلامته، ويمثل روح المبادرة داخليا، لتنعكس بروح مبادرة تجاه قصايا المجتمع اليومية.
تفتقد اغلب الاحزاب الفلسطينية روح المبادرة تجاه القضايا المجتمعية والاقتصادية رغم أن برامج عملها ونظمها الداخلية تركز على ذلك، اغلب تلك القضايا تم التخلي عنها لتدار من قبل الحكومة دون رقيب عليها في ظل غياب السلطة التشريعية ، فتراها تتغول في ذلك متحالفة مع الرأسمال، بينما تبقى الاحزاب دون رأي أو أي مبادرة ، فيما بعضها ايضا شريك في ذلك، فلنأخذ مثالا هل يعقل ان يتظاهر حزب لإسقاط قانون الضمان الاجتماعي وهو حزب اشتراكي، وان تبقى الاحزاب صامته حيال فرض زيادة الضرائب ، وهل معقول ان تبقى صامته تجاه غياب استمرارية الرواتب ، دون أن تقدم أي مبادرة للحل ، وكذلك الحال في العديد من الازمات النقابية وإضرابات العمال والمعلمين والقطاع الصحي وغيرها ،بل تحاول ركوب الموجه وكأنها من يدير ذلك ،بينما واقعيا هي لا تمتلك أي مبادرة أو قدرة على حل أية أزمة حتى على مستوى شق شارع .
إن من أسس تشجيع المبادرة الحزبية ايضا ان تكون العلاقة الحزبية قائمة على أساس الالتزام الواعي والطوعي الحر، واحترام الرأي الآخر، وممارسة النقد البناء وعبر الحوار الهادف والمسؤول، لتهيئة الظروف المشجعة للحيوية والنشاط والإبداع مما يوفر لدى الحزب كم هائل من الآراء والأفكار، التي بدورها تساهم في اشتقاق السياسات التي تضع الحزب في قلب العملية المجتمعية وتطور من اليات البناء الحزبي بالتجربة العملية.
المتابع لحال الاحزاب الفلسطينية وعلى اختلاف مشاربها الفكرية، يجد انها فقدت القدرة على المبادرة تجاه شعبها، وكثير مما يجري يمكن تصنيفه كمناكفات سياسية وحرب المزاودة الإعلامية، وتكلس في برامجها السياسية ونظمها الداخلية، مع اعطاء الأولوية للشق السياسي على رغم أهميته حتى إنه ايضا يأتي في إطار المزاودة السياسية دون محاولة الدمج بين السياسي والاجتماعي لأننا ما زلنا شعب تحت الاحتلال، بينما تغيب كليا المبادرة الحزبية المجتمعية والبرامج الاقتصادية عن الواجهة.
وبما ان الشيء بالشيء يذكر قد تكون جبهة النضال الشعبي الفلسطيني من الاحزاب القليلة التي تمتلك جرأة في المبادرة الحزبية تجاه الحياة الداخلية الحزبية وتجاه القضايا المجتمعية ، في اطار فهمها للواقع الفلسطيني والدمج بين مرحلة التحرر وبناء مؤسسات الدولة والنضال المجتمعي والنقابي، ضمن فهم مبني يؤكد على أهمية إدارة حوار مجتمعي واسع والاحتكام لنتائجه لبلورة موقف واستراتيجية وطنية..





