الثلاثاء, أبريل 21, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءمظاهرات "لا ملوك".. هل يبدأ "الربيع الأمريكي"؟ .. بقلم : خليل حمد

مظاهرات “لا ملوك”.. هل يبدأ “الربيع الأمريكي”؟ .. بقلم : خليل حمد

 

سبعة ملايين أمريكي في شوارع نحو 2600 مدينة وبلدة يوم 18 تشرين الأول/ أكتوبر، والهتاف واحد “لا ملوك في أمريكا”، في إشارة إلى رفض الاستبداد والسلطوية التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال فترة ولايته الثانية. احتجاجات مخططة مسبقاً، في التوقيت والشعارات والشكل والمضمون، والأهم في المطالبة برحيل الرئيس الجمهوري الذي قد يبدو المشهد في تفاصيله مستغرباً بالنسبة لدولة عظمى تعيش الديمقراطية الداخلية منذ نحو 240 عاماً، ما بعد الاستقلال عن التاج البريطاني عام 1787.

مسيرة العلاقة ين الحكم والمواطنين في أمريكا لخصها مقطع مصور قصير شاركه الممثل روبرت دي نيرو، المنتقد الدائم لترامب، والذي حث عن طريقه الأمريكيين على المشاركة السلمية في الاحتجاجات. قال دي نيرو: “شهدنا قرنين ونصفاً من الديمقراطية… غالباً ما كانت صعبة، وأحياناً فوضوية، لكنها دائماً ما كانت ضرورية… الآن لدينا من يسعى للملكية ويريد انتزاع الديمقراطية منا: الملك دونالد الأول”.

الاحتجاجات التي تحمل نفس الأهداف الرافضة لطريقة ترامب في التعاطي مع “البلاد والعباد” ليست الأولى. في 14 حزيران/ يونيو الماضي خرج نحو 5 ملايين أمريكي إلى الشوارع أيضاً هاتفين ضد ترامب وسياساته، تزامناً مع عرض عسكري أقامه ترامب في “عيد ميلاد الرئيس الأميركي” والذكرى الـ 250 لتأسيس الجيش. عرضا رأى فيه الأمريكيون تكريساً لسياسة ترامب الاستبدادية، وفرضاً لهيمنته على الشعب الأميركي، تمهيدا لترشحه لولاية ثالثة في مخالفة واضحة للدستور.

لم تنجُ التظاهرات من الاتهامات المسبقة. حلفاء ترامب اتهموا المتظاهرين بالتحالف مع حركة “أنتيفا” اليسارية التي يصفونها بـ “المتطرفة”، ووصفوا ما جرى بأنه “تظاهرة كراهية أمريكا”، فيما وضع حكَّام جمهوريون في عدة ولايات أمريكية قوات الحرس الوطني في حالة تأهب، في رسالة يمكنها تعزيز أسباب التظاهرات: “سلطوية” ترامب قد تدفعه إلى وضع الحرس الوطني في مواجهة الأمريكيين. الرسالة بمضمونها خطيرة وتشكل إحدى الدلائل على أن الرجل الذي اقتحم أنصاره (بمباركة منه شخصياً) مبنى الكونغرس الأمريكي على خلفية خسارته الانتخابات السابقة مطلع العام 2021 لصالح جو بايدن، يمكنه الذهاب في المواجهة لأجل سلطته حتى النهاية!

المشكلة بالنسبة للمحتجين تكمن في أن سياسات ترامب في مجملها تعزز قلق الأمريكيين من أن ترامب يستخدم صلاحياته خدمة لرؤيته ومصلحته، وليس لأجل أمريكا فعلاً، واستدل هؤلاء على طرحهم بإجراءات ترامب المتعلقة بـ “الملاحقة الجنائية لخصومه السياسيين وحملته العسكرية الصارمة على الهجرة ونشر قوات الحرس الوطني في المدن تحديداً التي يحكمها ديمقراطيون”، ناهيك عن سياسات أخرى أضرَّت بالمواطنين الأمريكيين، ومنها تخفيض القوى العاملة الاتحادية في وزارة التعليم وفي الجيش والمؤسسات الأمنية، وتقليص التمويل لجامعات النخبة بسبب مواقف الطلاب والأستاذة الداعم للشعب الفلسطيني في مواجهة “إسرائيل” وحرب الإبادة الجماعية على غزة، وانتقاماً من رافضي استخدام أموال دافعي الضرائب الأميركيين لصالح تل أبيب.

لم يتقبل دونالد ترامب طرح المحتجين، وانتقده، لكنه في طريقه لنفيه أكَّده. الرئيس الجمهوري نشر في أعقاب التظاهرات مقاطع فيديو جرى إعدادها بوساطة الذكاء الاصطناعي، تُظهره في هيئة ملك. في أحد هذه المقاطع يظهر ترامب وهو يقود طائرة حربية تحمل عبارة “الملك ترامب”. وتُلقي الطائرة مادّة تشبه الفضلات على المتظاهرين المحتشدين في مدينة تبدو كأنها نيويورك. نائبه جي دي فانس نشر مقطع فيديو آخر يُظهر ترمب يرتدي تاجاً ويحمل سيفاً، بينما يركع سياسيون أمامه، بينهم الديمقراطية نانسي بيلوسي.

الاحتجاجات تخطت فكرة سياسات ترامب، لتنتقل إلى أداة صراع بين الحزبَين الرئيسيين “الجمهوري” و”الديمقراطي”. كبير الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز قال إن: “الاحتجاج السلمي ضد رئيس خارج عن السيطرة هو النهج الأميركي”، فيما بارك زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر على موقع “إكس” الاحتجاجات وطالب باستمرارها: “لا تدعوا دونالد ترمب والجمهوريين يرهبوكم ويسكنوكم”. على أرض الواقع، شارك في المظاهرات سياسيون ديمقراطيون معروفون، منهم كمالا هاريس المرشحة الديمقراطية للرئاسة في مواجهة دونالد ترمب في الانتخابات الأخيرة 2024. بعض وسائل الإعلام سلطت الضوء على مشاركين أكبر عمراً في التظاهرات كانوا على مرِّ تاريخهم من أنصار الحزب “الجمهوري” لكنهم لا يؤيدون التوجه الذي يسير فيه الحزب، ويحمِّلون ترامب نفسه مسؤولية “انخفاض شعبية الحزب الجمهوري”.

لكن دخول معطيات “جمهوريين – ديمقراطيين” قد لا يكون في خدمة الاحتجاجات فعلياً، ففي سياق المناكفات السياسية لأجل السلطة، تصبح المطالب العادلة والمحقة للمواطنين مسرح مساومات لا أكثر (وربما تكون هذه إحدى وسائل السياسيين الأمريكيين من الطرفين لإفراغ هذه التظاهرات من مضمونها)، وبالتالي فإن نجاح المحتجين في الإبقاء على بوصلتهم وعدم الانجرار وراء حالات الانتقام السياسي أمر مهم كي تكون انتفاضة الأمريكيين مثمرة فعلياً على مستوى حياتهم المعيشية، وعلى مستوى سياسات الولايات المتحدة الأمريكية عموماً. يحمل المتظاهرون في أمريكا اليوم مسؤولية أمام العالم أيضاً، نظراً لسياسات ترامب التي أخلَّت بالنظام العالمي عموماً ومنها موضوع التعريفات الجمركية، ربما لهذا شهدت مدن أوروبية عديدة تظاهرات رمزية داعمة للمحتجين الأمريكيين. ليس بعيداً عن أذهان المحتجين أيضاً أن عدداً كبيراً منهم خرج في الشوارع على مدى عامين رفضاً للدعم اللامحدود الذي قدمه ترامب للاحتلال الإسرائيلي في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة. تتداخل الأسباب إذاً، وهذا ما يزيد من أهمية التظاهرات التي تشهدها أمريكا.

من مفارقات هذا القرن أن تعيش الولايات المتحدة الأمريكية مشهداً مشابهاً لبدايات ما أنتجته في الوطن العربي تحت مسمى “الربيع العربي”! مطالب محقة خرج لأجلها الناس، لكن القوى الغربية حوَّلتها إلى أداة لتغيير النظم الحاكمة في تدمير بعض البلدان عن طريق محاصرة الحكومات التي تقف في وجه هؤلاء المحتجين. يمارس فريق ترامب اليوم نفس الفعل الذي اتخذه الغرب يوماً ذريعة لإذكاء نار الفتنة وصولاً إلى تدمير أوطان بأكملها تحت مسمى “الربيع العربي” الذي لم يكن يوماً “ربيعاً” ولم يكن “عربياً”، هل سينتبه الأمريكيون إلى هذه المفارقة؟ يبدو الأمر ضرباً من الخيال، لكننا ومن منطلق إيماننا بالسلام والسلمية، يكفي أن نأمل نجاح التظاهرات السلمية في أمريكا بردع ترامب وأمثاله عن التغول السلطوي ضد كل شعوب العالم، بما فيها الشعب الأمريكي، وتصحيح بوصلة الحكم الأمريكي إزاء قضايا الشعوب جميعها. الأكيد أن التغيير في أمريكا بشكل ما بدأ، والأكيد أيضاً أن مظلومية الإنسان، أي إنسان في أي مكان على الأرض، هي التي يجب أن تنتصر في النهاية.

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب